من هو مصدر الحسنات والسیئات؟

0

 
 
من خلال قراءه الآیات ۷۸ـ۷۹ من سوره «النساء» التی یقول الله تعالى فیهما: (أَیْنَما تَکُونُوا یُدْرِکْکُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ کُنْتُمْ فی بُرُوج مُشَیَّدَه وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَهٌ یَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَیِّئَهٌ یـَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِکَ قُلْ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا یَکادُونَ یَفْقَهُونَ حَدیثاً*ما أَصابَکَ مِنْ حَسَنَه فَمِنَ اللّهِ وَ ما أَصابَکَ مِنْ سَیِّئَه فَمِنْ نَفْسِکَ وَ أَرْسَلْناکَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَ کَفى بِاللّهِ شَهیداً) یتبادر إلى الذهن سّؤال مهم و هو: لماذا نسب الخیر والشر فی الآیه الاُولى کلّه لله؟ ولماذا حصرت الآیه التالیه الخیر ـ وحده ـ لله، ونسبت الشرّ إلى الإنسان؟
والجواب: حین نمعن النظر فی الآیتین تواجهنا عدّه اُمور، یمکن لکل منها أن یکون هو الجواب على هذا السؤال.
۱ـ لو أجرینا تحلیلا على عناصر تکوین الشر لرأینا أنّ لها اتجاهین: أحدهما إیجابی والآخر سلبی، والإتجاه الأخیر هو الذی یجسد شکل الشر أو السیئه ویبرزه على صوره «خساره نسبیه» فالإنسان الذی یقدم على قتل نظیره بسلاح ناری أو سلاح بارد یکون قد ارتکب بالطبع عملا شریراً وسیئاً، فما هی إذن عوامل حدوث هذا العمل الشریر؟
إنّها تتکون من: قدره الإنسان وعقله، وقدره السلاح، والقدره على الرمی اصابه الهدف، واختیار المکان والزمان المناسبین، وهذه تشکل عناصر الإتجاه الإیجابی للقضیه، لأنّ کل عنصر منها یستطیع فی حدّ ذاته أن یستخدم کعامل لفعل حسن إذا استغل الاستغلال الحکیم، أمّا الإتجاه السلبی فهو فی استغلال کل من هذه العناصر فی غیر محله، فبدلا من أن یستخدم السلاح لدرء خطر حیوان مفترس أو للتصدی لقاتل ومجرم خطیر، یُستخدم فی قتل إنسان بریء، فیجسد بذلک فعل الشر، وإلاّ فإنّ قدره الإنسان وعقله وقدرته على الرمی والتهدیف، وأصل السلاح وکل هذه العناصر، یمکن أن یستفاد منها فی مجال الخیر.
وحین تنسب الآیه الاُولى الخیر والشرّ کلّه لله، فإن ذلک معناه أنّ مصادر القوّه جمیعها بید الله العلیم القدیر حتى تلک القوّه التی یساء استخدامها، ومن هذا المنطلق تنسب الخیر والشرّ لله، لأنّه هو واهب القوى.
والآیه الثّانیه: تنسب «السیئات» إلى الناس إنطلاقاً من مفهوم «الجوانب السلبیه» للقضیه ومن الإساءه فی استخدام المواهب الإلهیه.
تماماً مثل والد وهب ابنه مالا لیبنی به داراً جدیده، لکن هذا الولد بدلا من أن یستخدم هذا المال فی بناء البیت المطلوب، اشترى مخدرات ضاره أو صرفه فی مجالات الفساد والفحشاء، لا شک أنّ الوالد هو مصدر هذا المال، لکن أحداً لا ینسب تصرف الإبن لوالده، لأنه أعطاه للولد لغرض خیری حسن، لکن الولد أساء استغلال المال، فهو فاعل الشرّ، ولیس لوالده دخل فی فعلته هذه.
۲ـ ویمکن القول ـ أیضاً ـ بأنّ الآیه الکریمه إنّما تشیر إلى موضوع «الأمر بین الأمرین».
وهذه قضیه بحثت فی مسأله الجبر والتفویض، وخلاصه القول فیها أنّ جمیع وقائع العالم خیراً کانت أم شرّاً ـ هی من جانب واحد تتصل بالله سبحانه القدیر لأنّه هو الذی وهب الإنسان القدره والقوّه وحریه الإنتخاب والاختیار، وعلى هذا الأساس فإنّ کل ما یختاره الإنسان ویفعله بإرادته وحریته لا یخرج عن إراده الله، لکن هذا الفعل ینسب للإنسان لأنّه صادر عن وجوده، وإرادته هی التی تحدد اتجاه الفعل.
ومن هنا فإنّنا مسؤولون عن أعمالنا، واستناد أعمالنا إلى الله ـ بالشکل الذی أوضحناه ـ لا یسلب عنّا المسؤولیه ولا یؤدّی إلى الاعتقاد بالجبر.
وعلى هذا الأساس حین تنسب «الحسنات» و«السیئات» إلى الله سبحانه وتعالى، فلفاعلیه الله فی کل شیء، وحین تنسب السیئه إلى الإنسان فلإرادته وحریته فی الاختیار.
وحصیله هذا البحث إنّ الآیتین معاً تثبتان قضیه الأمر «الأمر بین الأمرین» (تأمل بدقّه)!
۳ـ هناک تفسیر ثالث للآیتین ورد فیما أثر عن أهل البیت(علیهم السلام)، وهو أنّ المقصود من عباره السّیئات جزاء الأعمال السیئه وعقوبه المعاصی التی ینزلها الله بالعاصین، ولما کانت العقوبه هی نتیجه لأفعال العاصین من العباد،(۱) لذلک تنسب أحیاناً إلى العباد أنفسهم وأحیاناً اُخرى إلى الله، وکلا النسبتین صحیحتان، إذ یمکن القول فی قضیه قطع ید السارق إنّ القاضی هو الذی قطع ید السارق، کما یجوز أن یقال إنّ السارق هو السبب فی قطع یده لارتکابه السرقه.(۲)
_______________________________
۱٫ تفسیر نورالثقلین، ج ۱، ص ۵۱۹; وبحارالانوار، ج ۵، ص ۲۰۲٫
۲٫الأمثل، ج ۳، ص ۲۱۷٫
مصدر: مکتب سماحه آیه الله العظمی مکارم الشیرازی

Leave A Reply

Your email address will not be published.