ما هی آیه المباهله و فی من نزلت هذه الآیه
أما المعنى اللغوی للمباهله فهی الملاعنه و الدعاء على الطرف الآخر بالدمار و الهلاک ، و قوله عَزَّ و جَلَّ { نَبْتَهِلْ } أی نلتعن .
و قد نزلت هذه الآیه حسب تصریح المفسرین جمیعاً فی شأن قضیه و قعت بین رسول الله (صلى الله علیه وآله) و نصارى نجران ، و الیک تفصیلها .
قصه المباهله :
کتب النبی (صلى الله علیه وآله) کتابا إلى " أبی حارثه " أسقف نَجران دعا فیه أهالی نَجران إلى الإسلام ، فتشاور أبو حارثه مع جماعه من قومه فآل الأمر إلى إرسال وفد مؤلف من ستین رجلا من کبار نجران و علمائهم لمقابله الرسول (صلى الله علیه وآله) و الاحتجاج أو التفاوض معه ، و ما أن وصل الوفد إلى المدینه حتى جرى بین النبی و بینهم نقاش و حوار طویل لم یؤد إلى نتیجه ، عندها أقترح علیهم النبی المباهله ـ بأمر من الله ـ فقبلوا ذلک و حددوا لذلک یوما ، و هو الیوم الرابع و العشرین [۱] من شهر ذی الحجه سنه : ۱۰ هجریه .
لکن فی الیوم الموعود عندما شاهد وفد نجران أن النبی (صلى الله علیه وآله) قد إصطحب أعز الخلق إلیه و هم علی بن أبی طالب و ابنته فاطمه و الحسن و الحسین ، و قد جثا الرسول (صلى الله علیه وآله) على رکبتیه استعدادا للمباهله ، انبهر الوفد بمعنویات الرسول و أهل بیته و بما حباهم الله تعالى من جلاله و عظمته ، فأبى التباهل .
قال العلامه الطریحی ـ صاحب کتاب مجمع البحرین ـ : و قالوا : حتى نرجع و ننظر ، فلما خلا بعضهم إلى بعض قالوا للعاقِب و کان ذا رأیهم : یا عبد المسیح ما ترى ؟ قال والله لقد عرفتم أن محمدا نبی مرسل و لقد جاءکم بالفصل من أمر صاحبکم ، والله ما باهَل قومٌ نبیًّا قط فعاش کبیرهم و لا نبت صغیرهم ، فإن أبیتم إلا إلف دینکم فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادکم ، و ذلک بعد أن غدا النبی آخذا بید علی و الحسن و الحسین (علیهم السلام) بین یدیه ، و فاطمه (علیها السلام) خلفه ، و خرج النصارى یقدمهم أسقفهم أبو حارثه ، فقال الأسقف : إنی لأرى و جوها لو سألوا الله أن یزیل جبلا لأزاله بها ، فلا تباهلوا ، فلا یبقى على وجه الأرض نصرانی إلى یوم القیامه ، فقالوا : یا أبا القاسم إنا لا نُباهِلَک و لکن نصالحک ، فصالحهم رسول الله (صلى الله علیه وآله) على أن یؤدوا إلیه فی کل عام ألفی حُلّه ، ألف فی صفر و ألف فی رجب ، و على عاریه ثلاثین درعا و عاریه ثلاثین فرسا و ثلاثین رمحا .
و قال النبی (صلى الله علیه وآله) : " و الذی نفسی بیده إن الهلاک قد تدلّى على أهل نجران ، و لو لاعنوا لمسخوا قرده و خنازیر و لأضطرم علیهم الوادی نارا ، و لما حال الحول على النصارى کلهم حتى یهلکوا " [2] .
فی من نزلت آیه المباهله :
لقد أجمع العلماء فی کتب التفسیر و الحدیث على أن هذه الآیه نزلت فی خمسه هم :
۱٫ النبی الأکرم محمد رسول الله (صلى الله علیه وآله) .
۲٫ الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) .
۳٫ السیده فاطمه الزهراء (علیها السَّلام) .
۴٫ الإمام الحسن بن علی بن أبی طالب (علیه السلام) .
۵٫ الإمام الحسین بن علی بن أبی طالب (علیه السلام) .
ففی صحیح مسلم : و لما نزلت هذه الآیه : { … فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءکُمْ … } دعا رسول الله (صلى الله علیه وآله) علیا و فاطمه و حسنا و حسینا فقال : " اللهم هؤلاء أهلی " [3] .
و فی صحیح الترمذی : عن سعد بن أبی وقَّاص قال : لما أنزل الله هذه الآیه : { … نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءکُمْ … } دعا رسول الله (صلى الله علیه وآله) علیا و فاطمه و حسنا و حسینا ، فقال : " اللهم هؤلاء أهلی " [4] .
و فی مسند أحمد بن حنبل : مثله [۵] .
و فی تفسیر الکشاف : قال فی تفسیر قوله تعالى : { … فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءکُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءکُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ … } ، فأتى رسول الله (صلى الله علیه وآله) و قد غدا محتضنا الحسین ، آخذا بید الحسن ، و فاطمه تمشی خلفه و علی خلفها ، و هو یقول :
" إذا أنا دعوت فأَمّنوا " فقال أسقف نجران : یا معشر النصارى لأرى و جوها لو شاء الله أن یزیل جبلا من مکانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلکوا و لا یبقى على وجه الأرض نصارى إلى یوم القیامه … " [6] .
و هناک العشرات من کتب التفسیر و الحدیث ذکرت أن آیه المباهله نزلت فی أهل البیت (علیهم السلام) لا غیر ، و لا مجال هنا لذکرها .
نقاط ذات أهمیه :
و ختاماً تجدر الإشاره إلى نقاط ذات أهمیه و هی :
۱٫ إن تعیین شخصیات المباهله لیس حاله عفویه مرتجله ، و إنما هو إختیار إلهی هادف و عمیق الدلاله … و قد أجاب الرسول (صلى الله علیه وآله) حینما سئل عن هذا الإختیار بقوله : " لو علم الله تعالى أن فی الأرض عبادا أکرم من علی و فاطمه و الحسن و الحسین لأمرنی أن أباهل بهم ، و لکن أمرنی بالمباهله مع هؤلاء فغلبت بهم النصارى " [7] .
۲٫ إن ظاهره الإقتران الدائم بین الرسول (صلى الله علیه وآله) و أهل بیته (علیهم السلام) تنطوی على مضمون رسالی کبیر یحمل دلالات فکریه ، روحیه ، سیاسیه مهمه ، إذ المسأله لیست مسأله قرابه ، بل هو إشعار ربانی بنوع و حقیقه الوجود الامتدادی فی حرکه الرساله ، هذا الوجود الذی یمثله أهل البیت (علیهم السلام) بما حباهم الله تعالى من إمکانات تؤهلهم لذلک .
۳٫ لو حاولنا أن نستوعب مضمون المفرده القرآنیه { أنفسنا } لأستطعنا أن ندرک قیمه هذا النص فی سلسله الأدله المعتمده لإثبات الإمامه ، إذ أن هذه المفرده القرآنیه تعتبر علیاً (علیه السلام) الشخصیه الکامله المشابهه فی الکفاءات و الصفات لشخصیه الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله) بإستثناء النبوه التی تمنح النبی خصوصیه لا یشارکه فیها أحد مهما کان موقعه و منزلته .
۴٫ فالإمام علی (علیه السلام) إنطلاقاً من هذه المشابهه الفکریه و الروحیه هو المؤهل الوحید لتمثیل الرسول (صلى الله علیه وآله) فی حیاته و بعد مماته لما یملکه من هذه المصداقیه الکامله .
و قد أکَّد رسول الله (صلى الله علیه وآله) هذه الحقیقه فی أحادیث واضحه الشکل و المضمون .
ـــــــــــــــــــ
[۱] ما ذکرناه هو المشهور بین المفسرین و المؤرخین ، و هناک أقوال أخرى .
[۲] مجمع البحرین : ۲ / ۲۸۴ ، للعلامه فخر الدین بن محمد الطریحی ، المولود سنه : ۹۷۹ هجریه بالنجف الأشرف / العراق ، و المتوفى سنه : ۱۰۸۷ هجریه بالرماحیه ، و المدفون بالنجف الأشرف / العراق ، الطبعه الثانیه سنه : ۱۳۶۵ شمسیه ، مکتبه المرتضوی ، طهران / إیران .
[۳] صحیح مسلم : ۴/۱۸۷۱ ، طبعه : دار إحیاء التراث العربی/ بیروت .
[۴] صحیح الترمذی : ۵/۲۲۵ حدیث : ۲۹۹۹ ، طبعه : دار الکتاب العربی / بیروت .
[۵] مسند أحمد بن حنبل : ۱/ ۱۸۵ ، طبعه : دار صادر / بیروت .
[۶] تفسیر الکشاف : ۱/ ۱۹۳ ، طبعه : دار الکتاب العربی / بیروت .
[۷] المباهله : ۶۶ ، لعبد الله السبیتی ، طبعه : مکتبه النجاح ، طهران / إیران .