ثوره المختار
المختار هو ابن أبی عبیده بن مسعود بن عمرو بن عوف بن عبده بن عوف بن ثقیف الثقفی ، ولد عام الهجره وقد جاء أبوه به إلى علی ( علیه السلام ) وهو صغیر وأجلسه على فخذه وقال له وهو یمسح على رأسه : ( یاکیّس ! یاکیّس ! ) ؛ ولذا لُقّبَ بالکیسان (۱) .
إنّ ثوره المختار الثقفی من الثورات الانتقامیه التی أثلجت قلوب بنی هاشم ؛ إذ ما امتشطت هاشمیّه ولا اختضبت ، حتى أخذ المختار ثأر الحسین من قتلته ، ولمّا وقف الإمام علی بن الحسین ( علیهما السلام ) على ما جرى على أعداء أبیه بید المختار خرّ ساجداً ، وقال : ( الحمد للّه الذی أدرک لی ثأری من أعدائی وجزى المختار خیراً ) (۲) .
وهناک سؤال یطرح نفسه وهو أنّ المختار کان من أهل الولاء لأهل البیت ( علیهم السلام ) فلماذا لم یُشارک فی جیش الإمام ( علیه السلام ) ولم یقاتل أمامه ؟ ولکنّ التاریخ یجیبک عن هذا السؤال ، وهو أنّ الرجل جاء لنصره الإمام لکن قُبض علیه وحیل بینه وبین أُمنیّته .
یذکر المؤرّخون أنّ مسلم بن عقیل ( علیه السلام ) خرج قبل الأجل الذی کان بینه وبین أصحابه منهم المختار بن أبی عبیده ، وکان فی قریه تدعى ( لقفا ) ، فبلغه ما جرى على مسلم ، فجاء بموالیه إلى الکوفه یحمل رایه خضراء ومعه عبد اللّه بن الحارث رافعاً لواء أحمر ، فانتهى إلى باب الفیل ووضح لدیهما قتل مسلم وهانئ وأُشیر علیهما بالدخول تحت رایه عمرو بن حریث لیسلما على دمهما ، ففعلا وحفظ دمهما ابن حریث بشهادته عند ابن زیاد باجتنابهما مسلم بن عقیل ، فقبل منه بعد أنْ شتم المختار واستعرض وجهه بالقضیب فشتر (۳) عینه ، ثمّ أمر بهما فسجنا ، وبقیا فی السجن إلى أنْ قُتل الحسین ( علیه السلام ) ، فکتب المختار إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب ـ وکان زوج أُخته ( صفیّه ) ـ أنْ یشفع له عند یزید بن معاویه ، ففعل وشفّعه یزید وأمر ابن زیاد بإطلاقه من السجن بعد أنْ أجّله بالکوفه ثلاثاً لیخرج إلى الحجاز وإلاّ أعاده إلى السجن (۴) .
خرج المختار إلى الحجاز وأقام هناک خمسه أشهر واجتمع مع ابن الزبیر لخروجه على یزید وکفاحه ضد الأمویّین ، وهذه هی النقطه التی کان المختار وعبد اللّه بن الزبیر وکثیر من المعارضین یشترکون فیها حتى الخوارج .
مکث عنده شهوراً وأیّاماً ولکن لم یجد بغیته فیه ، ومع ذلک کلّه قاتل الشامیّین جنود الطاغیه تحت رایه عبد اللّه بن الزبیر ، وهذا یدلّ على خلوصه فی مکافحته الأمویّین ، وقد ذکر الطبری شیئاً کثیراً من بطولته وقتاله ضدّ الشامیّین ، نقتطف منه ما یلی :
مکث المختار مع عبد اللّه بن الزبیر حتّى شاهد الحصار الأوّل حین قدم الحُصین بن النمیر السکونی مکّه فقاتل فی ذلک الیوم ، فکان من أحسن الناس یومئذٍ بلاء وأعظمهم عناء ، ولمّا قُتل المنذر بن الزبیر والمسوّر بن مخرمه ومصعب بن عبد الرحمان بن عوف الزهری ، نادى المختار : یا أهل الإسلام ! إلیّ إلیّ أنا ابن أبی عبید بن مسعود ، وأنا ابن الکرّار لا الفرّار ، أنا ابن المقدمین غیر المحجمین ، إلیّ یا أهل الحفاظ وحماه الأوتار . فحمى الناس یومئذ وأبلى وقاتل قتالاً حسناً ، ثمّ أقام مع ابن الزبیر فی ذلک الحصار حتّى کان یوم أُحرق البیت ، فإنّه أُحرق یوم السبت لثلاث مضَیْنَ من شهر ربیع الأوّل سنه ۶۴هـ ، فقاتل المختار یومئذٍ فی عصابه معه نحواً من ثلاثمئه أحسن قتال قاتله أحد من الناس إنْ کان لیقاتل حتى یتبلّد ثمّ یجلس ویحیط به أصحابه ، فإذا استراح نهض فقاتل ، فما کان یتوجّه نحو طائفه من أهل الشام إلاّ ضاربهم حتّى یکشفهم (۵) .
وقد ذکر الطبری شیئاً کثیراً من هذه البطولات أیّام إقامته فی مکّه مع ابن الزبیر قبل مهلک یزید وبعده .
مغادرته مکّه إلى الکوفه :
ولمّا بلغ نعی یزید إلیه غادر مکّه إلى الکوفه للطلب بدم شهید الطف ، وإنّما اختار الکوفه ؛ لأنّ هناک مجتمع أنصاره وأعدائه ، ولمّا نزل الکوفه اجتمع حوله کثیر من الشیعه ، یقول المسعودی :
نزل ناحیه من الکوفه وجعل یظهر البکاء على الطالبیّین وشیعتهم ، ویُظهر الحنین والجزع لهم ، ویحثُّ على أخذ الثأر ، فمالت إلیه الشیعه وانضافوا إلى جملته (۶) ، ولمّا بلغ إلى ابن الزبیر التفاف الشیعه حول المختار وأنّه بصدد الخروج أحسّ خطراً وأنّه سوف یخرج العراق من یده ، وقد کان العراق تحت قدرته ، فرأى أنّ التفاف الناس حول المختار یرجع إلى عدم کفاءه عامله ، فحاول إبداله بعامل آخر لم یکن فی اللباقه أحسن منه فاستعمل عبد اللّه بن مطیع بالکوفه ، وکان قدومه فی رمضان لخمس بَقَیْنَ منه ، ولمّا قدم صعد المنبر وخطبهم وقال : أمّا بعد ، فإنّ أمیر المؤمنین ( ابن الزبیر ) بعثنی على مصرکم وثغورکم ، وأمرنی بجبایه فیئکم ، وأنْ لا أحمل فضل فیئکم عنکم إلاّ برضا منکم ، وأنْ أتّبع وصیّه عمر بن الخطّاب التی أوصى بها عند وفاته ، وسیره عثمان بن عفّان ، فاتّقوا اللّه واستقیموا ولا تختلفوا وخذوا على أیدی سفهائکم ، فإنْ لم تفعلوا فلوموا أنفسکم ولا تلومونی ، فواللّه لأُوقعنّ بالسقیم العاصی ، ولأُقیمنّ درع الأَصعر المرتاب (۷) .
ولو کان کلامه مقیاساً لشعوره ودهائه وسیاسته ، فهذه الخطابه التی ألقاها، دلیل على عدم تعرّفه على بیئته ، والنفسیّات الحاکمه على سکّانها ، فإنّ ما ذکره إنّما کان یتجاوب مع أفکار قلیل من أهل الکوفه الذین کانوا یتجاوبون مع بنی أُمیّه ویحبّون خطّهم ، وأمّا الأکثریّه الساحقه ، فکانوا على خلاف تلک الفکره .
ولأجل ذلک قام السائب بن مالک الأشعری ولم یمهله لإتمام کلامه وقال : ( أمّا حمل فیئنا برضانا فإنّا نشهد أنّا لا نرضى أنْ یحمل عنّا فضله ، وأنْ لا یقسّم إلاّ فینا ، وأنْ لا یُسار فینا إلاّ بسیره علی بن أبی طالب التی سار بها فی بلادنا هذه حتّى هلک ، ولا حاجه لنا فی سیره عثمان فی فیئنا ولا فی أنفسنا ، ولا فی سیره عمر بن الخطّاب فینا وإن کانت أهون السیرتین علینا ، وکان یفعل بالناس خیراً ) .
فقال یزید بن أنس : صدق السائب وبرّ ، وعندئذ تنبّه عبد اللّه بن مطیع أنّ کلامه لم یکن بلیغاً مطابقاً لمقتضى الحال ، فعاد بتلطیف ما سبق وقال : نسیر فیکم بکلّ سیره أحببتموها ، ثمّ نزل (۸) .
لمس المختار ما تتبنّاه الأکثریّه الساحقه من أهل الکوفه والعراق ، ولم یکن آنذاک فی وسعه تحقیق العدل الاجتماعی الذی سار به علی ( علیه السلام ) فی أیّامه ، ولکنْ کانت فیه مقدره عظیمه على أخذ الثأر حتّى یتمکّن من الأَخذ بمجامع القلوب .
میزه ثوره المختار :
وتتمیّز ثوره المختار عن ثوره التوّابین بأنّ ثوره هؤلاء کانت متوجّهه على النظام الأموی بالذات دون الذین ارتکبوا الجرائم بالمباشره ؛ وذلک لاعتقادهم بأنّ النظام هو الأساس لقتل الحسین ( علیه السلام ) دون الأشخاص العملاء ، فلابدّ من السعی لقطع جذور السبب قبل مکافحه المسبب ، فلأجل ذلک ترکوا الکوفه وفیها قتله الحسین ( علیه السلام ) فتوجّهوا إلى الشام وقد استشهد کثیر منهم فی معرکه الحرب مع الشامیّین وتراجع القلیل منهم إلى الکوفه وعلى رأسهم رفاعه بن شداد الأمیر الأخیر لهم ، وتفرّقوا فی عشائرهم .
أمّا المختار فقد کانت ثورته متوجّهه بالذات إلى القتله ، وتطهیر أرض العراق من جراثیم العیث والفساد من الأمویّین ، وأمّا الذی حداه إلى اتّخاذ هذا الأسلوب فی ثورته هو أنّ العراقیین قد استجابوا لابن الزبیر وبایعوه وطردوا عامل الأمویّین من الکوفه باسم عمرو بن حریث ، وذلک قبل خروج المختار ، وکانت أُمنیتهم من تلک البیعه أمرین :
۱ ـ تحقیق العدل الاِجتماعی والسیر وراء الإصلاح الذی قام به الإمام علی ( علیه السلام ) .
۲ ـ أخذ الثأر من قاتل الإمام الحسین ( علیه السلام ) .
أمّا الأمر الأوّل فلم یتحقّق منه شیء واضح حتّى یقنع العراقیین ، وأمّا الثانی فکان على طرف النقیض من أُمنیتهم حیث کانت هیاکل الإثم کعمر بن سعد وشمر بن ذی الجوشن وشبث بن ربعی وغیرهم مقرّبین إلى السلطه ، فصار ذلک سبباً لتسرّب الضعف إلى سلطان ابن الزبیر فی القلوب ، فکانوا یتحیّنون الفرص للخروج عن بیعته وإقامه نظام جدید یحقّق العدل الاجتماعی الذی مارسوه فی عهد الإمام علی وأخذ الثأر من قتله الإمام .
نهض المختار والشیعه ـ هم الأغلبیه الساحقه على الکوفه ـ غیر راضین من سلطه ابن الزبیر وعامله فی الکوفه عبد اللّه بن مطیع ، واجتمعت الشیعه حول المختار واتفقوا على الرضا به ، ولم یزل أصحابه یکثرون وأمره یقوى .
إنّ ثوره المختار کانت ثوره وهّاجه أنارت الطریق للثائرین الآتین بعده ، غیر أنّ حولها إبهامات وتأمّلات أهمّها کونها مبعوثه أو مدعمه من جانب ابن الحنفیّه ، مع أنّ الإمام القائم مقام الحسین وولیّه وسلطان دمه هو علی بن الحسین زین العابدین ( علیهما السلام ) ولعلّ اتّصاله بابن الحنفیّه لأجل أنّه قام بالأمر وقد مضت خمس سنین من شهاده الإمام ، وکان محمّد الحنفیّه شخصیّه معروفه من عصر الإمام علی ویعدّ من علماء أهل البیت فاستجاز منه حتّى یتّخذه رصیداً لثورته ولا یعدّ ذلک دلیلاً على أنّه کان معتقداً بإمامته على أنّه لم یظهر لابن الحنفیّه أیّه دعوه لنفسه ، ولو رُمی بالدعوه فإنّما هو من أساطیر المخالفین لأجل تشویه سمعته والتشکیک فی قلوب الشیعه ، مع أنّ المختار أرسل الرسل ورؤوس القتله إلى علی بن الحسین ( علیه السلام ) أثناء ثورته کما سیوافیک .
خرج المختار بعد مناوشات واشتباکات بینه وبین عبد اللّه بن مطیع عامل ابن الزبیر فی الکوفه حتى غلب علیه المختار ، فدخل المختار القصر وبات فیه وأصبح أشراف الناس فی المسجد وعلى باب القصر ، وخرج المختار فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى علیه وقال :
( الحمد للّه الذی وعد ولیّه النصر ، وعدوّه الخسر ، وجعله فیه إلى آخر الدهر وعداً مفعولاً ، وقضاءً مقضیّاً وقد خاب من افترى ، أیّها الناس ، إنّا رُفعت لنا رایه ومدّت لنا غایه فقیل لنا فی الرایه إن ارفعوها ، وفی الغایه أنْ اجروا إلیها ولا تعدوها ، فسمعنا دعوه الداعی ومقاله الواعی .
ـ وقال فی نهایه کلامه : فلا والذی جعل السماء سقفاً محفوظاً والأرض فجاجاً سبلاً ، ما بایعتم بعدَ بیعه علی بن أبی طالب وآل علی ، أهدى منها ) .
ثمّ نزل ودخل علیه أشراف الکوفه فبایعوه على کتاب اللّه وسنّه رسول اللّه والطلب بدماء أهل البیت وجهاد المحلّین والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم مَن سالمنا (۹) .
وأقبل المختار یمنّی الناس ویستجرّ مودّه الأشراف ویحسن السیره ، وقیل له : إنّ عبد اللّه بن مطیع فی دار أبی موسى ، فسکت ، فلمّا أمسى بعث له بمئه ألف درهم وقال : تجهّز بهذه فقد علمت مکانک وأنّک لم یمنعک من الخروج إلاّ عدم النفقه وکان بینهما صداقه (۱۰) .
نهض المختار بالکوفه لأربع عشره لیله خلت من ربیع الأوّل سنه ۶۶هـ ، وبقی إلى شهر رمضان من سنه ۶۷هـ ، وکانت ولایته ما یقارب ۱۸ شهراً ، فجدّ فی الأمر وبالغ فی النصره وتتبّع أُولئک الأرجاس ، وقد أخذ الثأر من قتله الحسین ( علیه السلام ) . ونذکر هنا شیئاً قلیلاً من قتاله وکفاحه فی ساحه الأخذ بالثأر :
کان عامل المختار على الموصل عبد الرحمان بن سعید بن قیس الهمدانی فزحف إلیه عبید اللّه بن زیاد بعد قتله سلیمان بن صرد ( الأمیر الأول للتوّابین ) فحاربه عبد الرحمان وکتب إلى المختار بخبره ، فوجّه إلیه یزید بن أنس ، ثمّ وجّه إبراهیم بن مالک بن الحارث الأشتر ، فلقی عبید اللّه بن زیاد فقتله ، وقتل الحصین ابن نمیر السکونی ، وشرحبیل بن ذی الکلاع الحمیری ، وحرق أبدانهما بالنار ، وأقام والیاً على الموصل وأرمینیّه وآذربیجان من قبل المختار وهو على العراق والٍ ، ووجّه برأس عبید اللّه بن زیاد إلى علی بن الحسین إلى المدینه مع رجل من قومه ، وقال له : قف بباب علی بن الحسین فإذا رأیت أبوابه قد فتحت ودخل الناس فذاک الوقت الذی یوضع فیه طعامه ، فادخل إلیه . فجاء الرسول إلى باب علی بن الحسین ( علیهما السلام ) فلمّا فتحت أبوابه ودخل الناس للطعام نادى بأعلى صوته : یا أهل بیت النبوّه ، ومعدن الرساله ، ومهبط الملائکه ومنزل الوحی ، أنا رسول المختار بن أبی عبید ، معی رأس عبید اللّه بن زیاد ، فلم تبقَ فی شیء من دور بنی هاشم امرأه إلاّ صرخت ، ودخل الرسول فأخرج الرأس ، فلمّا رآه علی علی بن الحسین قال : أبعده اللّه إلى النار .
وروى بعضهم أنّ علی بن الحسین ( علیهما السلام ) لم یُرَ ضاحکاً یوماً قط ، منذ قُتل أبوه إلاّ فی ذلک الیوم ، وأنّه کان له إبل تحمل الفاکهه من الشام ، فلمّا أُتی برأس عبید اللّه بن زیاد أمر بتلک الفاکهه ففرّقت فی أهل المدینه ، وامتشطت نساء آل رسول اللّه ، واختضبْن ، وما امتشطت امرأه ولا اختضبت منذ قتل الحسین بن علی ( علیهما السلام ) .
وتتبّع المختار قَتَلَهَ الحسین فقتل منهم خلقاً عظیماً ، حتى لم یبق منهم کثیر أحدٍ ، وقتل عمر بن سعد وغیره وحرق بالنار ، وعذب بأصناف العذاب (۱۱) .
وقد جاء الجزری بتفصیل قتل قاده الجیش الأموی فی کربلاء ، قال : وکان عمرو بن الحجّاج الزبیدی ممّن شهد قتل الحسین فرکب راحلته ، وقیل أدرکه أصحاب المختار وقد سقط من شدّه العطش فذبحوه وأخذوا رأسه .
وبعث المختار غلاماً له یدعى زربى فی طلب شمر بن ذی الجوشن ومعه أصحابه أحاطوا بالبیت الذی فیه شمر ، وقام شمر وقد اتّزر ببُرد وکان أبرص فظهر بیاض برصه من فوق البُرد وهو یطاعنهم بالرمح وقد عجّلوه عن لبس ثیابه وسلاحه ، وکان أصحابه قد فارقوه ، فلمّـا أبعدوا عنه سمعوا التکبیر وقائلاً یقول : قتل الخبیث ، قتله ابن أبی الکنود وأُلقیت جثّته للکلاب (۱۲) .
ثمّ أُرسل إلى خولی بن یزید الأصبحی وهو صاحب رأس الحسین ( علیه السلام ) فاختفى فی مخرجه ، فدخل أصحاب المختار یفتّشون عنه ، فخرجت امرأته ـ واسمها العیوف بنت مالک ، وکانت تعادیه منذ جاء برأس الحسین ـ فقالت لهم : ماتریدون ؟ فقالوا لها : أین زوجک ؟ قالت : لا أدری ، وأشارت بیدها إلى المخرج ، فدخلوا فوجدوه وعلى رأسه قَوْصرّه فأخرجوه وقتلوه إلى جانب أهله وأحرقوه بالنار .
وبعث المختار أبا عمره إلى عمر بن سعد فأتاه وقال : أجب الأمیر فقام عمر ، فعثر فی جبّه له ، فضربه أبو عمره بسیفه فقتله وأخذ رأسه فأحضره عند المختار ، فقال المختار لابنه ( حفص بن عمر ) وهو جالس عنده : أتعرف من هذا ؟ قال : نعم ولا خیر فی العیش بعده فأمر به فقتل ، وقال المختار : هذا بحسین ، وهذا بعلی بن الحسین ولا سواء ، واللّه لو قتلتُ به ثلاثه أرباع قریش، ما وفوا أُنمله من أنامله ، ثمّ بعث برأسه ورأس ابنه إلى ابن الحنفیّه وکتب إلیه یعلمه أنّه قد قتل من قدر علیه وإنّه فی طلب الباقین ممّن حضر القتل (۱۳) .
ثمّ إنّ المختار أرسل إلى حکیم بن طفیل الطائی ، وکان أصاب سَلْب العبّاس بن علی ورمى الحسین بسهم ، کما بعث إلى قاتل علی بن الحسین وهو مرّه ابن منقذ فأحاطوا بداره ، فخرج إلیهم على فرسه وبیده رمحه فطاعنهم فضُـرب على یده وهرب منهم فنجا ولحق بمصعب بن الزبیر وشلّت یده بعد ذلک .
وطلب المختار سنان بن أنس الذی کان یدّعی قتل الحسین فرآه قد هرب إلى البصره فهدم داره ، کما أرسل إلى محمّد بن الأشعث ولم یجده وقد کان هرب إلى مصعب ، فهدم المختار داره وبنى بلبنها وطینها دار حجر بن عدی الکندی ، کان زیاد قد هدمها (۱۴) .
وفی الختام نذکر عمله القیّم الذی أنجى به لفیفاً من أهل بیت النبی الأکرم من الإحراق بالنار .
إنّ عبد اللّه بن الزبیر حبس محمّد الحنفیّه وأصحابه بزمزم وتوعّدهم بالقتل والإحراق وإعطاء اللّه عهداً إن لم یُبایعوا أنْ ینفذ فیهم ما توعّدهم به ، وضرب لهم فی ذلک أجلاً .
فأشار بعض من کان مع ابن الحنفیّه علیه أنْ یبعث إلى المختار یُعلمه حالهم ، فکتب إلى المختار بذلک وطلب منه النجده ، فقرأ المختار الکتاب على الناس ، فبکى الناس وقالوا : سرّحنا إلیه ، وعجّل ، فبعث إلیهم ثمانمئه راکب من أهل القوه ، حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الرایات وهم ینادون : یالثارات الحسین ، حتى انتهوا إلى زمزم ، وقد أعدّ ابن الزبیر الحطب لیحرقهم ، وکان قد بقی من الأجل یومان ، فکسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفیّه یستأذنون القتال وهو یقول : إنّی لا أستحلّ القتال فی الحرم . فخافهم ابن الزبیر وترکهم . وخرج محمّد بن الحنفیّه ومن معه إلى شعب علی وهم یسبّون ابن الزبیر ویستأذنون محمّداً فیه ، فأبى علیهم ، فاجتمع فی الشعب أربعه آلاف رجل فقسّم بینهم المال وعزوا وامتنعوا (۱۵) .
ونقل الجزری أنّ ابن عبّاس کان أیضاً محبوساً مع محمّد الحنفیّه فأزال جیش المختار الضرر عن کلیهما ، ولمّا قُتل المختار قوى علیهما ابن الزبیر فخرجا إلى الطائف ، ولمّا وصل ابن عبّاس إلى الطائف توفّی به وصلّـى علیه ابن الحنفیّه (۱۶) .
قتل المختار بجیش مصعب بن الزبیر :
کان المختار یسیطر على قسم کبیر من أراضی العراق من الکوفه إلى الموصل وغیرهما وکان أمامه عدوّین غاشمین :
أحدهما : عبد اللّه بن الزبیر حیث کان یحکم على العراق کلّه غیر أنّه أخرج المختار عامله من الکوفه وبقیت البصره بید عامله مصعب بن الزبیر .
ثانیهما : عبد الملک بن مروان الخلیفه الأموی الذی کانت بیده مفاتیح الأقطار الإسلامیه غیر العراق والحجاز .
وکان مصعب یتحیّن الفرصه للهجوم على الکوفه وعزل المختار ، وکان عبد اللّه یشجّعه على ذلک ناسیاً عمله المُشرِق عند ما ضرب جیش الشام الحصار على ابن الزبیر ، فقد حارب المختار ذلک الجیش المکثَّف أیّاماً عدیده ، ولکن الملک عقیم . هذا من جانب .
ومن جانب آخر أنّ المختار تتبّع قتله الحسین ( علیه السلام ) بیتاً بیتاً وجدّ فی الأمر ، وقتل أُولئک الأَرجاس ، ولأجل فتْکه وقتْله ، هرب قسم من أشراف الکوفه الذین کان لهم ید فی قتل الحسین ( علیه السلام ) منهم شبث بن ربعی ، حیث ورد البصره على هیئه خاصّه یحرّض والی البصره على قتال المختار ، وهو فی عمله هذا اتّبع ضمضم بن عمرو الغفاری عند ما أرسله أبو سفیان لیخبر قریشاً بالخطر الذی یحدق بتجارتهم ، فاستأجر ذلک الرجل وأمره بأن یجدع بعیره ویقطع رحله ویشقّ قمیصه من قُبُلِهِ ودُبُرِهِ ویصیح : الغوث الغوث .
قام شبث بن ربعی بنفس ذلک العمل ـ والجنس إلى الجنس یمیل ـ جاء راکباً بغله قد قطع ذنبها وقطع أطراف أُذنها فی قباء مشقوق وهو ینادی : وا غوثاه ، فقال الأشراف الهاربون إلى البصره لمصعب : سِرْ بنا إلى محاربه هذا الرجل الذی هدم دورنا ، وأخذوا یحرّضونه على ذلک .
فجاء مصعب بجیش کثیف وقد وقعت بینهما حروب طاحنه فی أقطار متعدّده إلى أنْ انحسر المختار إلى الکوفه ، وتخبّأ بالقصر .
فحاصره ابن الزبیر بقصر الإماره مع أربعمئه رجل من أصحابه أیّاماً ، وقد کان المختار یخرج من القصر فیقاتل ویرجع إلى أنْ قُتل لأربع عشره لیله خلت من شهر رمضان ، خرج بمن معه مستمیتین فقُتلوا وقُتل المختار ، وجاء القاتل برأسه إلى مصعب بن الزبیر فأجازه بثلاثین ألف درهم ، ثمّ ابتدأ الجیش بقتل الناهضین معه وقتلوا رجالاً کثیراً ، ثمّ بعث مصعب على حرم المختار ودعاهنّ إلى البراءه ، فرجعت ابنه سمره بن جندب ولعنتْه وتبرّأت منه فأطلق سراحها ، وأبت زوجته الأُخرى ابنه النعّمان بن بشیر وقالت : شهاده أُرزقها ثمّ أترکها ، کلاّ إنّها موته ثمّ الجنّه والقدوم على الرسول وأهل بیته ، فأمر بها مصعب وقتلت صبراً .
_____________________________________
(۱) الکشّی: الرجال: ۱۱۶ .
(۲) المصدر نفسه .
(۳) شتر : قلب جفنه .
(۴) الیعقوبی : التاریخ: ۲|۲۵۸ ، ط دار صادر ـ بیروت ، الطبری : التاریخ : ۴|۴۴۱ ـ ۴۴۲ .
(۵) الطبری : التاریخ : ۴|۴۴۵ ـ ۴۴۶ .
(۶) المسعودی : مروج الذهب : ۳|۷۳ ـ ۷۴ .
(۷) الجزری : الکامل فی التاریخ : ۴|۲۱۱ ـ ۲۱۳ .
(۸) الجزری : ۴|۲۱۳ .
(۹) ابن الأثیر : الکامل : ۴|۲۱۱ ـ ۲۲۶ بتلخیص .
(۱۰) الجزری : الکامل : ۴|۲۲۵ ـ ۲۲۶ .
(۱۱) الیعقوبی : التاریخ : ۲|۲۵۹ .
(۱۲) الجزری : الکامل : ۴|۲۳۶ ـ ۲۳۷ باختصار .
(۱۳) الجزری : الکامل : ۴|۲۴۱ ـ ۲۴۲ .
(۱۴) الجزری : الکامل : ۴|۲۴۲ ـ ۲۴۴ .
(۱۵) الجزری : الکامل : ۴|۲۵۰ ـ ۲۵۴ .
(۱۶) الجزری : الکامل : ۴|۲۵۰ ـ ۲۵۴ .