المکانه الاجتماعیه والشأن الرّفیع للسیده المعصومه
وقد ورد فی الروایات أن ذلک دعوه إبراهیم (علیه السلام)، فقد جاء فی تفسیر قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَهً مِنَ النَّاسِ تَهْوِی إِلَیْهِم)(۱)، أنّ المراد هم أهل البیت (علیهم السلام) قال أمیر المؤمنین (علیه السلام): والأفئده من الناس تهوی إلینا، وذلک دعوه إبراهیم (علیه السلام)(۲). وقال الإمام الباقر (علیه السلام): فنحن والله دعوه إبراهیم (علیه السلام) التی من هوانا قلبه قبلت حجّته، وإلا فلا(۳).
نعم قد تتلوّث بعض النفوس ویتکدّر صفاؤها نتیجه لعوامل متعدّده فتضلّ الطریق، ولکن تبقى فی أعماقها میّاله إلیهم راغبه فیهم، وإن کانت فی ظاهر الأمر ضدّهم، وهذا ما قد کشف عنه الفرزدق الشاعر المشهور، حین لقیه الحسین (علیه السلام) وهو فی طریقه إلى کربلاء، وسأله عن الناس خلفه، فقال له: قلوب الناس معک وأسیافهم علیک(۴).
وأما أولئک الذین انحرفت ذواتهم وخبثت أصولهم فهم فی طریق آخر، ولذلک وردت عده روایات تؤکد هذه الحقیقه، منها: ما روی عن النبی (صلّى الله علیه وآله) أنّه قال: من فارق علیّاً فقد فارقنی، ومن فارقنی فقد فارق الله عزّ وجلّ(۵). وقال (صلّى الله علیه وآله): یا علی لو لولاک لما عرف المؤمنون بعدی(۶). وقال (صلّى الله علیه وآله) یخاطب علیاً: ما سلکت طریقاً ولا فجاً إلا سلک الشیطان غیر طریقک وفجّک(۷).
وجاء فی التفسیر عن أبی جعفر (علیه السلام) أنّه قال: إنّ أبانا إبراهیم (صلوات الله علیه) کان فیما اشترط على ربّه أن قال: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَهً مِنَ النَّاسِ تَهْوِی إِلَیْهِمْ)(۸). أما إنه لم یعن الناس کلّهم، أنتم أولئک ونظراؤکم، وإنّما مثلکم فی الناس مثل الشعره البیضاء فی الثور الأسود، أو مثل الشعره السوداء فی الثور الأبیض(۹).
وغیرها من الشواهد الکثیره. وقد تقدّم فی الحدیث المروی عن السیده فاطمه (علیها السلام) أن حبّ علی (علیه السلام) عنوان طیب الولاده.
والحقیقه الثابته أن أهل البیت (علیهم السلام) حیث جمعوا الفضائل والمناقب والکمالات کانت لهم السیاده على النفوس. والمحبه فی القلوب، واحتلّوا موقع الصداره بین الناس من دون فرق بین رجالهم ونسائهم، فکان رجالهم خیر الرجال، ونساؤهم خیر النساء، وعلى هذا فلا شک أن تکون للسیده فاطمه المعصومه (علیها السلام) منزلتها الخاصّه، ومکانتها العالیه، ولذا کان لها عند الله شأن من الشأن فضلاً عن شانها عن الناس.
وقد کان لها (علیها السلام) بأخیها الإمام الرضا (علیه السلام) صله خاصّه قلّ نظیرها کما کشفت عنها الروایات والأحداث وسیأتی منها ما یدلّ على ذلک.
وإنّ من أهمّ أسباب بلوغها هذا المقام الشامخ علمها ومعرفتها بمقام الإمامه والإمام، وقد کان إمام زمانها شقیقها الإمام الرضا (علیه السلام) الذی تولّى تربیتها فعلى یدیه نشأت، وعنه أخذت، وتحت إشرافه ونظره ترعرعت، وبأخلاقه وآدابه سمعت وتکاملت.
ولذا تمیّزت الصّله بینهما بحیث أصبحت تعرّف نفسها بأنّها أخت الرضا (علیه السلام) کما سیأتی.
وهما وإن کانا ینحدران من أب واحد وأمّ واحده وذلک أحد أسباب شدّه الصّله بینهما إلا أن السّبب الأقوى والأتم هو علمها بمقام أخیها وإمامته، إذ أن الرّابطه النسبیه تصبح ـ حینئذ ـ عاملاً ثانویّاً بالقیاس إلى العلم والمعرفه.
هذا، وقد نوّه الأئمه (علیهم السلام) بمکانتها ومنزلتها قبل ولادتها، وبعد أن ولدت وتوفیت.
روی عن عدّه من أهل الرّی أنّهم دخلوا على أبی عبد الله (علیه السلام)، وقالوا: نحن من أهل الرّی، فقال (علیه السلام): مرحباً بإخواننا من أهل قم، فقالوا: نحن من أهل الری، فأعاد الکلام، قالوا ذلک مراراً وأجابهم بمثل ما أجاب به أولاً، فقال (علیه السلام): إن لله حرماً وهو مکّه، وإن لرسول الله حرماً وهو المدینه، وإنّ لأمیر المؤمنین حرماً وهو الکوفه، وإنّ لنا حرماً وهو بلده قم، وستدفن فیها امرأه من أولادی تسمّى فاطمه، فمن زارها وجبت له الجنّه.
قال الراوی: وکان هذا الکلام منه (علیه السلام) قبل أن یولد الکاظم.(۱۰)
وفی روایه أخرى عن أبی عبد الله الصادق (علیه السلام): ألا إن لله حرماً وهو مکّه ألا أن لرسول الله حرماً وهو المدینه، ألا إنّ لأمیر المؤمنین حرماً وهو الکوفه، ألا إنّ حرمی وحرم ولدی بعدی قم، إلا إنّ قم الکوفه الصغیره، ألا إن للجنه ثمانیه أبواب، ثلاثه منها إلى قم، تقبض فیها امرأه من ولدی، واسمها فاطمه بنت موسى، تدخل بشفاعتها شیعتنا الجنّه بأجمعهم.(۱۱)
وفی روایه أن الإمام الرضا (علیه السلام) قال لسعد الأشعری القمی: یا سعد عندکم لنا قبر، قلت له: جعلت فداک قبر فاطمه بنت موسى (علیه السلام)، قال: نعم، من زاره عارفاً بحقّها فله الجنّه.(۱۲)
وروى الصدوق فی العیون بسنده عن سعد بن سعد قال: سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) عن زیاره فاطمه بنت موسى بن جعفر (علیهما السلام)، فقال: من زاره فله الجنّه.(۱۳)
وغیرها من الروایات حتى قال المحدث القمی: والروایات بهذا المضمون کثیره.(۱۴)
وسیأتی الحدیث عن زیارتها، وإنّما ذکرنا هذه الروایات فی المقام لبیان ما لها من منزله عند الأئمه (علیهم السلام) حیث أشاد ثلاثه من المعصومین (علیهم السلام) بذلک.
لماذا لم تتزوج السیده المعصومه
ثم إنّ هناک أمراً لابدّ من البحث حوله وله صله وثیقه بما نحن فیه، إذ له مدخلیه فی مکانتها الاجتماعیه، ومنزلتها بین الناس، ذلکم هو عدم زواج السیده فاطمه المعصومه (علیها السلام).
والمستفاد من جمله الروایات أن بنات الإمام الکاظم (علیه السلام) وعددهن إحدى وعشرون بنتاً لم تتزوج منهنّ واحده.
ونقل المحدث القمی عن تاریخ قم ما حاصله: أنّ هذا کان سائراً فی بنات الرضائیّه.(۱۵)
وهذا أمر مثیر للتساؤل، ولا سیّما مع ملاحظه أن ورد عن أهل البیت (علیهم السلام) من الحثّ على التناکح والترغیب فیه، وأنّ به إکمال ثلث الدین أو نصفه أو ثلثیه، فیا ترى ما هی الأسباب المانعه عن هذا الأمر فی حق بنات الإمام الکاظم (علیه السلام)؟
وینبغی أن نؤکّد قبل کل شیء على أنّ عدم اقتران واحده من بنات الإمام الکاظم (علیه السلام) بزوج ـ ولا سیّما السیده فاطمه المعصومه (علیها السلام) ـ لم یکن عن عیب مانع فی الخلق أو الخُلق، وقد مرّ علینا أنها کانت جلیله القدر ذات شأن عظیم، ومنزله کبیره، على أن هذا الأمر لم تنفرد به وحدها من دون سائر أخواتها، فلابدّ أن یکون المانع أمراً آخر، وهذا ما نسعى للبحث حوله بمقدار ما یسعفنا به ما ورد حول هذه القضیه من الروایات.
ومن الضروری أن نلتفت قبل ذلک إلى أنّ هذا الأمر یعدّ من الشؤون الخاصّه التی هی أشبه شیء بالأسرار العائلیه والأسریّه کغیرها من الخصوصیّات التی لا تکون معرضاً عامّاً لعامه الناس لإبداء أنظارهم فیها، وإنّما ساغ للباحث أن یتناول بعض الشؤون بالدراسه والتحلیل لأنّ أهل البیت (علیهم السلام) یمثّلون القدوه الصّالحه التی ترشد الإنسان إلى طریق الحق والهدایه، وقد صدرت الأوامر الإلهیه والنبویّه بالإقتداء بهم، والسیر على خطاهم، واقتفاء آثارهم، فإنّهم لا یخرجون الناس من باب هدى ولا یدخلونهم فی باب ضلاله.
ولعلّ السبب فی قلّه الروایات الوارده فی هذا الشأن خصوصیّه هذه القضیّه، وأنّها لا تعنی سائر الناس وکونها من شؤونهم (علیهم السلام) الخاصّه بهم دون سواهم، کما لعلّه أیضاً لعدم اهتمام المؤرخین بهذه الناحیه کما أشرنا إلى ذلک فیما تقدّم.
ولکن لمّا کان فی هذه القضیه معصوم فلابدّ أن یکون الفعل معصوماً موافقاً لمقتضى الحکمه، وعلى طبق الموازین الإلهیه سواء حالفنا التوفیق فأدرکنا السبب أو أخفقنا فلم ندرکه.
ثم إنّه بدراسه الواقع الاجتماعی والسیاسی والظروف المحیطه بأهل البیت (علیهم السلام) آنذاک قد نتمکّن من إعطاء صوره تقریبیّه عن الأسباب الکامنه وراء هذه القضیّه فنقول:
أولاً: إنّ نظره سریعه إلى تاریخ حیاه الإمام الکاظم (علیه السلام) تدلّ على أنّ تلک الفتره کانت تتسم بالتوتر والتوجس والرهبه والخوف، فبرغم ما عاناه الإمام الصادق (علیه السلام) من حکّام بنی العباس وقد فرضوا علیه الحصار وتشدّدوا فی عزله عن شیعته، وحاولوا بشتّى الوسائل اصطناع شخصیات مناوئه، للحیلوله دون انتشار فکر أهل البیت (علیهم السلام)، وبرغم حملات الإباده التی تعرّض لها العلویون من قتل وسجن وتشرید. وهم ـ العباسیون ـ وإن نجحوا إلى حدّ ما فی تفتیت البنیه الظاهریه لمذهب أهل البیت (علیهم السلام) وألجئ الأئمه (علیهم السلام) إلى التقیه فی کثیر من أحوالهم وشؤونهم على ما هو مذکور فی کتب الفقه إلا أن فکر أهل البیت (علیهم السلام) بقی حیّاً زاخراً بالعطاء، الأمر الذی یدلّ دلاله قاطعه على أن العنایه الإلهیه تحوطه وترعاه، ویأبى الله إلا أن یتم نوره. فقد کان الإمام الصادق (علیه السلام) على تمام الحیطه والحذر، یحبط کثیراً من مخططاتهم بأسالیبه الحکیمه، حتى إذا استشهد الإمام الصادق (علیه السلام) وقع الاضطراب الشدید فی صفوف الشیعه، وقد ذکرنا فی مطلع هذا البحث شیئاً من ذلک، وممّا زاد الأوضاع وخامهً ظهور الدعاوى الکاذبه التی ساعدت على زیاده ضغط السلطه على کل من ینتمی لأهل البیت (علیهم السلام) فی الفکر والعقیده. وکادت معالم التشیع أن تنطمس لولا ظهور الإمام الکاظم (علیه السلام) فی الوقت المناسب مع حراجه الظروف وخطورتها.
فکانت الفتره التی عاشها الإمام الکاظم (علیه السلام) من أشدّ الفترات صعوبه، ولا سیّما فی عهد الرّشید العباسی الذی کان على معرفه بأنّ الإمام الکاظم (علیه السلام) هو صاحب الحقّ الشّرعی، وأنّ الشیعه لا ترضى بغیره بدلاً.
وإنّ أشدّ ما یقضّ مضجع الحاکم ویؤرّق حیاته أن یرى أحداً ینافسه على السطلان، فهو إذ ذاک لا یقرّ له قرار، ولا یهنأ له عیش، ولا یشعر بالأمان حتى یفتک بخصمه أیّاً کان.
ولم یدر هؤلاء الحکّام أن سلطان أهل البیت (علیهم السلام) إنّما هو على القلوب والأرواح، فما عهد عن أحد من أئمه أهل البیت (علیهم السلام) أنه سعى للسلطه وتولّى الحکم أو حمل سلاحاً أو نظم جیشاً لیقلب نظاماً على صاحبه أیّاً کان، حتى أن أمیر المؤمنین (علیه السلام) مع أنّه کان الإمام والحاکم وقد نصبه النبی خلیفه على الأمه لم یطمع فی الولایه یوم استأثر بها القوم، وحملوه على قبول ولایتهم قسراً، واعتزلهم وما یفعلون، ولمّا قتل عثمان جاءوا یسعون إلیه وبایعوه عن طواعیه واختیار، وسعى أمیر المؤمنین (علیه السلام) أن یسوسهم بالعدل والحکمه، ویسیر فهیم بسیره النبی (صلّى الله علیه وآله) ویحملهم على المحجّه البیضاء، فلم یرق لهم ذلک، فنقضوا بیعته، وحاربوه، وکان أول من نقض البیعه وأول من حاربه هو أول من بایعه ونادى بخلافته.
إنّ أولئک الحکّام یحسبون أئمه أهل البیت (علیهم السلام) کأنفسهم، حیث یجد الحکام أنفسهم ذوی أطماع فی الحکم والسلطان، وإن أشادوا حکمهم على أشلاء الضحایا وبنوا قصورهم على أجساد الأبریاء، وسقوا أساس ملکهم بدماء المظلومین.
وعلى أی حال فقد کان عصر الإمام الکاظم (علیه السلام) عصر خوف واضطراب، وقد أحکمت السلطه قبضتها على زمام الأمر فأخمدت الأنفاس، وکتمت الأصوات، وسفکت الدماء، وضاقت السجون وتفرّق الرّجال.
ولم یکن الذی یجری إلا على أهل البیت وشیعتهم وفی طلیعه أهل البیت (علیهم السلام) الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام).
ولک أن تتصور حالات الذعر والفزع والاضطراب التی منی بها أهل البیت (علیهم السلام) وشیعتهم، رجالاً ونساءً وعلى مختلف الأصعده.
ونحن إذ نستفظع ما نقرأ، ونرتاع لما نتلوا من صحف صبغها المجرمون بدماء المظلومین، فما ظنّک بمن قاسى أهوال المآسی وفوادح الخطوب.
والناس آنذاک إزاء ما یجری على أهل البیت (علیهم السلام) بین من أصبح آله فی أیدی الظالمین یحقّقون به أغراضهم، ویتوصلون به إلى أهدافهم، ویحقّق بهم مطامعه، وبین من أرعبه الخوف والهلع فانطوى على نفسه، وتوارى وراء التقیه خوفاً على نفسه وعرضه وماله، وبین من لا یعنیه من الأمر شیء فلم یبال بما یجری من أحداث.
ثانیاً: إن ممّا تقرر فی مذهب أهل البیت (علیهم السلام) أن العصمه الخاصّه ـ فی هذه الأمه ـ منحصره فی النبی (صلّى الله علیه وآله) والصدیقه الزهراء (علیها السلام) والأئمه الاثنی عشر (علیهم السلام) دون سواهم، وقد قامت الأدلّه العقلیه والنقلیه على ذلک، ممّا هو مبثوث فی الکتب الکلامیه، وقد أحلنا القارئ العزیز على بعض المصادر فیما تقدّم.
ولئن استفید من بعض الأدله أو القرائن عصمه بعض الأفراد من أهل البیت (علیهم السلام) کأبی الفضل العباس، وعلی الأکبر، والسیده زینب بنت أمیر المؤمنین، والسیده فاطمه المعصومه (علیهم السلام)، فلیس المراد بعصمه هؤلاء هی تلک العصمه الخاصّه اللاّزمه، وإنّما المراد أنّهم بلغوا مرتبه عالیه من الکمال لم ینلها سائر الناس. على ما بیّناه فیما سبق.
وعلى هذا فما عدا هؤلاء من سائر أفراد أهل البیت (علیهم السلام) لیسوا بمعصومین بمعنى أنه لا یصدر عنهم خطأ أو اشتباه عن تعمّد کان أو عن سهو، وإن نالوا شرف الأصل والنسبه، إذ لیس من البعید أن یصدر من بعضهم ما لا یلیق صدوره من مثلهم من الهفوات والأخطاء الکبیره أو الصغیره التی عانى منها الأئمه (علیهم السلام) فی کثیر من القضایا والأمور.
وقد عانى الإمام الکاظم (علیه السلام) من بعض إخوانه کما عانى آباؤه عن بعض بنی عمومته من قبل، وهکذا بقیه الأئمه (علیهم السلام) على ما تکفّلت ببیانه الروایات وکتب التراجم.
ولولا أن الأئمه (علیهما السلام) کانوا یعالجون هذه القضایا بالحکمه، ورحابه الصدر، وبعد النظر، والصّبر والتحمّل لکان للصوره وجه آخر، وقد وعدنا بعدم الخوض فی تفاصیل ذلک، ونکتفی بهذه الإشاره.
وهذا هو أحد الامتیازات والفوارق بین المعصوم وغیره، وإن کان هذا الغیر ـ ینحدر فی نسبه ـ من أهل البیت (علیهم السلام).
وثالثاً: إن حکومه بنی العباس فی نظر الأئمه (علیهم السلام) لم تکن حکومه شرعیّه، ولم تحظ بالتأیید والمسانده منهم (علیهم السلام)، بل کانوا یظهرون لبعض خواصّهم من له علاقه بالسلطه الحاکمه عدم مشروعیّه العمل للحکام والتحذیر من الدخول فی ولایاتهم، أو السعی فی قضاء حوائجهم، وإن کان العمل بحسب الظاهر فی نفسه بعیداً عن جرائمهم ومخازیهم، ویرى الإمام (علیه السلام) أن إسداء أی خدمه لهم مهما کانت، مشارکه لهم فی الجریمه، کما یکشف عن ذلک الحوار الذی جرى بین الإمام الکاظم (علیه السلام) وبین صفوان بن مهران الجمال، الذی روى ما جرى فقال: دخلت على أبی الحسن الأول (علیه السلام)، فقال لی: یا صفوان کلّ شیء منک حسن جمیل ما خلا شیئاً واحداً، وقلت: جعلت فداک أی شیء؟!
قال: إکراؤک جمالک من هذا الرجل ـ یعنی هارون ـ قلت: والله ما أکریته أشراً، ولا بطراً، ولا للصّید، ولا للّهو، ولکنّی أکریته لهذا الطریق ـ یعنی طریق مکّه ـ ولا أتولاّه، ولکن أبعث معه غلمانی، فقال لی: یا صفوان أیقع کراک علیهم؟ قلت: نعم جعلت فداک، فقال لی: أتحبّ بقاءهم حتى یخرج کراک؟ قلت: نعم، قال: فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن کان منهم ورد النار، فقال صفوان: فذهبت وبعت جمالی عن آخرها، فبلغ ذلک إلى هارون، فدعانی، وقال: یا صفوان بلغنی أنّک بعت جمالک، قلت: نعم. فقال: لم؟ قلت: أنا شیخ کبیر، وإنّ الغلمان لا یفون بالأعمال، فقال: هیهات، إنّی لأعلم من أشار علیک بهذا، أشار علیک بهذا موسى بن جعفر. قلت: ما لی ولموسى بن جعفر. فقال: دع هذا عنک، فوالله لولا حسن صحبتک لقتلتک.(۱۶)
إن هذا الموقف الصارم وأمثاله من الإمام (علیه السلام) لم یدع مجالاً للحاکم أن یشعر بالاستقرار، إذ یرى أن الخطر یتهدّد سلطانه، ویزعزع أرکان وجوده، وینذره بالزوال.
وهذه السلبیه التی انتهجها الإمام (علیه السلام) إزاء حکومه هارون الرشید أظهرت کثیراً من الحقائق الخفیّه على الناس، وجعلت الحاکم یزداد فی تمادیه وضلاله، فیرتکب من الجرائم ما هو أبشع، ومن المنکرات ما هو أفظع، ویظهر حقیقته التی کان یسترها وراء بعض المظاهر الدینیه التی قد ینخدع بها بعض من قصرت بصیرته عن إدراک الحقیقه، فقد ظن صفوان أن عمله مشروع، لأنّه یکری جماله فی طریق الحجر، وهو أمر منفصل لا علاقه له بما یمارسه هارون الرشید من اللّهو واللّعب والمحرّمات، ولکنّ الإمام (علیه السلام) أوقفه على الحقیقه، وبیّن له أنّ البصیر ینبغی أن لا ینخدع بمظهر زائف، وأن لا یکون مطیّه یحقّق بها الظالم أغراضه.
وقد تنبّه لذلک فاتّخذ إجراءً حاسماً، فباع جماله وتخلّى عن مهنته، وأدرک هارون الرشید السّر وراء ذلک، ولولا شفاعه حسن صحبه صفوان لکان فی عداد الضحایا.
ولا شک أن هذه الحادثه وأمثالها ترکت هارون الرشید یتمیّز من الغیظ، ویبحث عن أسالیب أخرى یکید بها الإمام (علیه السلام).
وأما إذنه (علیه السلام) لعلی بن یقطین فی تولّی منصب الوزاره لهارون الرشید ورغبته (علیه السلام) فی بقائه فی الوزاره فلیس ذلک نقضاً لهذا الموقف، وذلک لأنّ الوزاره منصب عام یرتبط بعامّه الناس، وله صلاحیّات واسعه یستطیع علی بن یقطین من خلالها أن یؤدی خدمات کبیره للشّیعه على مختلف طبقاتهم ودفع الأخطار عنهم، ومع أنّ هذا المنصب حسّاس جدّاً وقد استأذن ابن یقطین الإمام (علیه السلام) فی الاستعفاء من هذا المنصب، إلا أن الإمام (علیه السلام) رغب فی بقائه لحمایه الشیعه(۱۷)، وتکفّل له بالرعایه والتسدید فی مواطن الخطر. وقد أنقذه الإمام (علیه السلام) فی مواضع کثیره کاد أن یتورّط فیها علی بن یقطین، على أنّه کان من الجلاله والاستقامه والمعرفه بالحق ما یؤمن منه الانحراف أو تلتبس علیه الأمور.
وأما صفوان بن مهران فلم یکن عمله بهذه المثابه، بل کان خدمه خالصه لهارون الرشید والجهاز الحاکم، ولیس فیها إلا التأیید والمسانده لحکومه بنی العباس، من دون أن یکون فیها نفع یذکر لغیرهم، ولذلک لم یمنعه الإمام (علیه السلام) من التخلّی عن هذا العمل فی حین أمر ابن یقطین بالبقاء، فلا تنافی بین الأمرین.
رابعاً: إن من أهم الرکائز التی اعتمدت علیها سیاسه الحکّام منذ الیوم الذی استولوا فیه على مقام الزّعامه واغتصبوا فیه منصب الخلافه، هو السعی لإبقاء أصحاب الحقّ الشرعی فی عوز وفاقه، کسراً لشوکتهم وتقلیصاً لشأنهم، وحدّاً من قدراتهم وإمکانیاتهم، وإظهارهم للناس بأنّهم لیسوا ممّن یطمع فیهم، أو یرغب فی صحبتهم أو حملهم على الاستجداء والخنوع.
ومن المعلوم أن الناس أبناء الدنیا وعبید الدرهم والدینار، إلا ما قلّ وندر، وکان ذلک أحد العوامل التی ساهمت فی انحسار أغلب الناس وتخلّیهم عنهم بل والتنکّر لهم (علیهم السلام).
وقد اتخذ الحکّام عدّه إجراءات للحیلوله دون تمکّن أهل البیت (علیهم السلام) من الإنفاق بما یتناسب مع شأنهم فصادروا فدکاً(۱۸) من أصحابها ومنعوهم الحقّ الشرعی الذی افترضه الله على عباده بنص القرآن وهو الخمس، ومنعوهم عطاءاتهم، واستولوا على بعض ممتلکاتهم، واستمرّت هذه السیاسه جاریه فی بنی أمیه وبنی العباس، حتى بلغ الأمر أنه إذا ما تناهى إلى أسماعهم أنّ أحداً أعطى خمسه للإمام (علیه السلام) فإنّهم ینکّلون به أشد التنکیل، وکانت الرّصد والعیون التی جنّدها الحکّام على الأئمه (علیهم السلام) ترقب علیهم کلّ تصرف.
وکان قسم کبیر من تلک الأموال التی استولى علیها الظالمون غصباً وعدواناً یبذل لأولئک الذین یتزلّفون للحکّام من الشعراء الذین اتخذوا من هجاء النبی (صلّى الله علیه وآله) وعترته ذریعه لنیل الأموال والحصول علیها، کأبان بن عبد الحمید، ومروان بن أبی حفصه، وأضرابهما ممن طبع على قلوبهم وباع دینه بدنیاه.(۱۹)
وأما القسم الآخر ـ من الأموال ـ فکان یبذل على الفسوق والفجور، والفساد، ممّا حفلت بذکره کتب التاریخ(۲۰).
وبقیت الأمه ولا سیّما أهل البیت (علیهم السلام) یرزحون تحت وطأه القهر والحرمان.
وقد اعترف هارون الرشید بذلک، کما جاء فی حواره مع ولده المأمون لمّا اعترض على أبیه لقلّه ما أعطى الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) فی حین أنّه ضمن له أن یعطیه الکثیر.
قال المأمون: یا أمیر المؤمنین تعطی أبناء المهاجرین والأنصار وسائر قریش وبنی هاشم، ومن لا یعرف نسبه خمسه آلاف دینار وتعطی موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتی دینار أخس عطیّه أعطیتها أحداً من النسا، فثار هارون وصاح فی وجهه قائلاً: اسکت لا أمّ لک، فإنّی لو أعطیت هذا ما ضمنته له ما کنت آمنه أن یضرب وجهی بمائه ألف سیف من شیعته وموالیه، وفقر هذا وأهل بیته أسلم لی ولکم من بسط أیدیهم وأعینهم.(۲۱)
وخامساً: إنّه برغم ما کان یمارسه حکّام بنی العاس من سیاسه البطش والقهر، والحرمان والإباده والتشرید، إلا أن الأئمه (علیهم السلام) ما کانوا لیتنازلون عن منصب الإمامه والولایه فإنّه حق إلهی لهم من دون سائر الناس بل کانوا یقفون مواقف التحدّی للحکّام ویمارسون دورهم فی حدود ما تسمح به الظروف المحیطه بهم وبشیعتهم، وکان الإمام السابق ینصّ على إمامه اللاحق فی جمع من خواصّ الشیعه، ویؤکدون على ذلک بین حین وآخر، ویبیّنون لشیعتهم الأحکام والمعارف وإن کانت على خلاف ما علیه الحکّام وأذنابهم.
وبعباره أخرى: کان الأئمه (علیهم السلام) وشیعتهم فی معزل عن السلطه فی الفکر والعقیده والسلوک على نحو الاستقلال التام، مع علمهم بأنّ الحکام لهم ولشیعتهم بالمرصاد.
ونستفید ذلک من المواقف الصّریحه التی یواجه الإمام (علیه السلام) بها رأس السلطه الحاکمه.
فقد ذکر الرواه أن هارون سأل الإمام (علیه السلام) عن فدک لیرجعها إلیه، فأبى الإمام (علیه السلام) أن یأخذها إلا بحدودها، فقال الرشید: ما حدودها؟ فقال (علیه السلام): إن حددتها لم تردّها. فأصرّ هارون علیه أن یبیّنها له قائلاً: بحقّ جدّک إلا فعلت. ولم یجد الإمام بدّاً من إجابته فقال له: أمّا الحدّ الأول فعدن، فلمّا سمع الرشید ذلک تغیّر وجهه، واستمر الإمام (علیه السلام) فی بیانه قائلاً: والحدّ الثانی سمرقند، والحدّ الثالث أفریقیا، والحدّ الرابع سیف البحر ممّا یلی الجزر وأرمینیه، فثار الرشید وقال: لم یبق لنا شیء. فقال (علیه السلام): قد علمت أنک لا تردّها.(۲۲)
وفی هذا الحوار موقف الإمام الصّریح وبیان أحقیّته بالخلافه، ومن الطبیعی أن یترک ذلک الحوار أثراً فی نفس هارون حیث یرى نفسه غاصباً لیس له من الأمر شیء.
ونظیر هذا الموقف موقف آخر للإمام (علیه السلام) مع هارون لمّا أراد (علیه السلام) أن یبیّن شدّه صلته وقربه من رسول الله (صلّى الله علیه وآله)، وقد سأله هارون: لم قلت: إنّک أقرب إلى رسول الله منّا؟ فقال (علیه السلام): لو بعث رسول الله (صلّى الله علیه وآله) حیّاً، وخطب منک کریمتک هل کنت تجیبه إلى ذلک؟ فقال هارون: سبحان الله! وکنت أفتخر بذلک على العرب والعجم.
فقال (علیه السلام): لکنّه لا یخطب منّی ولا أزوّجه لأنه والدنا لا والدکم، فلذلک نحن أقرب إلیه منکم، ثم قال (علیه السلام): هل کان یجوز له أن یدخل على حرمک وهنّ مکشّفات؟ فقال هارون: لا، فقال الإمام: لکن له أن یدخل على حرمی، ویجوز له ذلک، فلذلک نحن أقرب إلیه منکم.(۲۳)
وقد اعترف هارون بأحقیّه الإمام (علیه السلام) حین أخذته هیبه الإمام (علیه السلام) ولم یر بدّاً من إظهار احترامه وإجلاله، الأمر الذی أثار ابنه المأمون فدفعه للسؤال قائلاً: یا أمیر المؤمنین من هذا الرجل الذی عظّمته وقمت من مجلسک إلیه، فاستقبلته، وأقعدته فی صدر المجلس، وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الرّکاب له؟ فقال هارون: هذا إمام الناس وحجّه الله على خلقه، وخلیفته على عباده، قال المأمون: یا أمیر المؤمنین أو لیست هذه الصفات کلها لک وفیک؟ فقال: أنا إمام الجماعه فی الظاهر بالغلبه والقهر، وموسى بن جعفر إمام حقّ، والله یا بنی إنّه لأحقّ بمقام رسول الله (صلّى الله علیه وآله) منّی ومن الخلق جمیعاً، ووالله لو نازعتنی هذا الأمر لأخذت الذی فیه عیناک، فإنّ الملک عقیم.(۲۴).
وهکذا کان الأئمه (علیهم السلام) مع الحکّام فی کل عصر من عصورهم، فلم یکن أحد من الأئمه (علیهم السلام) لیتخلّى عن منصب الإمامه مهما کانت الظروف، ولئن لم یتمکّن الأئمه (علیهم السلام) من ممارسه أدوارهم فی الظاهر إلا أنّهم قاموا بوظیفتهم فی الواقع، وإذا کان ثمّه تقصیر فهو من الناس حیث ضلّوا الطرق فتاهوا، لا من الأئمه (علیهم السلام)، وقد فاز بذلک شیعه أهل البیت (علیهم السلام) فساروا فی رکاب أئمّتهم، ورکبوا فی سفینتهم والعاقبه للمتقین.
ولا شک أن هذا الموقف الصارم من الأئمه (علیهم السلام) فی مسأله الإمامه یجعل ردّه الفعل من قبل الحکّام عنیفه جدّاً، بحیث تصبح حیاه الأئمه (علیهم السلام) وشیعتهم مهدّده بالأخطار ولا ینافی ذلک أمر التقیّه، لأنّها إنما تسوغ فی بعض المواطن ولیس هذا منها.
وبعد هذا کله نقول: جاء فی وصیّه الإمام الکاظم (علیه السلام) لابنه الإمام الرضا (علیه السلام) بما یتعلّق بهذا الموضوع أنّه (علیه السلام) قال: وإنّی قد أوصیت إلى علیّ وبنیّ بعدُ معه، إن شاء وآنس منهم رشداً، وأحبّ أن یقرّبهم فذاک له، ولا أمر لهم معه.. وإلى علی أمر نسائی دونهم.. وإن أراد رجل منهم أن یزوّج أخته فلیس له أن یزوّجها إلا بإذنه وأمره، فإنّه أعرف بمناکح قومه.. وأمهات أولادی من أقامت منهنّ فی منزلها وحجابها فلها ما کان یجری علیها فی حیاتی، إن رأى ذلک، ومن خرجت منهنّ إلى زوج فلیس لها أن ترجع إلى محوای، إلا أن یرى علی غیر ذلک، وبناتی بمثل ذلک، ولا یزوّج بناتی أحد من أخوتهنّ من أمهاتهن، ولا سلطان ولا عمّ إلا برأیه ومشورته، فإن فعلوا غیر ذلک فقد خالفوا الله ورسوله وجاهدوه فی ملکه، وهو أعرف بمناکح قومه، فإن أراد أن یزوّج زوّج، وإن أراد أن یترک ترک، وقد أوصیتهنّ بمثل ما ذکرت فی کتابی هذا، وجعلت الله عزّ وجلّ علیهنّ شهیداً.(۲۵)
ویستفاد منها أن الأمر حساس وخطیر، وهو یتطلّب بصیره نافذه، ومعرفه تامّه بمداخل القضایا ومخارجها، ولذلک أوکل أمر زواج بناته (علیه السلام) إلى الإمام الرضا (علیه السلام)، وهو المعصوم العالم بحقائق الأمور، وکان الظروف ظرف محنه وابتلاء کما یدل علیه حدیث الإمام الکاظم (علیه السلام) لیزید بن سلیط الزیدی حیث قال: ثم قال لی أبو إبراهیم (علیه السلام): إنی راحل فی هذه السنه، والأمر هو إلى ابنی علی، سمیّ علی وعلی، فأمّا علی الأول فعلی بن أبی طالب، وأمّا الآخر فعلی بن الحسین (علیه السلام)، أُعطی فَهْمَ الأول وحلمه ونصره وودّه ودینه ومحنه الآخر وصبره على ما یکره..(۲۶)
ولیس فی هذه الوصیه ما یدلّ على المنع من التزویج، وإنّما تدل على أن الأمر إلى الإمام الرضا (علیه السلام)، فهو الأعرف بمناکح قومه، وهو الأعلم بأحوال زمانه.
فما ذکره الیعقوبی فی تاریخه(۲۷) من أن الإمام (علیه السلام) أوصى بعدم تزویج بناته فإن کان مستنده هو وصیّه الإمام (علیه السلام) التی ذکرناها فقد أخطأ فی الاستنتاج، وإن کان غیرها فلم نقف علیه، ولا نستبعد أنّه قد التبس علیه الأمر وفهم من الوصیّه أنّ الإمام قد منع من تزویج بناته، ولیس الأمر کذلک.
ثم إنه من خلال ما تقدّم ذکره من الأمور الخمسه یمکننا استفاده السبب وراء عدم زواج بنات الإمام الکاظم (علیه السلام).
والذی یترجح من جمیع ذلک أن السبب أمران أحدهما یکمل الآخر، وهما:
الأول: عدم وجود الکفء.
والثانی: الخوف من الإقدام على مصاهره الإمام (علیه السلام).
أما الأول فإن الفقهاء وإن اختلفوا فی تحدید معنى الکفاءه، ولهم فی ذلک أقوال وآراء ذکرها صاحب الجواهر(۲۸) وغیره إلا أنّهم اتفقوا على أن المؤمن کفء المؤمنه.
وقد روی عن النبی (صلّى الله علیه وآله) أنّه قال: المؤمنون بعضهم أکفاء بعض.(۲۹)
وخلافهم إنّما هو فی زواج المرأه الشریفه ممن هو أدنى منها، وأمّا العکس فلا خوف بینهم فی جوازه، على أنّ الخلاف فی ذلک ممّا لا یعتدّ به، کما صرّ به صاحب الجواهر حیث قال: وکیف کان فلا إشکال ولا خلاف معتدّ به فی أنّه (یجوز) عندنا (إنکاح الحرّه العبد، والعربیّه العجمیّ، والهاشمیه غیر الهاشمی، وبالعکس، وکذا أرباب الصّنائع الدنیّه) کالکنّاس والحجّام وغیرهما (بذات الدین) من العلم والصلاح (والبیوتات) وغیرهم، لعموم الأدله، وخصوص ما جاء فی تزویج جویبر الدلفاء، ومنجح بن رباح مولى علی بن الحسین (علیهما السلام) بنت ابن أبی رافع.(۳۰)
والحاصل إجمالاً: أنّ سیره النبی (صلّى الله علیه وآله) والأئمه (علیهم السلام) کانت على ذلک، مضافاً إلى الروایات الکثیره الوارده عنهم (علیهم السلام) الداله على الجواز. نعم اختصّت الصدّیقه الزهراء (علیها السلام) بهذا الشأن من دون سائر النساء، فقد روی عن النبی (صلّى الله علیه وآله) أنّه قال: إنّما أنا بشر مثلکم أتزوّج فیکم وأزواجکم إلا فاطمه، فإنّ تزویجها نزل من السماء.(۳۱)
وقال (صلّى الله علیه وآله): لولا أن الله خلق أمیر المؤمنین لم یکن لفاطمه کفء على وجه الأرض، آدم فمن دونه.(۳۲)
وأمّا ما عدا فاطمه الزهراء (علیها السلام) من النساء فلیست لها هذه الخصوصیّه، وإنّما یتبع فیها الشرائط العامه فی الزّواج من الدین والخلق وغیرهما ممّا ذکره الفقهاء ورووه عن الأئمه (علیهم السلام) وتفصیل هذه المساله بجمیع أبعادها مبسوطه فی کتب الفقه الاستدلالیه.
وغرضنا من ذلک الإشاره إلى أنّه لا شکّ فی توفّر الشرائط فی بعض الأشخاص فی زمان الإمام الکاظم (علیه السلام).
ولکن ما جرى على العلویین من الأحداث حال دون ذلک، فإنّ حملات الإباده من القتل والتشرید لبنی هاشم ما أبقت منهم إلا القلیل، فإنّ المسلسل الدّامی بدأ مع بدایه عهد المنصور، وقد تتبّع العلویین، فمنهم من قتل فی میادین الحروب، ومنهم من قتل تحت الأنقاض حیث أمر المنصور بهدم السجن علیهما ووضعوا فی أساس الناس أحیاء فماتوا اختناقاً، ومنهم من اغتیل بالسم، ومنهم من قتل صبراً واحتفظ برؤوسهم فی خزانه ولم یطّلع علیها إلا بعض أهل بیته.
یقول الطبری فی تاریخه لمّا عزم المنصور على الحجّ دعا ریطه بنت أبی العباس امرأه المهدی، وکان المهدی بالریّ قبل شخوص أبی جعفر، فأوصاها بما أراد، وعهد إلیها، ودفع إلیها مفاتیح الخزائن، وتقدّم إلیها وأحلفها، ووکّد الأیمان أن لا تفتح بعض تلک الخزائن، ولا تطلع علیا أحداً إلا المهدی، ولا هی إلا أن یصحّ عندها موته، فإذا صحّ ذلک اجتمعت هی والمهدی ولیس معهما ثالث حتى یفتحا الخزانه، فلمّا قدم المهدی من الریّ إلى مدینه السلام، دفعت إلیه المفاتیح، وأخبرته أنّه تقدّم إلیها ألا یفتحه ولا یطلع علیه أحد حتى یصحّ عندها موته، فلمّا انتهى إلى المهدی موت المنصور، وولی الخلافه فتح الباب ومعهم ریطه، فإذا أزج کبیر فیه جماعه من قتلى الطالبیین، وفی آذانهم رقاع فیها أنسابهم، وإذا فیهم أطفال، ورجال شیب، ومشایخ عدّه کثیره، فلمّا رأى ذلک المهدی ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفیره فدفنوا فیها، وعمل فوقها دکان.(۳۳)
ومنهم من سلم من القتل ولکنّه لم یسلم من التشرّد فهام فی البلدان متنکّراً، وقد أخفى اسمه ونسبه، ومن ذلک ما رواه أبو الفرج الأصفهانی فی مقاتل الطالبیین من أحوال عیسى بن زید الذی توارى عن المنصور العباسی زماناً طویلاً حتى مات متواریاً، ولم یطلع زوجته وابنته على اسمه ونسبه.
روى أبو الفرج بسنده عن محمد بن المنصور المرادی قال: قال یحیى بن الحسین بن زید: قلت لأبی: یا أبه، إنّی أشتهی أن أرى عمّی عیسى بن زید، فإنّه یقبح بمثلی أن لا یلقى مثله من أشیاخه، فدافعنی عن ذلک مده، وقال: إن هذا أمر یثقل علیه، وأخشى أن ینتقل عن منزله کراهیه للقائک إیّاه فتزعجه، فلم أزل به أداریه وألطف به حتى طابت نفسه لی بذلک، فجهّزنی إلى الکوفه، وقال لی: إذا صرت إلیها فاسأل عن دور بنی حی، فإن دللت علیها فاقصدها فی السکّه الفلانیه، وسترى فی وسط السکّه داراً لها باب، صفته کذا وکذا، فاعرفه واجلس بعیداً منها فی أول السکّه فإنه سیقبل علیک عند المغرب کهل طویل مسنون (مستور) الوجه، قد أثّر السجود فی جبهته، علیه جبّه صوف، یستقى الماء على جمل وقد انصرف یسوق الجمل، لا یضع قدماً ولا یرفعها إلا ذکر الله عزّ وجلّ، ودموعه تنحدر، فقم وسلّم علیه وعانقه، فإنّه سیذعر منک کما یذعر الوحش، فعرّفه نفسک، وانتسب له، فإنّه یسکن إلیک، ویحدّثک طویلاً، ویسألک عنّا جمیعاً، ویخبرک بشأنه ولا یضجر بجلوسک معه، ولا تطل علیه، وودّعه، فإّنه یستعفیک من العوده إلیه، فافعل ما یأمرک به من ذلک، فإنّک إن عدت إلیه توارى عنک واستوحش منک، وانتقل عن موضعه، وعلیه فی ذلک مشقّه، فقلت: أفعل ما أمرتنی، ثم جهّزنی إلى الکوفه وودّعته وخرجت، فلمّا وردت الکوفه قصدت سکّه بنی حی بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرّفت الباب الذی نعته لی، فلما غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل یسوق الجمل، وهو کما وصف لی أبی لا یرفع قدماً ولا یضعها إلا حرّک شفتیه بذکر الله، ودموعه ترقرق فی عینیه، وتذرف أحیاناً، فقمت فعانقته فذعر منی کما یذعر الوحش من الإنس، فقلت: یا عم أنا یحیى بن الحسین بن زید ابن أخیک، فضمّنی إلیه، وبکى حتى قال: قد جاءت نفسه، ثم أناخ جمله وجلس معی، فجعل یسألنی عن أهله رجلاً رجلاً، وامرأه امرأه، وصبیّاً صبیّاً، وأنا أشرح له أخبارهم، وهو یبکی، ثم قال: یا بنی أنا أستقی على هذا الجمل الماء، فأصرف ما اکتسب یعنی من أجره الجمل إلى صاحبه واتقوّت باقیه، وربّما عاقنی عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البریّه، یعنی بظهر الکوفه فألتقط ما یرمی الناس به من البقول فاتقوّته. وقد تزوّجت إلى هذا الرجل ابنته، وهو لا یعلم من أنا إلى وقتی هذا، فولدت منی بنتاً، فنشأت، وبلغت وهی أیضاً لا تعرفنی ولا تدری من أنا. قالت: لی أمّها: زوّج ابنتک بابن فلان السقاء ـ لرجل من جیراننا یسقی الماء ـ فإنّه أیسر منّا، وقد خطبها، وألحّت علیّ فلم أقدر على إخبارها بأنّ ذلک غیر جائز، ولا هو بکفء لها، فیشیع خبری، فجعلت تلحّ علیّ فلم أزل أستکفی الله أمرها حتى ماتت بعد أیام، فما أجدنی آسى على شیء من الدنیا أسای على أنّها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله (صلّى الله علیه وآله).
وذکر أبو الفرج أن عیسى بن زید بقی متواریاً إلى أن مات فی زمان المهدی العباسی، روى بسنده عن یعقوب بن داود، قال: دخلت معه المهدی فی قبّه فی بعض الخانات فی طریق خراسان، فإذا حائطها علیه أسطر مکتوبه، فدنا ودنوت معه، فإذا هی هذه الأبیات:
والله ما أطــــــعم طعــــم الرقاد***خــــوفاً إذا نامــت عیون العباد
شرّدنی أهــــل اعــــــتداء وما***أذنبت ذنــــباً غــــیر ذکر المعاد
آمــــنت بالله ولـــــم یؤمـــــنوا***فکـــــان زادی عــندهم شرّ زاد
أقـــول قــــــولاً قــــــاله خائف***مطـــــرد قلــــــبی کثیر السّهاد
منخرق الخفّـــین یشکو الوجى***تنکـــــبه أطراف مــــرو حـــداد
شرّده الخــــــوف فــــأزرى به***کذلک مـــــن یکـــــره حرّ الجلاد
قد کان فـــــی المــوت له راحه***والموت حــــتم فی رقاب العباد
قال: فجعل المهدی یکتب تحت کل بیت: لک الأمان من الله ومنّی، فاظهر متى شئت، حتى کتب ذلک تحتها أجمع، فالتفت فإذا دموعه تجری على خدّه فقلت له: من ترى قائل هذا الشعر یا أمیر المؤمنین؟ قال: أتتجاهل علی؟ من عسى أن یقول هذا الشعر إلا عیسى بن زید.(۳۴)
ولکن لمّا بلغه موت عیسى بن زید اعتبر ذلک بشرى وحوّل وجهه إلى المحراب وسجد وحمد الله. وکان یجدّ فی طلبه حتى أنّه حبس بعض أصحابه ثم قتلهم لأنّهم لم یخبروه بموضع اختفائه.(۳۵)
وعهده وإن لم یکن کعهد أبیه شده وبطشاً إلا أنّه ورث منه العداء لأهل البیت (علیهم السلام)، الذی کان یعتقد أن لا بقاء له فی الحکم والسلطان إلا بالقضاء على العلویین وشیعتهم.
حتى إذا جاء عهد ابنه موسى الهادی الذی اتصف بنزعات الشّر والطیش والتمادی فی سفک الدماء، فنقم علیه القریب والبعید وبغضه الناس جمیعاً، وقد حقدت علیه أمّه الخیزران، وبلغ بها الغیظ والکراهیه له أنها هی التی قتلته.(۳۶)
وفی زمانه حدثت واقعه فخ التی ضارعت ماسه کربلاء فی آلامها وشجونها، وقد تحدّث الإمام الجواد (علیه السلام) عن مدى أثرها البالغ على أهل البیت (علیهم السلام) بقوله: لم یکن لنا بعد الطف ـ یعنی کربلاء ـ مصرع أعظم من فخ.(۳۷)
فقد حملت فیها رؤوس العلویین وترکت جثثهم فی العراء، وسیقت الأسرى من بلد إلى بلد، وقد قیّدوا بالحبال والسلاسل، ووضعوا فی أیدیهم وأرجلهم الحدید، وأدخلا على الهادی العباسی فأمر بقتل بعضهم فقتلوا صبراً وصلبوا على باب الجسر ببغداد.(۳۸)
ولم یکن عهد الرشید بأحسن حالاً، یقول الشیخ القرشی: وورث هارون من جدّه المنصور البغض العارم والعداء الشدید للعلویین، فقابلهم منذ بدایه حکمه بکلّ قسوه وجفاء، وصبّ علیهم جام غضبه، وقد أقسم على استئصالهم وقتلهم، فقال: والله لأقتلنّهم ـ أی العلویین ـ ولا قتلنّ شیعتهم.
وأرسل طائفه کبیره منهم إلى ساحات الإعدام، ودفن قسماً منهم وهم أحیاء، وأودع الکثیرین منهم فی ظلمات السجون، إلى غیر ذلک من المآسی الموجعه التی صبّها علیهم..
لقد کان الرشید شدید الوطأه على عتره النبی (صلّى الله علیه وآله)، وکانوا على علم بمقته وبغضه لهم، فحینما علموا بخلافته هاموا على وجوههم فی القرى والأریاف، متنکرین لئلا یعرفهم أحد.(۳۹)
وقد أمر الرشید حمید بن قحطبه أن یقتل ستّین علویّاً فی لیله واحده، روى الصدوق بسنده عن أبی الحسین أحمد بن سهل بن ماهان، قال: حدّثنی عبید الله البزّاز النیسابوری، وکان مسنّاً قال: کان بینی وبین حمید بن قحطبه الطائی الطوسی معامله، فرحلت إلیه فی بعض الأیام فبلغه خبر قدومی، فاستحضرنی للوقت وعلیّ ثیاب السفر لم أغیّرها، وذلک فی شهر رمضان وقت صلاه الظهر، فلمّا دخلت علیه رأیته فی بیت یجری فیه الماء، فسلّمت علیه وجلست فأتی بطشت وإبریق فغسل یدیه، ثم أمرنی فغسلت یدی، وأحضرت المائده، وذهب عنّی أنّی صائم، وأنّی فی شهر رمضان، ثم ذکرت فأمسکت یدی، فقال لی حمید: ما لک لا تأکل؟ فقلت: أیّها الأمیر هذا شهر رمضان، ولست بمریض ولا بی علّه توجب الإفطار، ولعلّ الأمیر له عذر فی ذلک، أو علّه توجب الإفطار، فقال: ما بی علّه توجب الإفطار وإنّی لصحیح البدن، ثم دمعت عیناه وبکى، فقلت له بعد ما فرغ من طعامه: ما یبکیک أیها الأمیر؟ فقال: أنفذ إلیّ هارون الرشید وقت کونه بطوس فی بعض اللیل أن أجب، فلمّا دخلت علیه رأیت بین یدیه شمعه تتّقد وسیفاً أخضر مسلولاً، وبین یدیه خادم واقف، فلمّا قمت بین یدیه رفع رأسه إلیّ فقال: کیف طاعتک لأمیر المؤمنین؟ فقلت: بالنفس والمال، فأطرق، ثم أذن لی فی الانصراف، فلم ألبث فی منزلی حتى عاد الرسول إلیّ وقال: أجب أمیر المؤمنین، فقلت فی نفسی: إنّا لله، أخاف أن یکون قد عزم على قتلی، فلما حضرت بین یدیه رفع رأسه إلیّ فقال: کیف طاعتک لأمیر المؤمنین؟ فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد، فتبسّم ضاحکاً، ثم أذن لی فی الانصراف، فلمّا دخلت منزلی لم ألبث أن عاد إلیّ الرسول فقال: أجب أمیر المؤمنین فحضرت بین یدیه وهو على حاله فرفع رأسه إلیّ وقال لی: کیف طاعتک لأمیر المؤمنین؟ فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد والدین، فضحک، ثم قال لی: خذ هذا السیف وامتثل ما یأمرک به الخادم، قال: فتناول الخادم السیف وناولنیه، وجاء إلى بیت بابه مغلق، ففتحه، وإذا فیه بئر فی وسطه ثلاثه بیوت أبوابها مغلقه، ففتح باب بیت منه فإذا فیه عشرون نفساً علیهم الشعور والذوائب شیوخ وکهول وشبان مقیّدون، فقال لی: إن أمیر المؤمنین یأمرک بقتل هؤلاء، وکانوا کلّهم علویّه من ولد علیّ وفاطمه (علیهما السلام)، فجعل یخرج إلیّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه، حتى أتیت على آخرهم، ثم رمى بأجسادهم ورؤوسهم فی تلک البئر، ثم فتح باب بیت آخر فإذا فیه أیضاً عشرون نفساً من العلویّه، من ولد علی وفاطمه (علیهما السلام) مقیّدون فقال لی: إن أمیر المؤمنین یأمرک بقتل هؤلاء، فجعل یخرج إلیّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه، ویرمی به فی تلک البئر، حتى أتیت على آخرهم، ثم فتح باب البیت الثالث فإذا فیه مثلهم عشرون نفساً من ولد علی وفاطمه (علیهما السلام) مقیّدون علیهم الشعور والذوائب، فقال لی: إنّ أمیر المؤمنین یأمرک بقتل هؤلاء أیضاً، فجعل یخرج إلیّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه، ویرمى به فی تلک البئر، حتى أتیت على تسعه عشر نفساً منهم، وبقی شیخ منهم علیه شعر، فقال لی: تبّاً لک یا میشوم أی عذر لک یوم القیامه إذا قدمت على جدّنا رسول الله (صلّى الله علیه وآله) وقد قتلت من أولاده ستین نفساً قد ولدهم علی وفاطمه (علیهما السلام)؟ فارتعشت یدی وارتعدت فرائصی، فنظر إلیّ الخادم مغضباً وزبرنی فأتیت على ذلک الشیخ أیضاً فقتلته، ورمى به فی تلک البئر، فإذا کان فعلی هذا وقد قتلت ستین نفساً من ولد رسول الله (صلّى الله علیه وآله)، فما ینفعنی صومی وصلاتی وأنا لا أشک أنّی مخلّد فی النار.(۴۰)
وقیل: إن هذا الواقعه حدثت فی زمان المنصور، ولعلّها تکرّرت، ولذا قال الصدوق: للمنصور مثل هذه الفعله فی ذریّه رسول الله (صلّى الله علیه وآله)(۴۱).
وعلى أی تقدیر فإنّها إحدى الشواهد على ما نقول:
وبعد: فإذا کان هکذا حال العلویین، فهل یبقى لأحدهم مجال للاقتران بواحده من بنات الإمام (علیه السلام) ویستقر فی حیاه زوجیّه هانئه، وهو یعلم أن حیاته فی خطر؟!
إن ما ذکرته بعض المصادر(۴۲) من أنّ عدم تزویج الإمام (علیه السلام) بناته إنّما هو لعدم وجود الکفء لم یکن على خلاف الواقع، فإنّ ما حلّ بأهل البیت (علیهم السلام) من الکوارث وحملات الإباده قد أفنتهم ولم تدع منهم إلا القلیل.
وربّما یقال: إذا کان هذا حال العلویین ففی رجالات الشیعه من توفّرت فیه سائر الشرائط، فلم لم یزوج الإمام الکاظم (علیه السلام) بناته من الشیعه، إذ لیس من الضروری أن یکون الزوج علویّاً ما دامت الکفاءه من الإیمان والخلق فی غیر العلوی متحقّقه؟
ونقول: إنّنا قد ذکرنا أنّ هناک أمراً آخر نعتبره مکمّلاً للأمر الأول وهو الخوف من الإقدام عل مصاهره الإمام (علیه السلام) فلم یکن الشیعه آمنین على أرواحهم، وقد بلغهم أن هارون الرشید قد أقسم على أن یقتل الشیعه کما أقسم على إباده العلویین.
وقد عانى الشیعه من الشدائد ما لا یخفى، وکانوا یعیشون التقیه فی أمورهم کما أمرهم أئمتهم (علیهم السلام) بذلک، وأصبحت حیاتهم آنذاک مهدّده بالأخطار، وکان الحکّام لهم بالمرصاد.
ومما یدل على ذلک ما ورد فی أحوال محمد بن أبی عمیر، حیث روی عن الفضل بن شاذان أنّه قال: سُعی بمحمد بن أبی عمیر إلى السلطان أنّه یعرف أسامی عامّه الشیعه بالعراق، فأمره السلطان أن یسمّیهم فامتنع، فجرّد وعلّق بین القفّازین (العقارین) وضرب مائه سوط، قال الفضل: فسمعت ابن أبی عمیر یقول: لما ضربت فبلغ الضّرب مائه سوط، أبلغ الضّرب الألم إلیّ فکدت أن أسمّی، فسمعت نداء محمد بن یونس بن عبد الرحمن یقول: یا محمد ابن أبی عمیر اذکر موقفک بین یدی الله تعالى، فتقوّیت بقوله فصبرت ولم أخبر، والحمد لله.
وقال: ضرب ابن أبی عمیر مائه خشبه وعشرین خشبه بأمر هارون لعنه الله، تولّى ضربه السندی بن شاهک على التشیع..(۴۳)
ویدلّ على ذلک أیضاً ما جاء فی أحوال هشام بن الحکم، فإنّه عاش فی آخر أیّامه مشرّداً حتى مات من الخوف فی قصّه طویله ذکرها علماء الرجال.(۴۴)
وغیرها من القضایا التی کان الشیعه فیها کأئمتهم (علیهم السلام) فی المعاناه والخوف.
وإذا کان هذا حال الشیعه فمن منهم یقدم على مصاهره الإمام (علیه السلام) وقد تربّصت العیون بهم الدوائر، والحکام فی طلبهم وراء کل حجر ومدر؟
على أنّه لم یثبت أن أحداً من العلویین أو من الشیعه تقدّم لخطبه إحدى بنات الإمام (علیه السلام) فقوبل بالرّفض.
هذا ما نرجّحه من الأسباب وراء عدم تزویج بنات الإمام (علیه السلام)، ومنهم السیده فاطمه المعصومه (علیها السلام).
وهناک احتمالان آخران یختصّان بها، وقد یشارکها بعض أخواتها فیهما.
أحدهما: أنّها وأباها وأخاها یعلمون أن عمرها قصیر، فإنّ وفاتها (علیها السلام) کانت سنه ۲۰۱هـ فیکون عمرها على أکثر الاحتمالات أقل من ثلاثین عاماً، وهو عمر قصیر بالقیاس إلى الأعمار المتعارفه.
وحیث کانت تعلم بذلک فلم یکن لدیها ما یرغّبها فی الزواج.
وثانیهما: أنّها لمّا کانت تشاهد ما یجری على أهل بیتها وبنی عمومتها من حکّام بنی العباس من القتل والسّجن والتشرید، وما یلاقیه أبوها وأخوها من الإیذاء عزفت نفسها عن الزواج، ومن الطبیعی أن فی عدم الاطمئنان فی الحیاه صارفاً قویّاً عن الزواج.
هذا ولعل هناک سبباً أو أسباباً أخرى وراء ذلک لم ندرکها، وکم ذکرنا أن الأمر شأن خاص قد أرید إخفاء سرّه عن الناس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱- سوره إبراهیم: ۳۷٫
۲- تفسیر نور الثقلین: ج۲، ص۵۵۱٫
۳- الروضه من الکافی، الحدیث ۴۸۵، ص۳۱۱-۳۱۲٫
۴- الإرشاد: ج۲، ص۶۷٫
۵- بحار الأنوار: ج۴۰، ص۲۶٫
۶- بحار الأنوار: ج۴۰، ص۲۶٫
۷- بحار الأنوار: ج۴۰، ص۲۷٫
۸- سوره إبراهیم: ۳۷٫
۹- تفسیر نور الثقلین: ج۲، ص۵۵۱٫
۱۰- تاریخ قم (فارسی)، ص۲۱۵، وبحار الأنوار: ج۶۰، ص۲۱۶-۲۱۷٫
۱۱- بحار الأنوار: ج۶۰، ص۲۲۸٫
۱۲- بحار الأنوار: ج۱۰۲، ص۲۶۵٫
۱۳- عیون أخبار الرضا: ج۲، ص۳۶۷٫
۱۴- منتهى الآمال: ج۲، ص۳۸۰٫
۱۵- منتهى الآمال: ج۲، ص۳۸۰-۳۸۱٫
۱۶- معجم رجال الحدیث: ج۱۰، ص۱۳۳٫
۱۷- معجم رجال الحدیث: ج۱۳، ص۲۴۲-۲۵۲٫
۱۸- بحار الأنوار: ج۲۹، ص۱۸۳-۲۱۳٫
۱۹- حیاه الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام): ج۲، ص۷۵-۸۱٫
۲۰- حیاه الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام): ج۲، ص۲۶-۵۴٫
۲۱- عیون أخبار الرضا: ج۱، ص۹۲٫
۲۲- بحار الأنوار: ج۴۸، ص۱۴۴٫
۲۳- حیاه الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام): ج۲، ص۴۵۷٫
۲۴- عیون أخبار الرضا: ج۱، ص۹۱٫
۲۵- الأصول من الکافی: ج۱، باب الإشاره والنص على أبی الحسن الرضا (علیه السلام)، الحدیث ۱۵، ص۳۱۶-۳۱۷٫
۲۶- الأصول من الکافی: ج۱، باب الإشاره على أبی الحسن الرضا (علیه السلام)، الحدیث، ۱۴، ص۳۱۵٫
۲۷- تاریخ الیعقوبی: ج۲، ص۴۱۵٫
۲۸- جواهر الکلام: ج۳۰، ص۹۲-۱۱۶٫
۲۹- من لا یحضره الفقیه: ج۳، کتاب النکاح، باب الأکفّاء، الحدیث ۵، ص۲۴۹٫
۳۰- جواهر الکلام: ج۳۰، ص۱۰۶-۱۰۷٫
۳۱- الفروع من الکافی: ج۵، کتاب النکاح، باب نوادر، الحدیث ۵۴، ص۵۶۸٫
۳۲- بحار الأنوار: ج۴۳، ص۱۰۷٫
۳۳- تاریخ الطبری: ج۸، ص۱۰۴-۱۰۵٫
۳۴- مقاتل الطالبیین، ص۴۰۸-۴۱۲٫
۳۵- مقاتل الطالبیین، ص۴۲۲ وص۴۲۷٫
۳۶- حیاه الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام): ج۱، ص۴۵۷٫
۳۷- سر السلسله العلویه، ص۱۴-۱۵٫
۳۸- تاریخ الطبری: ج۸، ص۱۹۸-۲۰۰، والکامل فی التاریخ: ج۶، ص۹۳٫
۳۹- حیاه الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام): ج۲، ص۷۴-۷۵٫
۴۰- عیون أخبار الرضا: ج۱، ص۱۰۸-۱۱۱٫
۴۱- عیون أخبار الرضا: ج۱، ص۱۱۱٫
۴۲- تاریخ قم، ص۲۲۱، ومنتهى الآمال: ج۲، ص۲۸۰-۲۸۱٫
۴۳- معجم رجال الحدیث: ج۱۵، ص۲۹۴-۲۹۵٫
۴۴- معجم رجال الحدیث: ج۲۰، ص۳۰۱-۳۰۶٫