من وصیه الإمام علی لولده الحسن (علیهما السلام)

0

فی هذا النص الشریف أمور یجب التعرض لها:
الأول: قوله (علیه السلام): (( ومن ظن بک خیراً فصدّق ظنه )). ترغیب فی عمل الخیر وقوه دفع فی سبیل الصالحات.. إنه أسلوب من أروع الأسالیب وطریقه رائعه من الطرق التی تأخذ بید الإنسان نحو الفضیله… أسلوب الظن الحسن بمن ابتدأ الخطوه الأولى فی طریق إصلاح النفس وتهذیبها… إن حسن ظنک بإنسان یجعله ـ قهراً عنه ـ یصدّق ظنک؛ حسن الظن یشکل قوه الدفع فی المظنون به، فمن نادیته بصفه حمیده أو خصله عالیه اضطر أن یتصنع أو یتکلف حتى یبلغ هذه الخصله.. فمن کررت علیه یا صادق اضطر أن یحقق هذه الصفه فی نفسه ویظهرها لک بصوره صادقه، وإذا تکرر منه هذا الفعل واستمر فیعود بعد مده عاده دائمه یعسر علیه أن یتخلى عنها بسهوله…
الثانی: قوله (علیه السلام): (( ولا تضیعنّ حق أخیک اتکالاً على ما بینک, وبینه فإنه لیس لک بأخ من أضعت حقه )). إذا صدقت الأخوه وجب الإخلاص فیها والبذل لها وعدم منع شیء عنها، فیتحول الأخ إلى نفس ثانیه یرعاها أخوه ویحافظ علیها ویهتم بشؤونها ویبذل ما تحت یده لها ومن أجلها.
وقد أکد الأئمه (علیهم السلام) على رعایه حق الأخوه والمحافظه علیها وقد رسموا فی حدیثهم الشریف کیف نتعامل مع أخواننا وکیف نستطیع أن نکتسب مودتهم ونُدیم أخوتهم…
ومن جمله هذه الأمور التی أکد علیها الأئمه (علیهم السلام) رعایه حق الأخوه والمحافظه على القیام بما تتطلبه هذه الأخوه ولا یترک الأخ هذه الحقوق اتکالاً على هذه الأخوه.
بعض الأخوه یهملون حقوق أخوتهم بحجه أنهم من البیت تاره وبحجه أنهم کأنفسهم أخرى ، وبحجه أنهم أخوه ثالثهً ، والإمام ( علیه السلام) یؤکد أن هذا الأخ لا یسقط حقوقه هذه الأعذار والحجج…
الثالث: قوله (علیه السلام): (( ولا یکن أهلک أشقى الخلق بک )). نفهم من خلال الحض فی أحادیث المعصومین (علیهم السلام) على صله الرحم والجوار والأهل والقرابه والأصدقاء والأخوه .
أن للإسلام عنایه زائده بمن یتصل بهم وتربطهم به رابطه ولو کانت ضعیفه… هذه الصله یمتنها الإسلام ویقوّیها ویرفع من طریق تحقیقها کل العقبات والمعوقات، ویوصی المسلمین بالعفو والصفح والتسامح، ویؤکد على هذه المعانی فی حق الأهل والأقرباء والرحم…
إن الأحادیث تؤکد على التراحم بین الناس جمیعاً، ولکنها تؤکد هذا المعنى فی حق الأقرباء من الأهل والأولاد والأرحام… والإمام (علیه السلام)هنا ینهى أن یکون أهل الإنسان أشقى الناس به، بدل أن یکونوا أسعد الناس به… فإذا لم تستطع أن تکون وسیله السعاده لأهلک، فلا أقل من أن لا تکون وسیله شقاء لهم…
الرابع: قوله (علیه السلام) : (( ولا ترغبنّ فیمن زهد عنک )). إذا رغبت فیمن زهد عنک زادته رغبتک فیه احتقاراً لک، لأنه ینظر إلیک بعین الحاجه إلیه والعوز إلى فضله.
إذا کانت الدنیا إلى جانب إنسان وقد أقبلت علیه من أطرافها تراه یزهد بأصحابه القدامى، ویتنکر لجمیلهم القدیم معه، ویتناسى کل إحسانهم وفضلهم، ویزهد فیهم على حد تعبیر الإمام، لأنه یجد نوعاً جدیداً من الأصحاب والخلاّن على شاکلته وسمته.
الخامس: قوله (علیه السلام) : (( ولا یکوننّ أخوک أقوى على قطیعتک منک على صلته ، ولا تکوننّ على الإساءه أقوى منک على الإحسان )) إذا بادر أخوک لقطیعتک وسارع إلى ذلک فکن أنت السابق على صلته ، وکن أنت الذی ترسم له طریقاً حسناً وأنت الذی تعلمه درساً فی الخیر والعمل الصالح… ولا یکن بمعصیته أسرع منک فی طاعتک ، فأنت على حق وخطواتک کریمه ومبارکه ولا یجوز أن یسبقک العاصی فی معصیته على شوط الطاعه فی طاعتک ، وعلى حسن المبادره إلى صله من قطعک والإحسان إلى من أساء إلیک.
السادس: قوله (علیه السلام): (( ولا یکبرنّ علیک ظلم من ظلمک فإنه یسعى فی مضرته ونفعک )).
الظلم من أشد الکبائر وأعظمها فی الإسلام ولم یسمح به لأحد بل حارب الظالمین من أول یوم عرفت فیه هذه الأرض کلمه الإسلام.
والإمام (علیه السلام) هنا فی هذه الکلمه الشریفه یرید أن یعالج الموضوع من ناحیه أخرى وهی تقدیر الأضرار التی تلحق بالظالم من جراء ظلمه، وبیان أن هذا الظلم إنما یحیق بأهله لأن الله أوعد الظالم بنار یُدخله فیها، فعاقبه الظلم تعود إلیه وهو الذی یختار هذا الجزاء بیده. ومن طرف آخر یأخذ المظلوم أجر مظلومیته، ویقتص الله له من الظالم ویعوّضه عن آلامه التی لحقته بجنات تجری من تحتها الأنهار، وهذا العقاب للظالم شیء محقق لا بد منه، ویکون للمظلوم أجرٌ إذا رفض الظلم والاضطهاد وعمل من أجل رفعه وإقصائه، أما إذا استسلم للظلم ورضخ للظالم، أما إذا امتنعت یده أن ترتفع فی وجه الظالم وکذلک إذا حُبست کلمته عن الانطلاق ورضیت نفسه بالذّل فإن الله لا یثیبه على مظلومیته بل یعاقبه علیها ویدخله النار مع الظالمین لترکه مقارعه الظالم والرکون إلیه والسکوت عنه…
السابع: قوله (علیه السلام): (( ولیس جزاء من سرّک أن تسوءَه )). بل جزاء الإحسان الإحسان وجزاء المعروف معروف مثله ؛ فمن رآک بعین واحده ینبغی أن تراه بکلتا عینیک، وعلى أقل تقدیر أن تراه بعین واحده کما رآک. وهذا هو فعل الکرام من الناس والشرفاء منهم، إنهم یُکْبرون الذین یسدون إلیهم معروفاً، ویجلّون مَن تحملوا من أجلهم أقلّ تعب ومشقه، وعجیب أن یُبادل المحسنُ بالإساءه، والمُعطی بالصدود، والکریم بالبخل، ومن أدخل علیک السرور بإدخال الحزن والألم علیه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.