نسبه الحسنه و السیئه الی الله

0

إنّ الإجابه عن هذا السؤال تتّضح من خلال ما أثبتناه سابقاً من نسبیه الشرور والبلایا، لأنّ کلّ أنواع الشرور والبلایا حتى الأفاعی والعقارب إذا نظرنا إلیها من الزاویه الوجودیه، أی من کونها ظاهره اکتسبت وجودها من اللّه سبحانه، فانّها حینئذ تکون جمیله وحسنه. وإنّما تتّصف هذه الموجودات بالسوء إذا کانت هناک نسبه بینها و بین حیاه الإنسان وکانت غیر ملائمه لحیاته، فحینئذ نقول: إنّ الأفعى والعقرب بلاء وشرّ لحیاه الإنسان.
فإذا کانت الآیه الأُولى تنسب کلّ أنواع النصر والهزیمه إلى اللّه وتنسب هطول الأمطار والسیول کذلک إلى اللّه سبحانه، فمن جهه کون الآیه ترکّز على أنّ کلّ ظاهره باعتبارها وجوداً فإنّها تکتسب وبصوره قهریه حظّاً من الحسن والجمال من جانب اللّه سبحانه، ولذلک لا یمکن فی هذا الظرف أن توصف بکونها ظاهره سیئه ـ وإذا کان القرآن الکریم قد وصفها فی الآیه الأُولى بکونها
سیّئه، فما ذلک إلاّ لکون القرآن یتکلّم بلغه المخاطبین ـ وذلک لأنّه مادام لم توجد مقایسه ونسبه بین تلک الظاهره وبین الإنسان فلا یصحّ وصفها بالسوء، بل تکون وجوداً حسناً وجمیلاً، ولذلک نسبت الآیه الأُولى الجمیع إلى اللّه سبحانه.
نعم تتّصف بالسوء إذا کان هناک نسبه بینها و بین حیاه الإنسان فقدره العدو مثلاً سیّئه ومضره بالقیاس إلى الطرف الآخر، والمطر مضر وشرّ بالقیاس إلى تخریب المنازل، ففی مثل هذه الحاله فقط یمکن أن توصف هذه الظواهر بالشرّ والسوء وفی هذه الصوره بالذات یقول الناس: «لقد نزل البلاء».
فی مثل تلک الصوره تنسب السیّئه إلى الإنسان نفسه ویقال:
(وما أصابک من سیئه فمن نفسک ) لماذا؟ لأنّ فی مثل تلک الظروف لا یمکن تجاهل تأثیر أعمال الإنسان السیّئه وماضیه وتاریخه المظلم وتقاعسه فی أداء واجباته، وذلک لأنّ جمیع مظاهر الانهزام والانکسار والبلایا معلولات لتقصیر وتقاعس الإنسان، سواء على المستوى الفردی أو المستوى الجماعی.
فإنّ الشاب المدمن على الخمر ـ مثلاً ـ یجب بالبداهه أن ینتظر سلسله من البلایا والمصائب والمحن، والأُمّه التی لا تبنی السدود فی وجه السیول یجب حتماً أن تنتظر الدمار والخراب، والبیوت التی لا تبنى على أساس مقاومه الزلازل یجب حتماً أن تنتظر الخراب والدمار على أثر الزلازل، إنّ مثل هذه المجتمعات التی تقصر فی هذه الأُمور لابدّ أن تکون فی معرض المصائب والمحن والمآسی، ولهذا قال اللّه تعالى فی الآیه الثانیه: (وما أَصابک مِنْ حَسَنَه فَمِنَ اللّه وَما أَصابَکَ مِنْ سَیِّئَه فَمِنْ نَفْسِکَ… ) .
لقد کان الأنبیاء (علیهم السلام) یذمون من یتطیر بهم ویتشاءم من وجودهم: (قَالُوا طَائِرُکُمْ مَعَکم أَئِنْ ذُکِّرْتُمْ… ) .( [۱])
وهم بذلک یُشیرون إلى أنّ علّه المحن والمصائب کامنه فی نفس العصاه والمنکوبین وهو أمرٌ ناشئ منهم ونابعٌ من أعمالهم أنفسهم.
وإذا ما وجدنا فی آیه أُخرى من القرآن الکریم قوله سبحانه: (…أَلا إِنّما طائرهُمْ عِنْدَ اللّه وَلکنَّ أَکثَرَهُمْ لا یَعْلَمُون ) .( [۲])
فلاشک أنّ المقصود فی هذه الآیه أنّ اللّه سبحانه عظیم وکبیر فی علمه ومعرفته بحیث لا یخفى علیه شیء من مصیرکم وما تؤول إلیه حیاتکم.
إنّ النکته الجدیره بالاهتمام هی: إنّ الآیه الأُولى تصرح بأنّ مصیر الإنسان ومستقبله مرهون به (طائرکم معکم ) ، وذلک لأنّ أعمال الإنسان وأفعاله هی التی تصنع مصیر الإنسان.
أمّا إذا کان الحدیث عن علم اللّه وإحاطته بمستقبل وبمصیر الإنسان نجد الآیه الأُخرى تتحدث بلحن آخر وبطریقه مختلفه عن الأُولى حیث تعتبر أنّ علم اللّه محیط بمصیر الإنسان ومستقبله، قال تعالى: (إِنّما طائرکُمْ عِندَ اللّه ) .
إنّ القرآن الکریم یعتبر ـ و فی آیات أُخرى ـ حالات الإنسان وأعماله السابقه علّه لوقوعه فی المحن والتقلّبات قال تعالى: (وَما أصابَکُمْ مِنْ مُصِیبَه فَبِما کَسَبَتْ أَیدیکُمْ وَیَعْفُوا عَنْ کَثیر ) .( [۳])
وفی آیه أُخرى یقول سبحانه: (…إِنَّ اللّهَ لا یُغَیِّرُ ما بِقَوم حتّى یُغَیِّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ… ) .( [۴])
وکذلک الآیه ۵۳ من سوره الأنفال تتضمن معنى قریباً من هذا المعنى.( [۵])
_______________________
[۱] . یس: ۱۹٫
[۲] . الأعراف: ۱۳۱٫
[۳] . الشورى: ۳۰٫
[۴] . الرعد: ۱۱٫
[۵] . منشور جاوید:۲/۳۱۳ـ ۳۱۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.