نظریه عداله الصحابه عند الخلفاء وشیعتهم
فقد سخر هؤلاء موارد دوله الخلافه التاریخیه وإعلامها الضخم حتى حشوها فی الأذهان، ثم ورثتها العامه کما ورثت بقیه المعتقدات، وکذلک فعل الذین من بعدهم واعتبروها مسلمات، فوق مستوى العقل، وخارج نطاق عمله، لأنهم ورثوها أولئک العمالقه الذین فتحوا مشارق الدنیا ومغاربها، وإعمال العقل فی تلک الموروثات یشکل – برأیهم – سوء ظن بأولئک العظماء، ومحاوله لاتباع سبل غیر سبیلهم! ونظراً لتعمق هذه القناعه فی نفوس العامه واختلاطها إلى درجه الالتحام مع الدین الحنیف بفعل التراکمات التاریخیه، فإننا نحتاج إلى جهد هائل لتصحیحها. ومن هنا کان لزاماً علینا أن نربط نشأه هذه النظریه ربطاً محکماً بالوقائع التاریخیه والسنه النبویه العملیه، وبالروح العامه للدین الحنیف وبالصراعات السیاسیه التی عصفت بالمجتمعات العربیه عند ظهور النبی، وخلال مرحلتی الدعوه والدوله النبویتین، والتی کشرت عن نابها واشتدت والنبی على فراش الموت، ثم هاجت وماجت، وألقت أجرانها بعد موت النبی، ثم فرض المنتصرون رؤاهم وبناهم الفکریه والعقیدیه على المحکومین بنفوذ الدوله وقوتها وإعلامها، وسنعالج هذا الارتباط الوثیق من خلال البحوث التالیه:
____________
(۱) راجع کتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۱۱ تجد التفصیل الموثق.
مصطلح صحابه وصحابی
الصحابه جمع صحابی، واللفظان من مشتقات الکلمه الأصلیه (أصحب) وتعنی، لغه، عاشر، أو رافق، أو جالس أو شایع (۱) والقرآن الکریم، فی وجه من وجوهه هو المرجع الیقینی الأوثق للغه.
وباستقراء الآیات القرآنیه التی وردت فیها مشتقات الکلمه الأصلیه (صحب أو صاحب) تجد أنها قد غطت بالکامل المعانی اللغویه التی أشرنا إلیها، وقد تکررت هذه المشتقات فی القرآن الکریم ۹۷ مره، وهی حصراً (تصاحبنی، وصاحبهما، وصاحبته وأصحاب، وأصحابهم، وصاحبه…) ومن المثیر للدهشه أن القرآن الکریم قد خلا من لفظی (صحابی وصحابه) (۱).
وقد استعمل لفظ (أصحاب محمد) للدلاله على الذین سبقوا باعتناق الإسلام، أو تظاهروا بهذا الاعتناق، وکانوا یشکلون قله وسط محیط عربی مجاهر بالشرک ومعارض لمحمد ولدینه. وهذه القله هی التی سبقت الناس إلى الدخول فی الإسلام والتی قامت دوله النبی بسواعدها، والتی تحملت أعباء المواجهه الأولى مع بطون قریش ومن والاها. لقد عرفت هذه القله بأصحاب محمد أو بأصحاب الرسول أو بالأصحاب إطلاقاً، وبقیت تحمل هذا الوصف حتى بعد انتصار النبی وبعد أن دانت له العرب رغبه أو رهبه، ودخلوا جمیعاً فی دین الله أو تظاهروا بذلک. ومن هذه القله فئه منافقه تظاهرت بالإسلام والإیمان عند قدوم النبی إلى المدینه المنوره، وفی الحقبه الزمنیه التی بدأت فیها المواجهه المسلحه بین الرسول وأصحابه القله وبین بطون قریش ومن والاها من العرب. ومع أن قلوب أولئک المنافقین کانت کافره بالرسول، وبکل ما جاء به، إلا أنها کانت حریصه على إظهار الإسلام والإیمان، والقیام بجمیع الواجبات المطلوبه ظاهریاً، وعندما کانت تتخلف عن ذلک أو تظهر بعض بوائقها، کانت تعتذر للرسول وتلح فی الاعتذار حتى یعذرها. وکانت حریصه على التظاهر بموالاه الرسول فی الوقت الذی کانت فیه قلوب أفرادها تقطر بالحقد علیه وعلى آله، وتتربص الفرص لنقض کلمه الإسلام من أصولها أو للانحراف بمساره عند الاقتضاء.
____________
(۱) المصدر نفسه.
وقد قویت شوکه النفاق حتى صار ظاهره من أخطر الظواهر التی هددت مجتمع الرسول. واحتل الهجوم علیها، وکشف وسائل المنافقین الخبیثه، وخطوره ظاهره النفاق، وطبیعه نفسیه المنافقین المریضه حیزاً کبیراً من القرآن الکریم، ومع هذا لم یکن هنالک تنزیل للمنافقین، فالجمیع یقومون بالأعمال نفسها، ویرددون الألفاظ عینها، یضمهم مجتمع واحد هو مجتمع المدینه، ویدینون بالطاعه أو یتظاهرون بها لقائد واحد هو الرسول. وقد بلغ تغلغل المنافقین فی مجتمع المدینه حداً یثیر الذهول، فقد یکون الأب منافقاً والابن مؤمناً کحاله عبد الله بن أبی وابنه. لقد کانت المدینه المنوره عاصمه دوله النبی وفی الوقت نفسه المقر الرئیسی لمرده النفاق، وخارج نطاق دوله النبی ینظر للجمیع على أساس أنهم أصحاب محمد، ویعرفون بهذا الوصف لأنهم سبقوا فی دخول الإسلام، أو تظاهروا بهذا الدخول، ولأنهم کانوا جند النبی أثناء مرحله المواجهه المسلحه الأولى أو تظاهروا بذلک.
وعند ما جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس جمیعاً فی دین الله أفواجاً، وصار المجتمع العربی مجتمعاً إسلامیاً، وصار النبی سید الجمیع وحاکمهم، بقیت الفئه القلیه التی سبقت إلى الإسلام أو تظاهرت به، والتی خاضت غمار المواجهه أو تظاهرت بخوضها بقیت فئه متمیزه من غیرها من المسلمین تعرف بالوصف السابق نفسه: (أصحاب محمد) من دون البحث الدقیق عن حقیقه نفاق المنافقین أو عمق إیمان المؤمنین من هذه القله!
والثابت أن الرسول قال عن زعیم المنافقین عبد الله بن أبی: (فلعمری لنحسن حجته ما دام بین أظهرنا) (۱). ولما اقترح بعض المسلمین على رسول الله أجاب بما معناه: (کیف یقال إن محمداً یقتل أصحابه؟!). وعند ما اقترح أسید بن حضیر على الرسول أن یقتل المنافقین الذین تآمروا على قتله، فی أثناء عودته من غزوه تبوک، أجابه الرسول قائلا: (إنی أکراه أن یقول الناس أن محمداً لما انقضت الحرب بینه وبین المشرکین وضع یده فی قتل أصحابه! فقال أسید: یا رسول الله، فهؤلاء لیسوا أصحابا! قال الرسول: ألیس یظهرون شهاده أن لا إله إلا الله؟ قال:
بلى ولا شهاده لهم! قال: ألیس یظهرون أنی رسول الله؟ قال: بلى ولا شهاده لهم!
____________
(۱) راجع الطبقات لابن سعد ۲ / ۶۵٫
قال النبی: فقد نهیت أن أقتل أولئک) (۱) وبعید انتقال النبی إلى جوار ربه بقیت هذه الفئه – مؤمنها ومنافقها – متمیزه من غیرها من فئات المجتمع الإسلامی معروفه بالوصف نفسه: (أصحاب محمد) أو (أصحاب رسول الله).