صور من معارک صفّین

0

فهذا قائد أموی کان یعدُّه معاویهُ وَلَدَهُ ، واسمه عبد الرحمن بن خالد ، یبارز قیاده جیش الإمام المتمثله فی تلک المعرکه بعدی بن حاتم ویرتجز قائلاً :

 

قل لعدی ذهب الوعیدُ     أنا ابن سیف الله لا مزیدُ

 

وخالد یزینه الولیدُ      فما لنا ولا لهم محیدُ

عن یومنا ویومکم فعودوا
   إنک تراه کیف یفتخر بنسبه حتى تعود إلى أذهاننا ذکریات الجاهلیه حیث کان الشخص یفتخر بآبائه وعشیرته.

 

  و لکن عدی بن حاتم – بالرغم من مفاخره العظیمه – یذکر فی رجزه الحربی دافعه الإیمانی ویقول :

 

 

أرجو إلهی وأخاف ذنبی       ولیس شیءٌ مثل عفو ربًًَََََِِِِّی

 

 

   وقد أفصح عبید اللـه بن عمر ، وکان فی صف معاویه عن خلفیات الحرب ، وذلک حینما الْتَقى بالإمام الحسن المجتبى فی أرض المعرکه فقال :إن أباک قد وتر قریشاً أولاً وآخراً ، وقد شنأوه . فهل لک أن تخلعه ونولیک هذا الأمر ؟

   وهکذا کشف عن الأحقاد الجاهلیه التی طفحت بها قلوب قریش وهم قیادات ذلک الجیش .

 

   ولکن الإمام الحسن (علیه السلام) رده بقوه وقال : “کلا ، وأضاف :لکأنی أنظر إلیک مقتولاً فی یومک أو غدک . اما إن الشیطان قد زین لک وخدعک حتى أخرجک خلقاً بالخلوق ، ترى نساء أهل الشام موقفک ، وسیصرعک اللـه ، ویبطحک لوجهک قتیلاً “ .

 

 

    هکذا قاتل عمار بن یاسر : قام عمار بن یاسر فخطب فی القوم یحرضهم على معاویه ویکشف حقیقه المعرکه ، وخلفیاتها فقال :مضوا عباد اللـه ، إلى قوم یطلبون – فیما یزعمون – بدم عثمان ، واللـه ما أظنهم یطلبون دمه ، ولکن القوم ذاقوا الدنیا فاستحبُّوها واستمرأوها ، وعلموا لو أن الحق لزمهم لحَالَ بینهم وبین ما یرغبون فیه منها . ولم یکن للقوم سابقه فی الإسلام یستحقون لها الطاعه والولایه ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قُتل إمامنا مظلوماً ، لیکونوا بذلک جبابره وملوکاً ، وتلک مکیده قد بلغوا بها ما ترون . ولولا هی ، ما بایعهم من الناس رجلان .

 

 

 

   ثم التقى بعمرو بن العاص فقال له : یا عمرو بعت دینک بمصر ؟. تبّاً لک ، وطالما بغیت الإسلام عوجاً .

 

 

 

   ثم حمل على القوم ، وهو یرتجز بأبیات تفیض إیماناً ویقیناً ، وتعکس شخصیه عمار الجهادیه وهو یومئذ یناهز التسعین من عمره :

 

 

 

 صدق الله وهو للصدق أهلٌ    وتعالى ربِّی وکان جلیلا

 

 

 

رب عجّل شهاده لی بقتل       فی الذی قد أحُب قتلا جمیلا

 

 

 

مقبلا غیر مدبرٍ، إن للقتل      على کل میته تفضیلا

 

 

 

إنهم عند ربهم فی جنان       یشربون  الرحیق والسلسبیلا

 

 

 

من شراب الأبرار، خالطه     المسک وکأساً مزاجها زنجبیلا

 

 

 

   ثـــم قــــال : اللـهم إنک تعلم أنی لو أعلم أن رضاک أن أقذف بنفسی فی هذا البحر لَفعلت . اللـهم إنک تعلــــــم أنی لو أعلم أن أضع ظُبه سیفی فی بطنی ثم أنحنی علیها حتى یخرج من ظهــــری لَفعلت ، ولو أعلم الیـــــــــوم عملاً هو أرْضَى لک من جهاد هؤلاء الفاسقین لَفعلته (۱) .

 

 

 

   وبهذه الروح الإیمانیه المتسامیه ، حارب الصفوه من أصحاب الرسول (صلى الله علیه وآله) معاویه والمنافقین معه . لقد کانت الشهاده غایه مناهم ، وکانوا على یقین أنهم على حق . وأن عدوهم طالب ملک وباغی دنیا ..

 

 

 

   وهکذا تقدم عمار بین الصفین ونادى : أیها الناس ، الرواحَ إلى الجنــه ، فلما بصر رایه عمرو بن العاص ، قال : واللـه إن هذه الرایه قد قاتلتها ثلاث مرات ، وما هذه بأرشدهم . ثم قال :

 

 

نحن ضربناکم على تنزیله     فالیوم نضربکم على تأویله

  ثم استسقى – وقد اشتد ظمأه – فأتته امرأه بضیاح من اللبن ، فقال حین شرب الأجنه تحت الأسنه :
الیوم ألقى الأحبه     محمداً حزبه

 

   واللـه لو ضربونا حتى یبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وهم على باطل (۲) .

 

 

   هکذا تقدم الشیخ العظیم الذی التحق بمسیره الرساله منذ شبابه ، ولم یتخلف عن أیه مهمه أوکلت إلیه ، ودفعه النبی (صلى الله علیه وآله) إلى مستوى الصدیقین ، ولم تأخذه فی اللـه لومه لائم . تقدم إلى الشهاده ببصیره نافذه ، وخطى ثابته ، وهو یحمل معه صحیفته المضیئه ، ذات التسعین صفحه مشرقه ، فلما توسط المعرکه حمل علیه اثنان من المجرمین ( أبو العادیه الفزاری ، وابن جون ) فقتلاه ، فألزم اللـه بقتله الحجه على أهل الشام ، إذ قال الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله) یوماً“ : آخر شرابک من الدنیا ضیاح من لبن ، وتقتلک الفئه الباغیه “ .

 

 

 

   فلما انتشر خبر مقتله فی معسکر أهل الشام ، وکاد یؤثِّر على معنویاتهم ، قال معاویه إن علیّاً هو الذی قتله ، لأنه هو الذی أخرجه لقتالنا . ولقد کان معاویه قد استخف قومه فأطاعوه ، وهکذا کان یتعامل مع سائر النصوص الدینیه .

 

 

 

الدفاع بکل وسیله :لقد کانت معارک صفّین غریبه ، فمعاویه کان قد أعد جیشه إعداداً جیداً ، وکانت إلى جانبه القیادات العربیــــه العریقه ، والقبائل التی دخلت الإسلام بعد الفتح حامله معها رواسبها وتقالیدها وطاعتها لشیوخهــا . وقد استفاد من خبره الروم بحکم احتکاکه بحضارتهم فی الشام ، وجهّز جنوده بأفضل الأسلحه ، ومنَّاهم بالأموال التی تکدست عند الحزب الأموی ، منذ أیام الجاهلیه وتضاعفت على عهد عثمان .

 

 

 

   وفی الجانب الآخر کانت التعبئه الروحیه عند أنصار الإمام (علیه السلام) فی القمه ، فها هم أصحاب رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) وعددهم ألف وسبعمائه ، بینهم کبار المهاجرین وبقیه البدریین ، والمشترکین فی بیعه الرضوان ، یتبعهـم جیش من قراء القرآن والعُبَّاد وأصحاب البرانس ، وما نمى وتبارک من الجیل القرآنی ، ومن ورائهم القبائل العربیه التی اتَّبعت هذا الخط بدافع أو بآخر .

 

 

 

   وحین التقى الفریقان ، کانت الکفه متعادله تقریباً ، ولذلک قلما کانت المعارک حاسمه ، وأنقل إلیکم صوره معبره واحده من هذا التعادل :یقول زیاد بن نصر الذی کان فی مقدمه جیش الإمام (علیه السلام) : شهدت مع علی بصفّین ، فاقتتلنا ثلاثه أیام وثلاث لیال ، حتى تکسرت الرماح ، ونفدت السهام ، ثم صارت إلى المسایفه ، فاجتلدنا بها إلى نصف اللیل ، حتى صرنا نحن وأهل الشام فی الیوم الثالث یعانق بعضنا بعضاً . وقد قاتلت یومئد بجمیع السلاح فلم یبق شیء من السلاح إلاّ قاتلت به ، حتى تحاثینا بالتراب وتکادمنا ، حتى صرنا قیاماً ینظر بعضنا الى بعض ما یستطیع واحد من الفریقین أن ینهض إلى صاحبه ولا یقاتل .

 

 

 

  فلما کان نصف اللیل، من اللیله الثالثه انحاز معاویه وخیله من الصف، وغلب علی على القتلى، وأقبل على أصحاب محمد وأصحابه فدفنهم ، وقد قتل کثیر منهم، وقتل من أصحاب معاویه أکثر (۳) .

 

 

 

الإمام (علیه السلام) یقــود المعــارک :

 

 

 

   فی صفّین تجلَّى علی بشجاعته وبطولاته وصدق مواقفه ، لقد ذرَّف الآن على الستین ، ولقد تواردت علیه مصائب لو نزل بعضها على الجبال لانهدَّت ، ولکنه سید المتقین الذی یتعالى على قمم الجبال .

 

 

 

   مواقفه فی صفّین تعکس جانباً من تلک الروح العظیمه ، وذلک الإیمان الصادق .

 

 

 

   لقــــد أرسل الإمام (علیه السلام) إلى معاویه أنِ ابْرُزْ إِلَیَّ واعفُ الفریقین من القتال ، فأیُّنا قتلَ صاحبه کان الأمر لــــه .

 

 

 

   فانظروا إلى هذه البطوله .. إنه یستعد لافتداء المسلمین بنفسه . ولکن معاویه قال فی الجواب بالحرف الواحد : إنی أکره أن أبارز الأهوج الشجاع ، ثم نظر إلى عمرو بن العاص الذی شجعه على قبول تحدی الإمام (علیه السلام) قائلاً : لقد انصفک الرجل ، نظر إلیه وقال : لعلک طمعت فیها یا عمرو !

 

 

 

   أما عمرو بن العاص الذی کان یعتبر من دهاه العرب ، ومن القیادات العربیه العریقه فی الجاهلیه ، فقد أراد أن یأخذ الإمام (علیه السلام) على غره ، فحمل علیه الإمام ، فلما کاد یخالطه رمى بنفسه عن فرسه ورفع ثوبه وشغر برجله فبدت عورته ، فصرف علیٌّ (علیه السلام) وجهه عنه ، وقام معفراً بالتراب هارباً على رجلیه معتصماً بصفوفه فقال القوم : أفلت الرجل یا أمیر المؤمنین .. قال : وهل تدرون من هو ؟. قالوا : لا ، قال : إنه عمرو بن العاص تلقانی بعورته فصرفت وجهی عنه (۴) .

 

 

   وفی موقعه أخرى برز عروه بن داود الدمشقی إلى الإمام (علیه السلام) فضربه ضربه علویه فقدَّه نصفین وقع نصفه یمنه ونصفه یسره ، فارتج العسکر ، وخاطبه الإمام (علیه السلام) بعد مقتله قائلا : “ یــــا عروه اذهب فأخبر قومک . أَمَا والذی بعث محمداً بالحق لقد عاینتَ النار وأصبحتَ من النادمیـــــــــــــن “(5) .

   فبرز إلیه ابن عمه فألحقه الإمام (علیه السلام) بصاحبه . ومعاویه واقف على تل یبصر ویشاهد فقال : تبّاً لهذه الرجال وقبحاً . أَمَا فیهم من یقتل هذا مبارزه أو غیله أو فی اختلاط الفیلق وثوران النقع .
   فقال الولید بن عقبه : ابرز إلیه أنت ، فإنک أولى الناس بمبارزته . فقال : واللـه لقد دعانی إلى البراز حتى استحیت من قریش . واللـه إنی لا أبرز إلیه (۶) .
   وذات مره قال معاویه لجلسائه وهو یذکر نکوله عن مبارزه علی وکشف صاحبه عمرو عن سوأته للفرار عنه : “ إن الجبن والفرار من علیٍّ لا عار على أحد فیهما “ (7) .
   هکذا تجلى الإمام ببطولاته – التی صنعها فی حروب الإسلام الأولى ضد قریش وبنی أمیه بالذات – تجلى فی الوقت الذی کان أمیراً للمؤمنین ، والقائد العام للجیش الإسلامی ..
   وإننا لو أطَّلعنا على ساحه المعرکه فی صفّین ، ورأینا أصحاب محمد (صلى الله علیه وآله) یلتفون حول قائدهم الإمام علی (علیه السلام) ، وقد تراوحت أعمارهم بین الخمسین والتسعین عاماً ، وهم الرواد الأوائل ، وطلائع الرساله ، وحمله رایه التوحید فی الأرض ، وهم قاده الأمه بلا منازع ، لاستبدَّ بنا العجب !. سبحان اللـه ، ما أروع هذا المشهد !. ماالذی جعل هؤلاء الشیوخ یشکلون کتیبه خاصه بهم باسم الکتیبه الخضراء ؟ وماالذی جعلهم یرخصون أنفسهم ؟ وما الذی أخرجهم إلى الحرب وهم کرام سواء خاضوا حرباً أم استقروا فی بیوتهم ؟!.
   إنه الإسلام ، وهم الجیل القرآنی ، والقرآن یصوغ شخصیه الإنسان بحیث تتحدى حاجز السنین ، وتتعالى على المادیات . لقد أحس القوم بالرده الجاهلیه التی یقودها بنو أمیه ، فلم یألوا جهداً فی مقاومتها ، وأقروا عین حبیبهم ومربیهم وقائدهم ، النبی محمد (صلى الله علیه وآله) بفعلهم .
ما فاته بالشجاعه أخذه بالمکر :
   کانت التعبئه الروحیه ، أعظم قوه اعتمد علیها جیش الرساله ، وبالرغم من أنها صنعت بطولات نادره ، إلاّ أن حجمها کان دون مستوى النصر النهائی . فلما استمرت الحرب طویلاً بدأ المتخاذلون یتنامون فی صفوف الجیش الرسالی . أمَّا معاویه الذی لم یتورع عن التوسل بأیه طریقه مهینه لنیل النصر ، فقد عرف کیف یستفید من الصعوبات التی ازدادت فی صفوف جیش الإمام . لم تکن أکثریه الجیش عند الإمام فی مستوى فهم الصراع الرسالی – الجاهلی . وإن الذی یطلع على تاریخ صفّین یتمزق ألماً ، کیف کانت حیل معاویه تنطلی علیهم ، وکیف کان الإمام یستخدم براعته وبلاغته ، وقوه شخصیته ، وحضوره الدائم عند کل حادثه ، بل وجولاته الحربیه المباشره ، لکی یُفشل خطط معاویه الماکره ..
   لقد سأله – ذات مره – بعض اصحابه کیف لم ننتصر حتى الآن على معاویه ؟. فأمره أن یدنو منه ثم ناجاه :(إن قوم معاویه یطیعونه ، ولا یطیعنی قومی).
  وکم کان یؤلم ذلک القلب الکریم الذی غمره حب الرساله ، جهل المسلمین بها ، وتفرقهم عن الحق .
   وکان معاویه یعرف ذلک ولا یکف عن محاولاته للتأثیر على معنویات جیش الإمام ، وبث الفرقه فیهم . وحتى لو فشلت سائر حیله فإن نجاح واحده منها کفیله بإنقاذه من ورطته وإعطائه فرصه العوده إلى مؤامراته الخبیثه !
   وهکذا خطط هذه المره بطلب الصلح ، والتحاکم إلى القرآن الکریم .
   فی بدایه الحرب ندب الإمام (علیه السلام) واحداً من فتیان الأنصار لیحمل القرآن إلى معسکر معاویه ، ویطالبهم بالتحاکم إلیه ، وقد بشره بالشهاده فی هذا السبیل ، وضمن له الجنه ، فأسرع الفتى إلى القوم ، وهو یحمــــل کتاب اللـه على یدیه ، ویطالبهم بالنزول على حکمه ولکنهم أمطروه بوابل من السهام فسقط شهیـــداً ، وسقط إلى جنبه کتاب اللـه العزیز .
   ولکن معاویه یجد نفسه مهزوماً لا محاله ، وقد بدأ جیشه یولی الدبر أمام صولات جیش الإمام وبالذات أمام هجمات القائد المغوار مالک الأشتر ، الذی أخذ یزید من ضغطه على جیش الشام .
   واستشار معاویه عمراً ( ذلک الداهیه المعروف ) فأشار علیه بحمل المصاحف ، فإذا بهم یحملون على رماحهم ما یشبه المصاحف ویطالبون بحکم القرآن .
   ولعل جواسیس معاویه فی جیش الإمام کانوا وزعوا الأمانی على أصحاب القلوب المریضه فوعدوا قیادات الجیش الکوفی ، الذین عصرهم الإمام بعدالته ومساواته عصراً ، المزید من الأموال والمناصب .
   فإذا بالحیله تنطلی على الغوغاء ، ولا تقف دونها القیادات العمیله ، ولم تنفع شیئا محاولات الإمام (علیه السلام) والقیادات الرسالیه الراشده فی توعیه الغوغاء أو ردع العملاء .
   فلنستمع إلى التاریخ وهو یروی قصه المؤامره الکبرى ، لعلنا ننتفع بها عبره لما یشبهها الیوم .
   روى نصر بن مزاحم أن علیّاً (علیه السلام) غلس بالناس فی صلاه الغداه یوم الثلاثاء عاشر ربیع الأول سنه (۳۷) – وقیل عاشر صفر – ثم زحف إلى أهل الشام بعسکر القرآن ، والناس على رایاتهم ، وزحف إلیهم أهل الشام ، وقد کانت الحرب أکلت الفریقین ، ولکنها فی أهل الشام أشد نکایه وأعظم وقعاً .
   ثم تمضی الروایه تنقل کیف الْتَقى الجمعان فی واقعه عظیمه کادت تُفنی الطرفین ، مما سمی لیله الهریر ، حیث استمر القتال من صلاه الغداه إلى نصف اللیل ، ومرت مواقیت أربع صلوات لم یسجدوا لله فیهن سجــــده ، ولم یصلوا لله صلاه إلاّ التکبیر ، ثم استمر القتال من نصف اللیــــل إلى ارتفــــاع الضحــــى ، وافترقوا على سبعین ألف قتیل ، فی ذلک الیوم وتلک اللیله (۸) .
   والإمام علی (علیه السلام) فی القلب ، بینما ابن عباس فی المیسره ، والأشتر فی المیمنه .
   والإمام یحرض القوم ، ویدعو الرب ، ویجالد بالسیف حتى یقول الراوی :
   لا واللـه الذی بعث محمداً بالحق نبیاً ، ما سمعنا برئیس قوم منذ خلق اللـه السماوات والأرض ، أصاب بیده فی یوم واحد ما أصاب ( أی الإمام علیه السلام ) یخرج بسیفه منحنیاً فیقول : معذره إلى اللـه وإلیکم من هذا ، لقد آن أفلقه ، ولکن حجزنی عنه أنی سمعت رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) یقول کثیراً :
لا سیف إلاّ ذو الفقار،   ولا فتى إلاّ علی
   وأنا أقاتل به دونه (صلى الله علیه وآله) .
   قال ( الراوی ) فکنا نأخذه فنقوِّمه ، ثم یتناوله من أیدینا فیقتحم به فی عرض الصف ، فلا واللـه ما لیث بأشد نکایه منه فی عدوه .
   وخطب الإمام فی الناس وقال :أیها الناس قد بلغ بکم الأمر وبعدوکم ما قد رأیتم ، ولم یبق منهم إلاّ آخر نفس . وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها ، وقد صبر لکم القوم على غیر دین حتى بلغنا منهم ما بلغنا . وأنا عادٍ علیهم بالغداه ، أحاکمهم إلى اللـه عزَّ وجلَّ “ (9) .
   فبلغ ذلک معاویه فاستشار عمرو بن العاص ، فقال له فیما قال : ألق إلیهم أمراً إن قبلوه اختلفوا ، وإن ردوه اختلفوا . أدعهم إلى کتاب اللـه .
   فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح .
   وبالرغم من أن القیادات الرسالیه قد حذروا من مکر معاویه ، وقال عدی بن حاتم للإمام : ( وقدجزع القوم ، ولیس بعد الجزع إلاّ ما تحب فناجز القوم ) ، وهکذا قال مالک الأشتر وعمرو بن الحمق وآخرون .
  إلاّ أن أکثریه الناس کانوا قد ملّوا الحرب فقالوا : أکلتنا الحرب وقتلتِ الرجال ، فقال الإمام (علیه السلام) :
  “ إنه لم یزل أمری معکم على ما أحب إلى أن أخذت منکم الحرب ، وقد واللـه أخذت منکم الحرب وترکت ، وأخذت من عدوکم فلم تترک . وإنها فیهم أنکى وأنهک ، إلاّ أنی کنت بالأمس أمیر المؤمنین ، فأصبحت الیوم مأموراً ، وکنت ناهیاً فأصبحت منهیّاً ، وقد أحببتم البقاء ولیس لی أن أحملکم على ما تکرهون “ (10) .
   وبعد ان رضینا بالتحاکم ، وتقرر أن یختار کل فریق شخصاً یتفاوضان فی شؤون الخلافه ، واختار معاویه عمرو بن العاص . ذلک الداهیه المعروف والطامع فی ولایه مصر بعدئذ وقع الإختلاف – مره أخرى – فی أصحاب الإمام . فبینما اختار لهم الإمام عبد اللـه بن العباس ، وقال :إن عمراً لا یعقد عقده إلاّ حلها عبد اللـه ، ولا یحلُّ عقده إلاّ عقدها “ .
   فقال الأشعث : لا واللـه لا یحکم فینا مضریان حتى تقوم الساعه .
   فاختار لهم مالک الأشتر ، فرفضوا ، وقالوا له سعَّر الارض علینا ، غیر الأشتر .
   فاصروا على اختیار أبی موسى الأشعری ، والذی اعتزل الإمام وخذَّل الناس عنه .
   وفی الواقع إن أصحاب الإمام (علیه السلام) کانوا طوائف شتى ، المخلصون ، والمنافقون ، والمتطرفون ، الذین اشترکوا فی القیام ضد عثمان ، وکانوا یظنون أنهم أحق بالأمر من علی وأصحابه !! وهم الذین انتهى بهم المطاف إلى التمرد على الإمام وسُمُّوا بالخوارج .
ــــــــــــــــ
(۱) سیره الأئمه الأثنى عشر : ( ص ۱۵۳ ) .
(۲) المصدر : ( ص ۱۵۷ ) .
(۳) المصدر : ( ص ۱۵۹ ) .
(۴) المصدر : ( ص ۱۶۸ ) .
(۵) المصدر : ( ص ۱۷۰ ) .
(۶) المصدر .
(۷) المصدر : ( ص ۱۷۳ ) .
(۸) المصدر : ( ص ۱۹۲ – ۱۹۳ ) .
(۹) المصدر : ( ص ۱۹۴ ) .
(۱۰) المصدر : ( ص ۱۹۵ )

Leave A Reply

Your email address will not be published.