فلسفه الابتلاء والاختبار
من الواضح أنّ الاختبار إنّما یجری لغرض تحصیل العلم وکشف الحقائق المجهوله، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار انّ اللّه عالم بسرّ الإنسان وعلانیته، ومطّلع على ماضیه ومستقبله، فحینئذ یطرح التساؤل التالی: ما الحاجه إذاً إلى هذا الامتحان وذلک الاختبار وما هی فلسفت
الجواب: انّ الاختبار والامتحان الإلهی یمثّل سنّه عامه لا تختص بفرد دون فرد أو جماعه دون أُخرى، بل یخضع لها الجمیع حسب إمکاناتهم وقابلیاتهم، فکلّ یتعرض لذلک الامتحان الإلهی ویدخل فی بوتقه ذلک الاختبار، ولقد صرّح القرآن الکریم بشمولیه الاختبار وعمومیه الامتحان الإلهی بقوله سبحانه:
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّهَ وَلَمّا یَأْتِکُمْ مَثَلُ الّذینَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِکُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُوَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى یَقُولَ الرَّسُولُ وَالّذینَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَریبٌ ) .( [۱])
وبالطبع أنّ جمله (مَتى نَصْرُ اللّه ) لیست من قبیل الاستفهام الاعتراضی، بل هی نوع دعاء وطلب للمدد والعون الإلهی.
ولکن المسأله المهمه هنا هی معرفه الهدف من الامتحان والاختبار وفلسفه ذلک.لا شکّ أنّ للابتلاء الإلهی أهدافاً وغایات متعدّده، فمن هذه الأهداف تفجیر القدرات والطاقات الإنسانیه الکامنه، وکذلک من خلال هذا الطریق یتسنّى للأفراد الاقتراب من الکمال المطلوب، فإذا لم یتعرّض الإنسان للاختبار والامتحان والابتلاء تبقى کمالاته وقدراته کالکنز الدفین فی أعماق التربه لا یعلم منها شیء.
إنّ بیان وتوضیح هذه الفکره ـ التی مفادها أنّ الامتحان والاختبار بالنسبه إلى المجتمعات البشریه یعدّ عامل تکامل وسلّماً للرقی والسمو الإنسانی ـ یحتاج إلى ذکر عدّه نقاط، هی:
۱٫ تنمیه الطاقات والاستعدادات الکامنه
إنّ الإنسان وبسبب عدم البلوغ العلمی والنضج الفکری یضطر لرفع أی إبهام یواجهه وأی معضله تعتریه، إلى أن یطرق ویلج باب الاختبار، وبالطبع أنّ مثل هذا التصوّر یستحیل على اللّه سبحانه وتعالى العالم بما کان وسیکون، ولا یعتریه النقص أو الجهل بحال من الأحوال، ولکن ذلک لا یمنع من أن تکون للاختبار والامتحان الإلهی غایه وهدف یمکن أن نطلق علیها اسم تفجیر الطاقات وتفعیل القوى والاستعدادات الکامنه وإخراجها إلى حیّز الفعلیه أو تربیه وتنمیه تلک الاستعدادات، وذلک لأنّ الطاقات البشریه حالها حال جمیع الأُمور الأُخرى لا یمکن أن تنتقل من مرحله القوه إلى الفعل من دون الاستعانه بوسائل وأسباب خاصه، والوسیله التی تستطیع أن تظهر کلّ تلک اللیاقات إلى
حیّز الفعلیه هی عملیه الاختبار والامتحان.
فالکلّ منّا یعلم أنّ الفلزات إنّما تظهر استعداداتها ولیاقاتها وقدرتها على الدوام والاستمرار حینما توضع فی أفران الاختبار وتسلط علیها نیران الامتحان.
إنّ إحدى وسائل الامتحان والاختبار الإلهی هی تلک المصاعب التی تواجه الإنسان والتقتیر فی الرزق وفی مستلزمات الحیاه الضروریه، ولذلک نرى الإنسان یتساءل منذ اللحظات الأُولى لوعیه للحیاه ولبدء عمله وحرکته على وجه البسیطه ما الهدف من کلّ هذه المصاعب وهذا التقتیر فی الرزق، وبتعبیر القرآن الکریم لماذا هذه (البأساء والضرّاء ) ؟
ولکن بمجرد أن یمعن الإنسان التفکیر وینظر بدقه إلى المثال الذی سقناه سابقاً(المعادن فی کیر الحداد) یدرک جیداً أنّ تلک المصاعب التی یتعرض لها وتواجهه فی الحیاه هی التی تبنی شخصیته وتفجّر طاقاته الکامنه وتحدّد له استقامته وثباته فی مسیره، کمثل الشجره التی تنمو فی قلب الصحراء وفوق الرمال القاحله وأمام الریاح الملتهبه فإنّه وبلا أدنى شکّ أنّ مثل هذه الشجره ستقاوم کلّ تقلّبات الأحوال وتصمد أمام تقلّبات الظروف مهما اشتدت وصعبت أی أنّها تمتلک حینئذ صفه خاصه هی صفه المقاومه والثبات، وهذا بخلاف الشجره التی تنمو فی ظلّ ظروف ناعمه وفی جوّ طبیعی وأرض ندیّه وتربه طیّبه فأنّها وبلا شکّ لا تمتلک القدره على مواجهه تقلّبات الحیاه من الجفاف أو الحراره أو العواصف، أو ما شاکل ذلک، یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام) : «ألا وإنّ الشجره البریه( [۲]) أصلب عوداً، والرواتع الخضره ( [۳]) أرق جلوداً،
والنابتات العذیه( [۴]) أقوى وقوداً وأبطأ خموداً». ( [5])
إنّ الإنسان الذی یخضع للاختبار ویبتلى بأشدّ المصائب، یتعلم کیف یشق طریق الحیاه ویطوی جادتها بنحو تسهل لدیه مصاعب الحیاه وتهون علیه شدائدها وتصبح أمراً طبیعیاً حیث إنّه یعمل فکره وعقله ویستفید من طاقاته ویفجر کمالاته المودعه فیه ویفعّلها لتخلیص نفسه ونجاتها.
وبالطبع لا یمکن أن ندّعی أنّ الامتحان والاختبار مثمر ومفید لجمیع الأفراد، وأنّ الجمیع یخرجون من بوتقه الاختبار ویجتازون مراحله بنجاح وموفقیه، بل الذی ندّعیه هو أنّه فی حاله توفر الأرضیه المناسبه یکون الامتحان سبباً لارتقاء الإنسان فی سلّم الکمال وبروز الخصائص النفسیه الکامنه فی أعماقه، ولقد أشار القرآن الکریم إلى هذا الهدف فی قوله تعالى:
(…وَلِیَبْتَلِی اللّهُ ما فی صُدُورِکُم و لِیُمَحِّصَ ما فی قُلوبکُمْ وَ اللّهُ عَلِیمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) .( [۶])
إنّ قوله تعالى: (وَ اللّهُ عَلیمٌ بِذاتِ الصُّدُور ) یشیر إلى أنّ هدف اللّه تعالى من الاختبار لیس هو تشخیص الواقعیات، بل الهدف والغایه هو التربیه وتفجیر وإظهار الطاقات والکفاءات الکامنه فی مرکز وجود الإنسان، ولقد أطلق العرب فی لغتهم لفظه «التمحیص» على ذلک المعنى، ومن یراجع کلمات أمیر المؤمنین (علیه السلام) وحکمه یجده قد أشار إلى ضروره ولابدّیه الاختبار وفلسفته، وانّه لا ینبغی أن یطلب الإنسان من ربّه عدم الامتحان والابتلاء، بل
الذی ینبغی هو أن یطلب منه تعالى أن لا یبتلیه بأمر یعجز عن القیام به أو یفشل فیه، ثمّ یوضح لنا (علیه السلام) الهدف من الاختبار وهو إظهار وإبراز الصفات والخصال الحسنه أو السیئه التی تمنح الإنسان شخصیته حیث یقول (علیه السلام) : «لا یقولن أحدکم: «اللّهم إنّی أعوذ بک من الفتنه»، لأنّه لیس أحد إلاّ وهو مشتمل على فتنه، ولکن من استعاذ فلیستعذ من مضلاّت الفتن، فانّ اللّه سبحانه وتعالى یقول: (وَاعْلَمُوا إِنّما أَموالکُمْ وَأَولادکُمْ فِتْنَه ) ، ومعنى ذلک إنّه یختبرهم بالأموال والأولاد لیتبین الساخط لرزقه والراضی بقسمه، وإن کان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولکن لتظهر الأفعال التی بها یُستحق الثواب والعقاب، لأنّ بعضهم یُحب الذکور ویکره الإناث، وبعضهم یحب تثمیر المال، ویکره انثلام الحال».( [7])
ولک أن تقول: إنّ الابتلاء الإلهی دوره کدور صاحب البستان، فإنّ الفلاح عندما یضع البذره ـ ذات الاستعداد والقدره ـ تحت التراب، فإنّ تلک البذره ومن خلال الاستفاده من الإمکانات والمواهب الطبیعیه تأخذ طریقها إلى النمو والرشد وانّها فی طیّها لهذا الطریق الشائک تقابل کمّاً هائلاً من المشاکل والصعوبات التی تعترض طریقها من الأعاصیر الشدیده والبروده القاتله والحراره المحرقه، ولذلک ینبغی علیها أن تقاوم کلّ تلک الصعوبات وتجتاز کلّ تلک العقبات، لکی تبرز استعداداتها وتفجر قدراتها الکامنه فیها فتتحول إلى غصن جمیل وثمره یانعه شهیه ولذیذه. فإذا لم تتعرض تلک البذره إلى کلّ تلک الشدائد ولم تمر فی بوتقه الاختبار فمن المستحیل أن تبرز کمالها وتظهر استعداداتها الکامنه فیها.
۲٫ الابتلاء معیار الثواب والعقاب
لا شکّ أنّ مجرّد وجود الصفات والخصال الحسنه أو السیئه فی النفس الإنسانیه لا یُعد معیاراً للثواب أو العقاب، فإنّه ما لم تظهر تلک الصفات یستحیل معاقبه الإنسان بِصِرْف وجود تلک الصفه فیه أو إثابته کذلک، وانّ تلک الصفات الکامنه لا یمکن أن تظهر ما لم تخضع لبوتقه الاختبار والابتلاء والتمحیص، وهذا هدف آخر من الأهداف المتوخّاه من الابتلاء، ولقد أشار أمیر المؤمنین (علیه السلام) إلى تلک الحقیقه بقوله: «وإن کان سبحانَهُ أعلمُ بِهِم مِنْ أنفسهم و لکن لتظهر الأفعال التی بها یستحقّ الثّواب و العقاب».( [8])
۳٫ تمییز الصالحین من الطالحین
إنّ الهدف الثالث من أهداف الابتلاء والاختبارالإلهی هو تمییز الصالح من الطالح، وذلک لأنّه فی المجتمع الإسلامی الکلّ یدّعی لنفسه السبق ویرى نفسه فی عداد الثوار وزمره المجاهدین والمؤمنین، ویدافع عن نفسه ویرى لها تلک الحسنه وهذه الصفه الحمیده، فی الوقت الذی یوجد فیهم المنافقون والمؤمنون والصالحون والطالحون بل فیهم من یکید للإسلام ویتربّص به الدوائر. ومنهم من یدافع عنه بکلّ ما أُوتی من قوه، فإنّ من الطبیعی فی مثل تلک الأجواء والظروف تکون الطریقه المثلى والأُسلوب الأفضل للتمییز بین الأصناف الصالحه والطالحه والمؤمن والمنافق هو أن یتعرض الجمیع للابتلاء والامتحان الإلهی. وإلاّ یکون الجمیع فی مرتبه واحده وصف واحد ولا یمکن
تمییز بعضهم عن البعض الآخر إذا عاش الجمیع فی رخاء، ولقد أشار القرآن الکریم إلى ذلک المعنى بقوله:
(ما کانَ اللّهُ لِیَذَرَ المُؤْمِنینَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَیْهِ حَتّى یَمِیزَ الخَبیثَ مِنَ الطَّـیِّبِ … ) .( [۹])
وفی آیه أُخرى یقول سبحانه:
(لیَمیزَ اللّهُ الخَبیثَ مِنَ الطَّـیِّبِ وَیَجْعَل الخَبیثَ بعضَهُ عَلى بَعْض فَیرْکُمَهُ جَمیعاً فیَجْعَلُهُ فی جَهَنَّمَ أُولئِکَ هُمُ الخاسِرُونَ ) ( [۱۰]) . ( [۱۱])
________________________________
[۱] . البقره: ۲۱۴٫
[۲] . التی تنبت فی البرّ الذی لا ماء فیه.
[۳] . الأشجار والأعشاب الغضه الناعمه التی تنبت فی الأرض الندیه.
[۴] . الزرع الذی لا یسقیه إلاّ ماء المطر.
[۵] . نهج البلاغه، ص ۴۱۸، قسم الرسائل برقم ۴۵ من کتاب له إلى عثمان بن حنیف تحقیق صبحی الصالح.
[۶] . آل عمران: ۱۵۴٫
[۷] . نهج البلاغه، الکلمات القصار، رقم ۹۳٫
[۸] . المصدر نفسه.
[۹] . آل عمران: ۱۷۹٫
[۱۰] . الأنفال: ۳۷٫
[۱۱] . منشور جاوید:۱/۲۶۱ـ ۲۶۹٫