الإمام علی و التضحیه فی سبیل الله
لا یمکن أن تنتصر قضیه لیس أصحابها مستعدین للتضحیه من أجلها . غیر أن هنالک فرقاً بین من یبحث عن المجد الشخصی ، وإحراز الانتصار على أعدائه فی حیاته ، وبین من یمتلک قضیه ، ویسعى من أجل انتصارها ، حتى وإن أدى ذلک إلى التضحیه بنفسه . . .
فالأول : إذا خسر ، ستکون فی خسارته نهایته .
والثانی : إذا خسر ، فقد تکون فی خسارته نجاحه .
فالأهداف العلیا ، کالمثل والقیم والدّین ، ستجد من ینتصر لها یوماً ، ولذلک فمن یموت دون قضیه ، یزیدها قوه ومناعه . . . فالتضحیه بالنفس للقضایا . . . تقوّیها وتحییها .
بینما التضحیه للنفس بالقضایا . . . تنهیها وتقضی علیها . وعلى أیّه حال فإن المغامره من أجل الأهداف ، وخوض الغمرات فی الدفاع عنها ، ضروه من ضرورات العمل للحق ، وواجب من واجبات الإیمان بالقیم .
وأساساً کیف نعرف صدق المدّعین إلاّ حینما یُدعون إلى التضحیه والفداء ؟
إن أدعیاء الحق کثیرون ، ولکن المستعدین لبذل کل شیء له ، هم الصادقون منهم ، وهم الأقلون . ( فالناس عبید الدنیا ، والدین لعق على ألسنتهم ، یدورونها ما درت معائشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدیانون ) ، ویبدو أن ذلک من سنه الله فی الخلق حتى یمیز المجاهدین منهم عن الکاذبین . ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن یُتْرَکُوا أَن یَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا یُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَیَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِینَ صَدَقُوا وَلَیَعْلَمَنَّ الْکَاذِبِینَ ﴾ ۱ .
إن الطریق إلى تحقیق المثل العلیا ، ملیء بالأشواک کما هی الطریق إلى الجنه ، فقد ( حفّت الجنه بالمکاره وحفّت النار بالشهوات ) . وإذا کانت لنا برسول الله قدوه حسنه ، فإن النبی ( صلى الله علیه وآله ) ، ( خاض إلى رضوان الله کل غمره ، وتجرع فیه کل غصّه وقد تلوّن له الأدنون ، وتألّب علیه الأقصون ، وخلعت إلیه العرب أعنتها ، وضربت إلى محاربته بطون رواحلها حتى أنزلت بساحته عدواتها ، من أبعد الدار وأسحق المزار ) . إذن ( لا تفرطوا فی صلاح ، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ) . لقد أوصى الإمام ولده الحسن ( علیه السلام ) – وهو العزیز على قلبه – إن یخوض کأبیه ، الغمرات للحق قائلاً : ( جاهد فی الله حق جهاده ، ولا تأخذک فی الله لومه لائم ، وخض الغمرات للحق حیث کان ) .
إن التضحیه المطلوبه ، لا تعنی بالضروره أن یموت الإنسان من أجل قضیته ، ولکنها تعنی حتماً الاستعداد للمغامره من أجلها وعدم وضع حدّ لما تتطلبه من الغالی ، والرخیص . وهکذا کان الإمام علی ( علیه السلام ) کان دائماً على استعداد للمغامره بحیاته فی سبیل الرساله ، فما من غزوه إلاّ وهو أمیرها ، أو بطلها ، وما من دعوه تتطلب التضحیه إلاّ وهو أول من یستجیب لها .
وفیما یلی نموذج واحد من ذلک :
روی أنّ رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) خرج ذات یوم الفجر ، ثمّ قال : ( معاشر الناس أیّکم ینهض إلى ثلاثه نفر قد آلبوا بالّلات والعزَّى لیقتلونی ، وقد کذبوا وربّ الکعبه ) ؟
فأحجم الناس وما تکلّم أحد ، فقال ( صلى الله علیه وآله ) : ( ما أحسب علیّ بن أبی طالب ( علیه السلام ) فیکم ) . فقال له عامر بن قتاده : إنّه وعک فی هذه اللیله ولم یخرج یصلّی معک ، فتأذن لی أن أخبره ؟ فقال النبی ( صلى الله علیه وآله ) : ( شأنک ) فمضى إلیه فأخبره ، فخرج أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) کأنه نشط من عقال ، وعلیه إزار قد عقد طرفیه على رقبته ، فقال : یا رسول الله ما هذا الخبر ؟ قال النبی ( صلى الله علیه وآله ) : ( هذا رسول ربّی یخبرنی عن ثلاثه نفر قد نهضوا لقتلی ) فقال علی ( علیه السلام ) : یا رسول الله أنا لهم سریه وحدی ، هوذا ألیس علیَّ ثیابی ، فقال رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) : ( بل هذه ثیابی وهذا درعی وهذا سیفی ) فدرّعه وعمّمه وقلّده وأرکبه فرسه . وخرج أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) فمکث النبی ثلاثه أیام لا یأتیه جبرئیل بخبره ولا خبر من الأرض ، وأقبلت فاطمه بالحسن والحسین على ورکیها تقول : أوشک أن یُیَتَّم هذان الغلامان .
فأسبل النبی ( صلى الله علیه وآله ) عینه ، ثمّ قال : ( معاشر الناس من یأتینی بخبر علیّ أبشّره بالجنّه ) ، وافترق الناس فی الطلب لعظیم ما رأوا بالنبی ( صلى الله علیه وآله ) وخرج العواتق ، فأقبل عامر بن قتاده یبشّر بعلی ، وأقبل علیّ أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) معه أسیران ورأس وثلاثه أبعره وثلاثه أفراس .
فسأله رسول الله عن قصته ؟
فقال ( علیه السلام ) : یا رسول الله ، لمّا صرت فی الوادی رأیت هؤلاء رکباناً على الأباعر فنادونی من أنت ؟
فقلت : أنا علی بن أبی طالب ابن عمّ رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) .
فقالوا : ما نعرف لله من رسول سواء علینا : وقعنا علیک أو على محمد ، وشدَّ علیَّ هذا المقتول ، ودار بینی وبینه ضربات فضربته ، وقطعت رأسه وأخذت هذین أسیرین .
فقال له رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) : ( قدّم إلیّ أحد الرجلین ) ، فقدّمه فقال : ( قل : لا إله إلا الله وأشهد أنی رسول الله ) ، فقال : لنقل جبل أبی قبیس أحبّ إلیّ من أن أقول هذه الکلمه! فقال : یا علیّ أخره واضرب عنقه ، ثمّ قدّم الآخر فقال رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) له : ( قل : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنی رسول الله ) ، قال : یا محمد ألحقنی بصاحبی فقال ( صلى الله علیه وآله ) : یا علی أخّره واضرب عنقه ، وقام أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) لیضرب عنقه فهبط جبرئیل على النبی ( صلى الله علیه وآله ) فقال : یا محمد إنّ ربّک یقرؤک السلام ویقول : لا تقتله فإنه حسن الخلق سخیٌّ فی قومه .
فقال النبی ( صلى الله علیه وآله ) : ( یا علیُّ أمسک فإنّ هذا رسول ربّی عزّ وجلّ یخبرنی أنّه حسن الخلق سخیّ فی قومه ) .
فقال المشرک تحت السیف : هذا رسول ربّک یخبرک ؟ قال : نعم . قال : والله ما ملکت درهماً مع أخ لی قطّ ولا قطبت وجهی فی الحرب ، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّک رسول الله .
فقال رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) : ( هذا ممّن جرّه حسن خلقه وسخاؤه إلى جنّات النّعیم ) ۲ .
__________________________________________________________
۱٫ القران الکریم : سوره العنکبوت ( ۲۹ ) ، الآیه : ۲ و ۳ ، الصفحه : ۳۹۶ .
۲٫ المقاله بقلم سماحه السید هادی المدرسی نقلاً من موقع الرسمی لسید هادی المدرسی .