علمُ الإمام حال الغَیْبه بما یجری وطرق ذلک

0

قلنا: ما المتعلِّل بالباطل إلاّ مَنْ لا ینصف من نفسه، ولا یلحظ ما علیه کما یلحظ ماله!
فأمّا معرفه الإمام بوقوع القبائح من بعض أولیائه فقد یکون من کلّ الوجوه التی یعلم وقوع ذلک منهم، وهو ظاهرٌ نافذُ الأمر باسطُ الید.
[ مشاهدته للأُمور بنفسه علیه السلام]
فمنها: أنّه قد یجوز أن یشاهد ذلک فیعرفه بنفسه، وحال الظهور فی هذا الوجه کحال الغَیْبه، بل حال الغَیْبه فیه أقوى:
لأنّ الإمام إذا لم تُعرف عینُه ویُمیّز شخصه، کان التحرّز ـ من مشاهدته لنا على بعض القبیح ـ أضیق وأبعد، ومع المعرفه له بعینه یکون التحرّز أوسع وأسهل، ومعلومٌ لکّل عاقل الفرق بین الأمرین:
لأنّا إذا لم نعرفه جوّزنا فی کلّ من نراه ـ ولا نعرف نسبه ـ أنّه هو، حتى أنّا لا نأمن أن یکون بعض جیراننا أو أو أضیافنا أو الداخلین والخارجین ألینا، وکلّ ذلک مرتفع مع المعرفه والتمییز.
وإذا شاهد الإمامُ منّا قبیحاً یوجب تأدیباً وتقویماً، أدّب علیه وقَوَّمَ، ولم یحتج إلى إقرار وبیّنه؛ لأنّهما یقتضیان غلبه الظنّ، والعلم أقوى من الظنّ.
[ قیام البیّنه عنده علیه السلام]
ومن الوجوه أیضاً: البیّنه، والغَیْبهُ ـ أیضاً ـ لا تمنع من استماعها والعمل بها:
لأنه یجوز أن یظهر على بعض الفواحش ـ من أحد شیعته ـ العددُ
الذی تقوم به الشهادهُ علیها، ویکون هؤلاء العدد ممّن یلقى الإمام ویظهر له ـ فقد قلنا: إنّا لا نمنع من ذلک، وإن کنّا لا نوجبه ـ فإذا شهدوا عنده بها، ورأى إقامهَ حدّها: تولاّه بنفسه أو بأعوانه، فلا مانع له من ذلک، ولا وجه یوجب تعذره.
فأن قیل: ربّما لم یکن مَنْ شاهدَ هذه الفاحشه ممّن یلقى الإمامَ، فلا یقدر على إقامه الشهاده؟
قلنا: نحن فی بیان الطرق الممکنه المقدَّره فی هذا الباب، لا فی وجوب حصولها، وإذا کان ما ذکرناه ممکناً فقد وجب الخوف والتحرّز، وتمّ اللطف.
على أنّ هذا بعینه قائم مع ظهور الإمام وتمکّنه:
لأنّ الفاحشه یجوز ـ أولاً ـ أن لا یشاهدها مَنْ یشهد بها، ثمّ یجوز أن یشاهدها مَنْ لا عداله له فلا یشهد، وإنْ شهدَ لم تُقبل شهادتُه، وإنْ شاهدها مِن العدول مَنْ تُقبل مثلُ شهادتِه یجوز أن لا یختار الشهاده.
وکأنّنا نقدر على أن نحصی الوجوه التی تسقط معها إقامه الحدود!
ومع ذلک کلّه فالرهبه قائمه، والحذر ثابت، ویکفی التجویز دون القطع.
 [ الإقرار عند الإمام]
فأمّا الإقرار: فیمکن أیضاً مع الغَیْبه؛ لأنّ بعض الأولیاء ـ الّذین ربّما ظهر لهم الإمام ـ قد یجوز أن یواقع فاحشه فیتوب منها، ویؤْثر التطهیر له بالحدّ الواجب فیها، فیقرّ بها عنده.
فقد صارت الوجوه التی تکون مع الظهور ثابتهً فی حال الغَیْبه.
 [ احتمال بُعد الإمام وقربه]
فإن قیل: ألیس ما أحد(۱) من شیعته إلاّ وهو یجوِّز أن یکون الإمام بعید الدار منه، وأنّه یحلّ إمّا المشرق أو المغرب، فهو آمن من مشاهدته له على معصیته، أو أن یشهد بها علیه شاهدٌ(۲)، وهذا لا یلزم مع ظهور الإمام والعلم ببعد داره؛ لأنّه لا یبعد من بلد إلاّ ویستخلف فیه من یقوم مقامه ممّن یُرهب ویُخشى ویُتقى انتقامُه؟!
قلنا: کما لا أحد من شیعته (إلاّ وهو یجوِّز بُعد محلّ الإمام عنه، فکذلک لا أحد منهم)(۳) إلاّ وهو یجوِّز کونه فی بلده وقریباً من داره وجواره، والتجویز کافٍ فی وقوع الحذر وعدم الأمان.
وبعد، فمع(۴) ظهور الإمام وانبساط یده، ونفوذ أمره فی جمیع الأُمّه، لا أحد من مرتکبی القبائح(۵) إلاّ وهو یجوِّز خفاء ذلک على الإمام ولا یتّصل به، ومع هذا فالرهبه قائمه، واللطف بالإمام ثابت.
فکیف ینسى هذا مَنْ یلزمنا بمثله مع الغَیْبه؟!
ـــــــــــ
(۱) کان فی «أ»: ألیس لأحد. وفی «ج»: ألیس أحد.
(۲) فی «أ» و «ج»: شاهد علیه.
(۳) ما بین القوسین سقط من «ج».
(۴) فی «م»: ومع.
(۵) فی «ج»: القبیح.
أمکان استخلاف الإمام لغیره فی الغَیْبه والظهور
فأمّا ما مضى فی السؤال من: أنّ الإمام إذا کان ظاهراً متمیزّاً وغاب عن بلدٍ، فلن یغیب عنه إلاّ بعد أن ستخلف عیله مَنْ یُرْهَبَ کرهبته؟
فقد ثبت أنّ التجویز ـ فی حال الغَیْبه ـ لإنْ یکون قریب الدار منّا، مخالطاً لنا، کافٍ فی قیام الهیبه تمام الرهبه.
لکنّنا ننزل على هذا الحکم فنقول(۱): ومن الذی یمنع مَن قال بغِیْبه الإمام (من مثل ذلک، فنقول: إنّ الإمام)(۲) لا یبعد فی أطراف الأرض إلاّ بعد أن یستخلف من أصحابه وأعوانه، فلا بُدّ من أن یکون له، وفی صحبته، أعوان وأصحاب على کلّ بلد یبعد عنه مَنْ یقوم مقامه فی مراعاه ما یجری من شیعته، فإنْ جرى ما یوجب تقویماً ویقتضی تأدیباً تولاّه هذا المستخلف کما یتولاّه الإمام بفسه.
فإذا قیل: وکیف یطاع هذا المستخلف؟! ومِن أین یَعلم الولیّ الذی یرید تأدبیه أنّه خلیفه الإمام؟!
قلنا: بمعجزٍ یظهره الله تعالى على یده، فالمعجزات على مذاهبنا تظهر على أیدی الصالحین فضلاً عمّن یستخلفه الإمامُ ویقیمه مقامه.
فإن قیل: إنّما یرهب خلیفه الإمام مع بُعْد الإمام إذا عرفناه ومیّزناه!
ــــــــ
(۱) سقطت الجمله التالیه من «م» لغایه کلمه «فنقول» التالیه.
(۲) ما بین القوسین سقط من «أ».
قیل: قد مضى مِن هذا الزمان(۱) ما فیه کفایه.
وإذا کنّا نقطع على وجود الإمام فی الزمان ومراعاته لأمورنا، فحاله عندنا منقسمه إلى أمرین، لا ثالث لهما:
أمّا أن یکون معنا فی بلد واحد، فیراعی أُمورنا بنفسه، ولا یحتاج إلى غیره.
أو بعیداً عنّا، فلیس یجوز ـ مع حکمته ـ أن یبعد إلاّ بعد أن یستخلف مَنْ یقوم مقامه، کما یجب أن یفعل لو کان ظاهر العین متمیّز الشخص.
وهذه غایه لا شبهه بعدها.
ــــــــــ
(۱) کلمه «الزمان» لیس فی «أ».

Leave A Reply

Your email address will not be published.