ثوره الحسین ملهمه للاصلاح
فالرساله الحسینیه وأخواتها کإحیاء ذکرى وفاه الأئمه أهل بیت الرسول الأعظم (صلى الله وعلیه وآله) لم نجد بین ثنایاها إشاره تقول بأن تضحیات الثوره الحسینیه قامت من أجل الموت للموت ومن ثم إلى الجنه وحسب، وإنما قامت تلک الثوره ومدرستها التی قال عنها المهاتما غاندی مقولته المشهوره: «تعلمت من الحسین حین أکون مظلوماً فأنتصر» إذ قامت بتضحیات فاقت کل التصور لیس للموت من أجل الموت وإنما من أجل الحیاه ومن أجل تحقیق العداله ومقاومه الظلم والتعسف ومقاومه إغتصاب السلطه أو الخلافه على المسلمین والاستیلاء على ثرواتهم بقوه السلاح والبطش لتبدیدها على ملذاته وشهواته، وعلى شراء الذمم والضمائر الرخیصه وعلى المنافقین والمرتزقه وفقا لمصلحه ذلک الحاکم المستبد أمثال یزید،، وهذه المبادئ التی قامت من أجلها ثوره الإمام لیست لزمن محدد أو لمکان معین أو لطائفه معینه، وإنما لتتوارث الأجیال بعد الأجیال ثقافتها وصلابتها.
إن خطباء المنابر الحسینیه بمنطقتنا لیسوا على مستوى واحد من المعرفه والثقافه واستیعاب وتقییم المعطیات والمستجدات فی الساحه الدولیه والإقلیمیه، لذلک نجد بعضهم ینحو منحى التسطیح لرساله عاشوراء وکأنها لا یعنیها ما یحدث فی محیطنا، وبعضهم یحجمها ویؤطرها فی طائفه وفی بوتقه مغلقه، والقله منهم على مستوى کبیر وذوی علم غزیر، ولکن بعضهم ینحو منحى الترف الفلسفی الذی لا یربط ربطاً عضویاً بین رساله عاشوراء وتعمیق فی الناس ثقافه العداله والتسامح والتآخی بین کافه المسلمین بمختلف طوائفهم ومللهم وتوجهاتهم بینما نحن الیوم فی أمس الحاجه الملحه للتوعیه لهذه المبادئ الخلاقه النبیله أکثر من أی وقت مضى، ذلک لأننا نعیش منعطفاً تاریخیاً یزخم بمخاضات من المعطیات الإیجابیه ومتناقضاتها على الرغم من إثاره الغبار حول إیجابیاته ووضع الضبابیات أمامه لکی لا تراه الناس بالعین المجرده..
إن أدبیات مدرسه عاشوراء ومضامینها تتماهى ومواثیق حقوق الإنسان إلى حد کبیر حتى یومنا هذا عصر ثوره المعلومه وثوره الاتصال ومعطیاتها نحو التغییر والإصلاح..
إذن ینبغی أن لا نغرد خارج سیاق هذا الزمن وخارج سیاق التاریخ وخارج سیاق أرض الواقع المعاش. وهنا تجدر الإشاره إلى محاضره أو قرائه «سمها ما شئت» سماحه العلامه والخطیب الکبیر والمتمکن فی ترجمه أبعاد دروس ملحمه عاشوراء الأستاذ سید منیر الخباز فی لیله الثامن من محرم ۱۴۳۳م والتی کانت بعنوان «المواطنه هی الکرامه» فی تقدیری المتواضع بأنها محاضره تحتضن بین دفتیها وبین جوانحها وبین اعطافها وفی ثغرها اجنه خلاقه عابقه بجوهر رساله المنبر الحسینی، حیث ترجمت بصدق ودقه عن حقوق المواطنه فی حاله تطبیق شروطها، کالکرامه والعدل وعدم التمییز فی الحقوق والواجبات، وعدم المساس والتجاوز على کرامه الإنسان تحت معاییر ومسمیات وأعذار لا تقرها إلا شریعه الغاب..
تحیه لسماحه الأستاذ السید منیر الخباز على هذه المحاضره القیمه، نأمل المزید لمثل هذه المعالجات لقضایانا الشائکه والسهله معا، حیث تتشابک بعضها ببعض مثل السطو على البیوت «الآمنه!» والمحلات ونهب الأفراد والاختطاف وما إلى ذلک من أمور وظواهر مستجده على مجتمعاتنا.
ونحن نعلم جمیعا بأن خطباء المنابر الحسینیه لا یمتلکون عصى سحریه أو الخاتم السحری فی حل قضایا المجتمعات، وإنما هی مساهمه منهم فی التوعیه واستنهاض همم الناس بشکل أو بآخر، لمعالجه هذه المسائل الشائکه وغیرها، وحین نمتلک الثقه بشرعیه الدفاع عن قضایانا ونمتلک کذلک الشجاعه الأدبیه وأخلاقیات وحده الکلمه والتسامح، فلن تکون ثمه أمور عصیه على المعالجه بعد تشخیصها ومن ثم وضع الحلول لها. ولیس المطلوب أن ننتظر على المدى القریب النجاح فی حل کل القضایا حیث ذلک غیر ممکن ولکن بالصبر والمتابعه الدؤوبه والتضحیات مادیاً ومعنویاً ومن کلٍّ حسب قدراته، بذلک أعتقد بأننا سنقترب من الحلول ولو مرحلیاً.
«أما ترى الحبل وترداده فی الحجر الصم وقد أثر» وقال مکسیم غورکی «إننا لسنا معده تنتظر الطعام وإنما شعب یرید الحیاه» والله ولی التوفیق.