عقیده الشیعه فی الإمام المهدی (علیه السلام)

0

وأول الأئمه الأوصیاء المعصومین عندنا أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام)، وخاتمهم الإمام المهدی المنتظر (علیه السلام)، الذی ولد فی سنه ۲۵۵ هجریه فی سامراء ، ثم مدَّ الله فی عمره وغیَّبه إلى أن ینجز به وعده ویظهره ، ویظهر به دینه على الدین کله ، ویملأ به الأرض قسطاً وعدلاً کما ملئت ظلماً وجوْراً .
   فالاعتقاد بأن المهدی الموعود (علیه السلام)  هو الإمام الثانی عشر ، وأنه حیٌّ غائب جزء من مذهبنا . وبدونه لایکون المسلم شیعیاً اثنی عشریاً ، بل مسلماً سنیاً ، أو شیعیاً زیدیاً ، أو إسماعیلیاً .
   ویستغرب بعض إخواننا اعتقادنا بإمامه الأئمه (علیهم السلام)  وبعصمتهم ، وبغیبه المهدی المنتظر أرواحنا فداه . ولکن المیزان فی الأمور الممکنه لیس هو الإستبعاد ولا الإستحسان ، بل ثبوت النص عن النبی (صلى الله علیه وآله)  ، وقد ثبتت عندنا النصوص المتواتره القطعیه ، الداله على إمامته وغیبته (علیه السلام)   . ومتى ثبت النص وقام الدلیل ، فعلى المسلم أن یقبله ویتعبد به ، وعلى الآخرین أن یعذروه أو یقنعوه . ورحم الله القائل:  نحن أتباع الدلیل… حیث ما مال نمیل
   وإخواننا السنه وإن لم یوافقونا على انطباق المهدی الموعود على الإمام محمد بن الحسن العسکری (علیه السلام)  ، إلا أنهم یوافقوننا تقریباً على کل ما ورد بشأنه من الأحادیث الشریفه ، من البشاره به ، وحرکه ظهوره ، وتجدید الإسلام على یده وشموله العالم ، حتى أنک تجد أحادیثه (علیه السلام)  واحده أو متقاربه فی مصادر الفریقین ، کما رأیت من مصادرنا ، وترى من عقیدتهم .
   على أن عدداً من علماء السنه یوافقنا أی على أنه هو الإمام محمد بن الحسن العسکری (علیه السلام)  ، مثل الشعرانی وابن عربی وغیرهم ، ممن صرحوا بإسمه ونسبه ، وثبت عندهم أنه حیٌّ غائب (علیه السلام)   . وقد ذکر أسماء مجموعه منهم صاحب کتاب ( المهدی الموعود).
   وهذا الإشتراک فی عقیده المهدی (علیه السلام)  بین جمیع المسلمین ، یجب أن یستثمره العلماء والعاملون لنهضه الأمه ، لأنه عقیده ذات تأثیر حیوی فی جماهیر المسلمین ، من شأنها أن ترفع مستوى إیمانهم بالغیب ، وبوعد الله تعالى لهم بالنصر ، وترفع معنویاتهم فی مقاومه أعدائهم ، والتمهید لإمامهم الموعود (علیه السلام)   .
   ولا یصح أن یکون عدم ثبوت انطباقه عندهم على الإمام محمد بن الحسن (علیه السلام)   ، موجباً لانتقاد من یعتقد بذلک ، ویتقرب به إلى الله تعالى.
   ولیس غرضنا هنا أن نطرح بحثاً کلامیاً فی عقیدتنا فی الإمام المهدی (علیه السلام)  . بل أن نعطی فکره عن هذه الروحیه الفیاضه التی تعیش بها أوساطنا الشیعیه عقیده المهدی (علیه السلام)  التی کونت فی ضمیر المسلم الشیعی عبر الأجیال وتربیه الآباء والأمهات، مخزوناً عظیماً من الحب والتقدیس والتطلع إلى ظهوره (علیه السلام)  .
   فالإمام المهدی أرواحنا فداه هو بقیه الله فی أرضه من أهل بیت النبوه ، وخاتم الأوصیاء والأئمه (علیهم السلام) ، وأمین الله على قرآنه ووحیه ، ومشکاه نوره فی أرضه . ففی شخصیته تتجسد کل قیم الإسلام ومثله ، وشبَه النبوه وامتداد نورها .
   وفی غیبته تکمن معان کبیره ، من الحکم والأسرار الإلهیه ، ومظلومیه الأنبیاء والأولیاء والمؤمنین ، على ید حکام الظلم وسلاطین الجور .
   وفی الوعد النبوی بظهوره ، تخضرُّ آمال المؤمنین ، وتنتعش قلوبهم المهمومه ، وتقبض أکفهم على الرایه ، وإن عتت العواصف ، وطال الطریق . فهم وصاحبها على میعاد .
   ولئن کان الشیعه معروفین بغنى حیاتهم الروحیه مع النبی وآله (صلى الله علیه وآله) ، فإن شخصیه الإمام المهدی أرواحنا فداه ومهمته الموعوده ، بجاذبیتها الخاصه ، رافد حیوی فی إغناء روح الشیعی بالأمل والحب والحنین .
   ینتقد البعض شده احترام الشیعه لعلمائهم ، بینما یعجب به آخرون ویقدرونه . ویزداد الإعجاب أو الإنتقاد إذا رأوا احترام الشیعه لمرجع التقلید نائب الإمام المهدی أرواحنا فداه ، وتقدیسهم له وتقیدهم بفتواه .
   أما إذا وصل الأمر إلى الأئمه المعصومین (علیهم السلام)  فیتهمنا البعض بالمبالغه والمغالاه ، ویفرط فی التهمه فیقول إن الشیعه یؤلهون النبی (صلى الله علیه وآله) والأئمه (علیهم السلام) والمراجع.. ویعبدونهم ، والعیاذ بالله .
   لکن المشکله لیست فی شده احترام الشیعه وإطاعتهم وتقدیسهم لعلمائهم وأئمتهم ، بل هی فی الواقع ابتعادنا جمیعاً عن النظره الإسلامیه إلى الإنسان والتعامل بها معه .
   نلاحظ فی القرآن الکریم ثلاثه مذاهب فی مسأله قیمه الانسان: المذاهب البدوی  الذی تذکره آیات الأعراب والمنادین من وراء الحجرات..
   والمذهب المادی الذی تذکره آیات أعداء الأنبیاء (علیهم السلام)  وأصحاب الحضارات المادیه .
   والمذهب الإسلامی، الذی تذکره آیات تکریم الإنسان والتوجیه إلى عالمه العقلی والروحی والعملی .
   وأحسبنا فی عالمنا الإسلامی نعیش تأثیرات کثیره للبداوه وللمادیه الغربیه فی نظرتنا إلى الأنبیاء والأئمه (علیهم السلام)  والأولیاء والشهداء والمؤمنین ، وإلى جمهورنا وشعوبنا الإسلامیه . بل إلى أنفسنا أیضاً !
   لقد أوجد الإنحطاط الحضاری والتسلط الغربی فی مجتمعاتنا ظروفاً قاسیه سیاسیه واقتصادیه واجتماعیه ، لم تعد معها حیاه الانسان المسلم فی أصلها محترمه ، فکیف نطمح إلى احترام أبعاد وجوده الأخرى وتقدیسها ؟!
   کما حول أذهاننا إلى أذهان بدویه تنزع دائماً إلى (السطحیه)وتعادی العمق والجمع والترکیب ، فترانا نرید الشئ ببعد واحد ، ونرفض أن تکون له أبعاد متعدده فی آن . ونرید فی قلوبنا لوناً واحداً من العاطفه ، ولا نسمح لها أن تحمل ألواناً متعدده فی آن .
   وبهذا صرنا نرى فی الأولیاء والأئمه والأنبیاء صلوات الله علیهم ، ظاهر أمرهم وحالهم ، ولا نرى قممهم الشامخه، وعوالمهم العقلیه والروحیه العالیه.
   فإذا رأى أحد شیئاً من ذلک نقول عنه مغال، وإذا جاش بذلک عقله أو قلبه  نقول مجنون أو منحرف !
   ویبلغ الأمر أقصى خطورته عندما نلبسه ثوباً دینیاً فنقاوم تقدیس الأولیاء والأئمه والأنبیاء (علیهم السلام)  بحجه أنه یتنافى مع تقدیس الله تعالى وتوحیده !!
  فکأن معنى أنهم بشر صلوات الله علیهم أن نفهمهم ببداوه خشنه ، ونجعلهم حفنه من رمل الصحراء . وکأن الأمر یدور بین رمل الصحراء والسماء ، ولا ثالث . فلا ریاض ولا أنهار ، ولا روابی ولا قمم !
   وکأن مثل النور الإلهی الذی حدثنا عنه الله تعالى فی سوره النور: ( مثل نوره کمشکاه فیها مصباح ) موجوده فی غیر أرضنا ، ومتجسد فی غیر هؤلاء العظماء ، صلوات الله علیهم .
   أعتقد أنه کلما تقدمت المعرفه بالفلاسفه والمفکرین والعلماء ، اکتشفوا أبعاداً جدیده فی کلام النبی (صلى الله علیه وآله) وأهل بیته (علیهم السلام)  ، وعرفوا قیمته وقیمتهم أکثر ، وعرفوا أن شخصیه المعصوم یجب أن تفهم من کلام المعصوم  !
   صحیح أن الله تعالى قال لنبیه (صلى الله علیه وآله) قل للناس أنا بشر مثلکم: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ یُوحَى إِلَیَّ أَنَّمَا إِلَهُکُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ . (سوره فصلت:۶) ، لکنه قال لنا بذلک إن النبی مثلنا ولیس مثلنا ! وإن شخصیته مرکبه من جنبه بشریه یعاملنا بها ، وجنبه غیبیه یتلقى بها الوحی والعلم من رب العالمین !
   وأنى لنا أن نفهم بفکرنا وعقولنا جنبه الغیب فی شخصیته ، إلا بکلام المعصوم الذی له نافذه مفتوحه على الغیب؟!
   بل حتى المثلیه فی قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ ، تعنی أنه من وسطکم یعرف تفکیرکم وشعورکم ویدرک مشکلاتکم ، ولاتعنی أنه مثلنا بمستوانا ونوع تفکیرنا ومشاعرنا ، فإن له (صلى الله علیه وآله) تفکیره ومشاعره وعالمه الأعلى الذی لانرتقی الیه ، کما أنه لا ینزل الى عوالمنا الدنیا !
    فالنبی إذن بسبب رقیِّ فکره ومشاعره لیس مثلنا ، وبسبب أن شخصیته مفتوحه على الغیب ، لیس مثلنا !
  فماذا بقی من المثلیه التی تمکننا من الإحاطه بحقیقه شخصیته (صلى الله علیه وآله)  ؟!
   وکذلک هی شخصیات المعصومین من عترته (علیهم السلام)   .
   ومن هنا نعرف لماذا اختار الله تعالى لفظ البشریه للمثلیه ، دون الإنسانیه!
   أعتقد أنه قد آن لنا أن نجد ذاتنا الإسلامیه وإنساننا المسلم ، ونجد من جدید نبینا (صلى الله علیه وآله) وأئمتنا (علیهم السلام)  ، وأن نرفض السطحیه البدویه التی روج لها المتمسلفون فی فهم النبی وآله (صلى الله علیه وآله)  ، وأن ونتعامل معهم بما یلیق بغنى شخصیاتهم الربانیه ، ومقاماتهم العالیه ، لتمتلئ قلوبنا مجدداً بمخزون الحب والعشق المقدس لهم ، الذی یهیؤنا ویفتح لنا باب الحب والعشق الأکبر لمولاهم ومولانا تبارک وتعالى .
  إن على الذی تحجبه الشجره عن الغابه أن یعذر من یرى الشجره والغابه معاً ، والجبال والسماء فوقها ! ومن یتصور أن تقدیس الأنبیاء والأئمه (علیهم السلام)  ، والعیش فی عوالمهم ، مانعاً عن تقدیس الله تعالى وتوحیده ، علیه أن یعذر من یرى ذلک درجات من التعظیم شرعها الإسلام ، لتنتظم بها الحیاه ، وتفتح الطریق إلى تعظیم وتقدیس وتسبیح الذی لیس کمثله شئ ، تبارک وتعالى .

Leave A Reply

Your email address will not be published.