الشیعه والولایه التکوینیه
وتحل إرادته بدیله عن إراده المؤمن أی أن المؤمن إذا أراد أن ینجز عملاً ومنعه رسول الله (صلى الله علیه وآله) أو إذ لم یرد وأمره فیجب علیه أن یقدم أمر الرسول على إرادته وخیرته، ویطبق أوامره سواء فی الحرب أو فی السلم، وسواء فی أخذ المال وإعطائه وسواء فی النکاح أو الطلاق أو الجلاء عن الوطن أو کسب الرزق أو سائر الشؤون الحیاتیه ولازم ذلک أن للنبی (صلى الله علیه وآله) والأئمه (علیهم السلام) حق الطاعه على العباد.
وحق طاعتهم على العباد تنقسم إلى قسمین:
الأول: تنفیذ أوامرهم الشرعیه الراجعه إلى التبلیغ والسیر إلیه تعالى.
الثانی: وجوب إطاعه أوامرهم الشخصیه.
أما الأول: فلا شک فی وجوب إطاعتهم فی الأحکام الراجعه إلى التبلیغ إذ بعد العلم بأن الأحکام الإلهیه لا تصل إلى کل أحد بلا واسطه وأن النبی (صلى الله علیه وآله) صادق فی أخباره عن الله تعالى.
فلا مناص من وجوب إطاعته وحرمه معصیته وجوباً شرعیاً.
وأما الثانی: أیضاً لا خلاف فی وجوب إطاعه أوامرهم الشخصیه التی ترجع إلى جهات شخصهم کوجوب إطاعه الولد للوالد. ویُستدل على وجوب الإطاعتین بمجموعه من غیر اعتراض.
فمنها: قوله تعالى: (النبی أولى بالمؤمنین من أنفسهم)(۱) فتجب إطاعته علیهم من غیر اعتراض.
ومنها: قوله تعالى: (وما آتاکم الرسول فخذوه ومن نهاکم عنه فانتهوا)(۲).
أوجبت الآیه إطاعه النبی (صلى الله علیه وآله) أمراً ونهیاً، لأن قول الرسول (صلى الله علیه وآله) وحی من الله تعالى.. (وما ینطق عن الهوى إن هو إلا وحیٌ یوحى)(۳).
ومنها: قوله تعالى: (یا أیها الذین آمنوا أطیعوا الله وأطیعوا الرسول وأولی الأمر منکم)(۴)، فقد أوجب سبحانه وتعالى فیها إطاعته وإطاعه رسوله وإطاعه أولی الأمر، وألوا الأمر هم الأئمه من آل بیت الرساله.
ومنها: قوله تعالى: (إنما ولیکم الله ورسوله والذین آمنوا الذین یقیمون الصلاه ویؤتون الزکاه وهم راکعون)(۵)، والمراد بولایه الله والرسول التصرف فی شؤون المسلمین، ثم الولایه التی لله والرسول ثابته أیضاً لمن جمع بین الوصفین أی الزکاه والرکوع وهو علی بن أبی طالب (علیه السلام) فکما أن الله تجب إطاعته کذلک الرسول والإمام.
ومنها: قوله تعالى: (وما کان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن یکون لهم الخیره من أمرهم)(۶).
فهذه الآیات تثبت وجوب طاعتهم وشمول ولایتهم على الأموال حیث دلالتها على الولایه ظاهره سواء فی الأمور المتعلقه بالأحکام الشرعیه أم بأمورهم الشخصیه، لا سیما بقوله تعالى: (وما کان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن یکون لهم الخیره من أمرهم)(۷) أی فلیس لهم الخیره من أمرهم إذ حکمهم (علیهم السلام) ولو بما یرجع إلى شخصیتهم تجب إطاعته والأخذ به، خصوصاً عند ملاحظه موردها حیث نزلت هذه الآیه حین خطب النبی (صلى الله علیه وآله) بنت جحش لمولاه زید ابن حارثه فکرهت ذلک لأن زیداً لیس لها بکفؤ، والمعنى أن هذا الزواج بأمر الله ورسوله (صلى الله علیه وآله)، ولا إراده لأحد من المؤمنین فی قبال الرسول (صلى الله علیه وآله) واردته، وهذا هو معنى الولایه.
قصه زینب بنت جحش:
ومن الحقول التی طبقت فیها الولایه التشریعیه لرسول الله (صلى الله علیه وآله) قصه زینب، فقد زوجها رسول الله (صلى الله علیه وآله) بأمره الولائی من غلامه ودعیه زید بن حارثه وبعد أن طلقها زید، تزوجها رسول الله (صلى الله علیه وآله) بأمره الولائی أیضاً.
توضح ذلک: أن زینب وهی بنت عمه النبی (صلى الله علیه وآله)، وأمها أمیمه بنت عبد المطلب، وکانت قد تزوجت رجلاً اسمه جحش فأنجت منه بنتاً تدعى زینب، فزینب بنت جحش هی بنت أمیمه بنت عبد المطلب وبنت عمه رسول الله (صلى الله علیه وآله).
وکان زید بن حارثه غلام رسول الله، واعتقه النبی (صلى الله علیه وآله) وسماه بعد عقته ابنه وکانت قضیه الابن بالتبنی معروفه ومشهوره ومتداوله بین الناس آنذاک، وکان العرب قبل الإسلام یعتبرون الابن بالتبنی وهو الدعی ابناً حقیقیاً فی الأحکام أی یجرون أحکام الابن الحقیقی على الابن الدعی حتى فی استحقاق الإرث وحرمه النسب، ومن المتفق علیه عند العقلاء الأخیار منهم والأشرار أن العادات الموروثه عن الآباء والأجداد هی بمنزله القانون والدیانه لا یجوز لأحد أن یخالفها کائناً من کان فکان الابن بالتبنی عندهم کالابن الحقیقی وإذا کانت بناً هی کالبنت الحقیقه.
ولذلک فإنهم عندما یزوّجونه، فقد کانوا یعتبرون زوجته الابن الحقیقی شملها أحکام المحارم وإذا ما طلق الدعی زوجته، فإنهم کانوا لا یتزوجونها، وذلک لأنهم کانوا یعتقدون أنها زوجه ابنهم ولها حرمه مؤبده، هذا من جهه.
ومن جهه أخرى کان الحیاه الجاهلیه أی الاعتقاد بأن الفضل والشرف إنما هو بالمال والعشیره والقوم والقبیله کانت شائعه بین العرب.
فکانت المرأه التی ذات النفوذ والشخصیه فیم تأتی الزواج من عبد معتق لیس له شأن من حیث الحسب والنسب، وکان الکبار یزوجون بناتهم لأشخاص معروفین من أهل البیوتات ومن ذوی القبائل والعشائر وممن لهم مکانه ومنزله فی المجتمع، ویرون تزویجهن للفقراء والعبید المعتقین أکبر عار علیهم وکانوا یؤثرون الموت أو تطلیق بناتهم على مثل هذا الزواج. وشاءت حکمته تعالى أن یلغی هذه العاده وینهى عنها بالفعل لا بالقول.
وکان رسول الله ً(صلى الله علیه وآله) مکلفاً من ربه أن ینسف هذه الأحکام الجاهلیه نسفاً. فعلیه أن یعلن للناس أولاً بأن شرف المؤمن بالأیمان والتقوى لا بالمال والحسب والنسب، ولذلک فکل مسلم فقیر، حتى لو کان عبداً معتقاً، له الحق أن یتزوج من بنات المتنفذین والوجهاء، وکذلک یمکن لبنات المتنفذین والوجهاء الزواج من المؤمنین الفقراء.
فالتکافؤ فی الزواج واختیار الزوج والزوجه هو الإیمان والتقوى لا التکافؤ فی المال والاعتبار والعشیره والقوم والقبیله.
وأن یعلن للناس ثانیاً بأن الابن بالتبنی لیس ابناً حقیقیاً، وأن التبنی لا یترتب علیه أی أثر من آثار النسب فالدعی لیس ابناً والدعیه لیست بنتاً، وإن الدعی لا یرث ولا یورث، وهو لیس محرماً، والبنت الدعیه لیست محرماً والابن الدعی لیس محرماً بالنسبه إلى زوجه الإنسان وزوجته لا تکون محرماً بالنسبه إلیه. فإن طلق الابن الدعی زوجته فللإنسان أن یتزوجها بعده، لأنها امرأه أجنبیه لکل ما للکلمه من معنى، وهی لیست من المحارم، یقول تعالى: (وما جعل أدعیاءکم أبناء ذلکم قولکم بأفواهکم والله یقول الحق وهو یهدی السبیل)(۸).
وعندما أراد النبی (صلى الله علیه وآله) أن یطبق الأمر الأول وهو التزاوج بین الأشراف والضعفاء فإنه أراد أن یطبقه على عشیرته الأقربین فذهب عند زینب بنت جحش ـ بنت عمته ـ وخطبها لزید بن حارثه غلامه ودعیه الذی کان بالأمس عبداً مملوکاً لا یقدر على شیء وهو یتزوج فعلاً من امرأه لها شأنها نسباً وجمالاً ولا یطمع فی أمثالها إلا الساده الأشراف.
ولکن عز على زینب بنت جحش کما جاء فی (تفسیر الدر المنثور): أخرج ابن جریر عن ابن عباس قال: خطب رسول الله (صلى الله علیه وآله) زینب بنت جحش لزید بن حارثه، فاستنکف منه وقالت: أنا خیر منه حسباً. فأنزل الله تعالى: (وما کان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن یکون لهم الخیره من أمرهم من ویعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبیناً)(۹).
وفی ضوء الأمر الولائی لرسول الله (صلى الله علیه وآله) قبلت زینب بالزواج من زید وأصبحت زوجه له، غیر أن هذا الزواج لم یکن مقروناً بالهدوء والسکینه، إذ کانت زینب ترى فی نفسها الشرف والعظمه وترى زوجها غلاماً معتوقاً لأبن خالها محمد (صلى الله علیه وآله) إلى أن تفاقم الوضع وتأزمت الحیاه حتى بلغ الأمر درجه نفذ صبر زید وشرع بالتعب وجاء إلى رسول الله (صلى الله علیه وآله) وقال له: لا طاقه لی على العیش مع زینب فأذن لی بطلاقها.
فأذن له النبی (صلى الله علیه وآله)، وطلقها.
وهنا کلف النبی (صلى الله علیه وآله) أن یطبق الحکم الثانی وهو إلغاء الآثار المترتبه على التبنی، فبدأ بنفسه فی المرحله الأولى إذ أُمر بزواج زینب امرأه دعیه لیضع للناس عملیاً أن زوجه الدعی لیست من المحارم وأن زواجها لیس فیه إشکال.
تزوج رسول الله (صلى الله علیه وآله) زینب بأمر الله مع خشیته الناس، وذلک رفعاً لهذه البدعه الجاهلیه. وقد نُفذ هذا الحکم بحمد الله ولم تعد الآثار الابن الحقیقی مترتبه على الابن بالتبنی.
أما الروایات الداله على الولایه التشریعیه فهی فوق حد الإحصاء ونکتفی بالإشاره إلى ( الزیاره الجامعه) المرویه بسند صحیح.
وقول النبی (صلى الله علیه وآله) فی غدیر خم: (من کنت مولاه فهذا علی مولاه)، والمراد من المولى هو الأولى بالتصرف، والحاصل أنه لا شبهه فی ولایتهم واستقلالهم فی التصرف بأموال الناس وأنفسهم فتوهم کون السیره على خلاف ذلک، وأن الأئمه لم یأخذوا أموال الناس بغیر المعاملات المتعارفه بینهم فلا یجوز ذلک للسیره فاسد، وذلک من جهه أن غیر أمیر المؤمنین (علیه السلام) لم یکن متمکناً من العمل بقوانین الإمامه، بل کانوا تحت أستار التقیه بل أمیر المؤمنین أیضاً فی کثیر من الموارد لم یفعل ذلک لأجل المصلحه وعدم الاحتیاج إلى مال الناس، فلا یکشف عدم الفعل على عدم الولایه فمقتضى ولایتهم التشریعیه هو وجوب إطاعتهم.
أما الولایه التکوینیه فهی عباره عن تسخیر الکائنات الإمکانیه تحت إراده أولیاء الله تعالى ومشیئتهم بحیث تصیر فی طاعتهم واختیارهم وینفذ أمرهم فیها وکن بحول الله وقوته وإذنه بأن تکون ولایتهم على الکون طولیه لا عرضیه بمعنى أن ولایتهم مستمده من ولایته عز وجل، فما المانع أن تکون ولایه النبی (صلى الله علیه وآله) والأئمه إلى الکون ما دامت بإذن الله تعالى وجعله.
ونکتفی بذکر مجموعه من الآیات التی تدل على الولایه التکوینیه للأنبیاء والأوصیاء. فنقول: أنه قد تحدثت آیات الکتاب العزیز عن عده أنبیاء بأن لدیهم قدره الولایه التکوینیه کإبراهیم وموسى وداود وسلیمان وعیسى (علیهم السلام) وغیرهم.
قال تعالى: (وإذ قال إبراهیم رب ارنی کیف تحیی الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولکن لیطمئن قلبی قال فاتخذ أربعه من الطیر فصرهن إلیک ثم اجعل على کل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن یأتینک سعیاً واعلم أن الله عزیز حکیم)(۱۰). فطلب إبراهیم (علیه السلام) من الله سبحانه أن یریه إحیاء الموتى کان لزیاده إیمانه فقط.
وقوله تعالى: حاکیاً عن النبی موسى (علیه السلام): (ولقد أوحینا إلى موسى أن أسر بعبادی فاضرب لهم طریقاً فی البحر یبساً لا تخاف درکاً ولا تخشى)(۱۱).
وقوله تعالى: (وترک البحر رهواً إنهم جندٌ مغرقون)(۱۲).
وقوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاک الحجر فانفجرت منه اثنتا عشره عیناً قد علم کل أناس مشربهم)(۱۳).
وقوله تعالى: (وأوحیا إلى موسى أن ألقى عصاک فإذا هی تلقف ما یأفکون)(۱۴).
وهذه معاجز صدرت من موسى (علیه السلام) فلو لم تکن له ولایه على هذه الأشیاء لما انقلبت العصا إلى حیه ولما تفجر من الصخر الماء، ولما اشنق البحر إلى قطع بینها یسلکها بنی إسرائیل إلى جانب الآخر وهم آمنون على أنفسهم من الغرق.
وأما داود (علیه السلام) فقد سخر سبحانه له الطیر والجبال یسبحن معه والریاح ولین له الحدید بدلیل الآیات التالیه: (وسخرنا مع داود الجبال یسبحن والطیر وکنا فاعلین)(۱۵). وقال تعالى: (فسخرنا له الریح تجری بأمره رخاء حیث أصاب)(۱۶). وقال تعالى: (یا جبال أوبی معه والطیر وألنّا له الحدید)(۱۷).
فالمستفاد من هذه الآیات أن الله سبحانه أعطى داود تلک الولایه التکوینیه بحیث إذا أراد داود (علیه السلام) فی أی ساعه تسخیر الریاح لجرت بأمره، ولا یرید إلا ما أراده وتسخیر الکائنات لداود (علیه السلام) لم یکن حاله استثنائیه تفرد بها داود، بل هی عامه تشمل الأنبیاء والأوصیاء (علیهم السلام).
ولیس داود أفضل من النبی محمد (صلى الله علیه وآله) وعترته الطاهره حتى یسخر له ما لم یسخر للنبی وعترته (علیهم السلام).
فالثابت عند الفریقین أن النبی (صلى الله علیه وآله) أفضل من الأنبیاء والمرسلین على الإطلاق فإذا ثبت تسخیر الکائنات إلى ما دونه بالفضیله ثبت بطریق أولى إلى نبینا وعترته الطاهره، وقد أعطى النبی وعترته أکثر مما أعطی آل داود من المعاجز والهیمنه المطلقه على الأشیاء.
وقد ورد بسند صحیح عن هارون بن موفق مولى أبی الحسن (علیه السلام) قال: قال أبو الحسن (علیه السلام) فی حدیث طویل: (لم یعط داود وآل داود شیء إلا وقد أعطی محمد وآل محمد أکثر)(۱۸).
وأما النبی سلیمان (علیه السلام) فقد ورد فی مجموعه من الآیات تسخیر الکائنات له. قال تعالى: (ولسلیمان الریح عاصفه تجری بأمره إلى الأرض التی بارکنا فیها وکنا بکل شیء عالمین)(۱۹). وقال تعالى: (وورث سلیمان داود وقال یا أیها الناس علمنا منطق الطیر وأوتینا من کل شیء إن هذا لهو الفضل المبین، وحشر لسلیمان جنوده من الجن والإنس والطیر فهم یوزعون)(۲۰). وقال تعالى: (فسخرنا له الریح تجری بأمره رخاءً حیث أصاب والشیاطین کل بناء وغواص وآخرین مقرنین فی الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو امسک بغیر حساب)(۲۱).
فمفاد هذه الآیات أن الله سخر لسلیمان (علیه السلام) الجن والطیر والریح، کما أن أباه داود (علیه السلام) سخرت له الجبال والطیر وهذه المعاجز هی نوع من إظهار الولایه التکوینیه فمجموع هذه المعاجز هی عباره عن إظهار سلطه الأنبیاء والأولیاء على هذا الکون مما یزید فی تثبیت عقائد المؤمنین بهم وزیاده إیمانهم وقوه یقینهم.
وأما النبی عیسى (علیه السلام) قد تحدثت الآیات عنه وما تمیز به هذه النبی الکریم من إحیاء الموتى وخلق الطیر و… قال تعالى: (إذ قال الله یا عیسى ابن مریم اذکر نعمتی علیک وعلى والدتک إذ أیّدتک بروح القدس تکلم الناس فی المهد وکهلاً وإذ علمتک الکتاب والحکمه والتوراه والإنجیل وإذ تخلق من الطین کهیئه الطیر بإذنی فتنفخ فیها فتکون طیرا بإذنی وتبرئ الأکمه والأبرص بإذنی وإذ تخرج الموتى بإذنی)(۲۲).
وقال تعالى: (ورسولاً إلى بنی إسرائیل أنی قد جئتکم بآیه من ربکم أنی أخلق لکم من الطین کهیئه الطیر فأنفخ فیه فیکون طیراً بإذن الله وأُبرئ الأکمه والأبرص وأحیی الموتى بإذن الله وأنبئکم بما تأکلون وما تدخرون فی بیوتکم إن فی ذلک لآیه لکم إن کنتم مؤمنین)(۲۳).
ولقد أتى عیسى (علیه السلام) بأربع حالات یعجز عنها البشر مهما أوتوا من قوه العلم هی:
۱- خلق الطیر من الطین ومن دون تناسل.
۲- نفخ الروح فی الطیر المصنوع من طین.
۳- إبراء الأکمه والأبرص.
۴- إحیاء الموتى.
وهذه الأمور وإن کانت من المستحیلات عاده لکنه سبحانه فوضها إلى بعض عباده تشریفاً وتعظیماً لهم لطاعتهم له عز وجل فسمح لهم أن یتدخلوا فی عالم الخلق والتکوین وأن یحدثوا ما یعتبر خارقاً لقوانین الطبیعه ثم استعمال أفعال مثل أبرئ وأحی بصیغه المتکلم یدل على أن هذه الأفعال من عمل الأنبیاء أنفسهم، بل ظاهر الآیات تدل على أنهم یتصرفون بعوالم التکوین ویقومون بتلک الأفعال بمحض إرادتهم التی هی فی طول إراده الله سبحانه وإنهم کانوا یخلقون بإذن الله تعالى، لأن عملیه الخلق استقلالاً هی من مختصات الباری عز وجل.
ومن الآیات التی تدل على الولایه التکوینیه قوله تعالى: (قال الذی عنده علمٌ من الکتاب أنا آتیک به قبل أن یرتد إلیک طرفک)(۲۴)، فمن کان یمتلک بعضاً من علم الکتاب کآصف بن برخیا کان قادراً على جلب عرش بلقیس بأقل من طرفه عین فما بالک بمن عنده کل علم الکتاب کعلی بن أبی طالب (علیه السلام) فهو بطریق أولى قادر على التصرف التام فی عالم العناصر والأجساد، فیمکن ببعض الأسماء الإلهیه أن تیسر الجبال وتقطع الأرض ویکلم به الموتى، کما قال الله تعالى: (ولو أن قرآناً سیرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو کلم به الموتى)(۲۵).
وفی الروایات الوارده عن طریق أهل البیت (علیهم السلام) أن آیه: (قل کفى بالله شهیداً بینی وبینکم ومن عنده علم الکتاب)(۲۶) نزلت فی علی بن أبی طالب (علیه السلام).
وفی صحیحه عبد الله بن أحمد بن نهیک عن الحسن بن موسى عن عبد الرحمن بن أبی نجران عن المثنى قال: سألته عن قول الله عز وجل: (ومن عنده علم الکتاب).
قال: نزلت فی علی (علیه السلام) عالم هذه الأمه بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله). وفی روایه أخرى نزلت فی علی (علیه السلام) بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله) وفی الأئمه بعده(۲۷).
وفی صحیحه أحمد بن محمد بن عیسى عن الحسین بن سعید عن أحمد بن حمزه عن أبان بن عثمان عن أبی مریم قال: قلت لأبی جعفر (علیه السلام): هذا ابن عبد الله بن سلام یزعم أن أباه الذی یقول الله: (قل کفى بالله شهیداً بینی وبینکم ومن عنده علم الکتاب)(۲۸). قال کذب ذاک علی بن أبی طالب (علیه السلام)(۲۹).
وترکنا ذکر الروایات الداله على الولایه التکوینیه للأئمه (علیهم السلام) لأحد سببین:
الأول: رعایه للاختصار.
الثانی: أن أهل السنه یرفضون الروایات الوارده من طریق أهل البیت (علیهم السلام).
وکیف کان فقد ثبت مما ذکرناه أن الولایه التکوینیه من لوازم مقام النبوه والإمامه، فاتهام الشیعه بأنهم یعتقدون بالولایه التکوینیه للأئمه من آل البیت لیس إلا تضلیلاً إعلامیا ضدهم، إذ لیس مرادهم من الولایه التکوینیه ولایه تفویضیه من الله إلى الأئمه (علیهم السلام)، بمعنى أن الله قد فوض أمر الکون إلیهم بعد خلقه، بل مرادهم منها أنهم یتصرفون بعوالم التکوین بإذن الله سبحانه.
بقی الکلام فیما یقوله بعض من فرض على نفسه التشکیک فی عقائد الناس من أنه لو کانت للمعصوم ولایه تکوینیه فلماذا لم یستخدمها ویدفع عن نفسه الضرر.
فنقول فی جوابه: إن عدم استعمال المعصوم (علیه السلام) للولایه التکوینیه لیدفع عن نفسه الضرر لیس دلیلاً على عدم وجودها فیه إذ لا ملازمه بین وجود الولایه وبین استخدامها فی جلب الخیر لنفسه، ودفع الشر عنه وإلا أی لو کان هناک ملازمه عقلیه فی ذلک لکان على الله تعالى أن یستخدم ولایته التکوینیه على من اعتدى على ساحه قدسه وکبریاء جلاله.
ــــــــــــــــــ
۱- سوره الأحزاب: الآیه ۶٫
۲- سوره الحشر: الآیه ۷٫
۳- سوره النجم: الآیه ۴٫
۴- سوره النساء: الآیه ۵۹٫
۵- سوره المائده: الآیه ۵۵٫
۶- سوره الأحزاب: الآیه ۳۶٫
۷- سوره الأحزاب: الآیه ۳۶٫
۸- سوره الأحزاب: الآیه ۴٫
۹- سوره الأحزاب: الآیه ۳۶٫
۱۰- سوره البقره: الآیه ۲۶۰٫
۱۱- سوره طه: الآیه ۷۷٫
۱۲- سوره البقره: الآیه ۲۴٫
۱۳- سوره البقره: الآیه ۶۰٫
۱۴- سوره الأعراف: الآیه ۱۱۷٫
۱۵- سوره الأنبیاء: الآیه ۷۹٫
۱۶- سوره ص: الآیه ۳۶٫
۱۷- سوره سبأ: الآیه ۱۰٫
۱۸- الاختصاص: تألیف الشیخ المفید: (ص۲۹۹).
۱۹- سوره الأنبیاء: الآیه ۸۱٫
۲۰- سوره النمل: الآیتان ۱۶-۱۷٫
۲۱- سوره ص: الآیه ۳۶-۳۹٫
۲۲- سوره المائده: الآیه ۱۱۱٫
۲۳- سوره آل عمران: الآیه ۴۹٫
۲۴- سوره النمل: الآیه ۴۰٫
۲۵- سوره الرعد: الآیه ۳۱٫
۲۶- سوره الرعد: الآیه ۴۳٫
۲۷- بصائر الدرجات: ص۲۳۴٫
۲۸- سوره الرعد: الآیه ۴۳٫
۲۹- بصائر الدرجات: ص۲۳۵٫