الثبات والإستقامه والصمود
وقد بذلت الدّول الفاسده أمثال ـ أمریکا وغیرها ـ الکثیر من الجهود والأموال لمنع إقامه مثل هذه الدّول القویّه، إلّا أنّها وإن کانت قد نجحت فی بعض الدّول الإسلامیّه وغیرها، لکنّها فی الوقت نفسه لم تستطع منع ظهور وبروز هذه الظاهره بصوره مطلقه، فهناک بعض الدّول رغم کلّ المحاولات والضّغوط الغربیّه، إستطاعت أن تقف أمام کلّ العواصف الخارجیّه، لبناء نفسها وشعبها وإستقلالها وحرّیّتها، بل ورفع شعار الإسلام عالیاً!
ومن هنا تلجأ الدّول المستکبره إلى الخطوه التالی ـ بعد عدم تمکّنها من منع وجود دوله قویّه وحرّه ـ والخطوه هذه تتمثّل بإختراق الصفّ الأوّل لأمثال هذه الدّول، لکی یکون لها فی الدّاخل من یقوم بأعمالها الخبیثه والمفسده، فتحاول تجنید بعض المسؤولین وغیرهم لزعزعه الأوضاع الإقتصادیّه وإشاعه الفتنه والإقتتال الدّاخلی، بهدف السیطره على الأوضاع وتشویش فکر الشعوب، وعدم تمکّن الحکومه من تحقیق أیّ تقدّم وإنجاز، حیث یعتمد نجاح الدّوله بالدّرجه الأولى على الشعب، ومع إنقسام الشعب وتخبّطه لا یمکن مواصله الطریق، وبذلک تستغلّ الولایات المتّحده الأمریکیّه وغیرها الفرصه للإنقضاض على فریستها!
وهذه الخطّه أیضاً لم تُثبت نجاحها فی کافّه الدّول، فهناک بعض الدّول أثبت شعبها وحکومتها، بأنّهما یداً واحده ولا یمکن إختراقهما بهذه السهوله، وقد وقفا عدّه مرّاتٍ أمام محاولات الغرب إشاعه الفتنه فی بلادهم، فما کان إلّا أن إنقلب السحر على الساحر.
وبما أنّ هذا الوحش ـ أمریکا وأتباعها ـ لا یعرف الملل والهزیمه نتیجه طمعه المفرط ـ ولو لزم من ذلک قتل الألاف من الأبریاء ـ یتابع طریقه بالتّهدید وشنّ الحروب والضّغوط الإقتصادیّه وغیرها، لإخافه الشعوب والحکومات، أملاً منه أن تتنازل الشعوب عن حکوماتها، أو تتنازل الحکومه عن مبادئها وتتمسّک بالمناصب بدلاً من القیم والأخلاق. إلّا أنّ هذه الأسالیب أیضاً لم تنفع مع کلّ الدّول والشعوب، بل هناک دولاً وشعوباً لم تزدد إلّا قوّه وإیماناً بالله، فحتى الحصر الإقتصادیّ قد فتح لها المجال بالتّطوّر فی کافّه المجالات والإستغناء کلّیّاً عن الغرب، وقد أصبح الغرب بحاجه لها ولم یعد یستطیع تجاوزها، سواءً على المستوى الإقتصادی أو الإقلیمی! وما ذلک إلّا لتمسّک تلک الدّول بالثبات والإستقامه والصمود، إنطلاقاً من قوله تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ یَنصُرْکُمْ وَیُثَبِّتْ أَقْدَامَکُمْ).
فإذن الثبات على العقیده والإسلام والمطالبه برفع الظلم أولاً، هو الذی یحقق الثوره، والإستقامه على هذه المبادئ وعدم الزیغ والتّنازل عنها من قِبل المسؤولین، هو الذی یضمن إلتفاف الشعب حولهم وعدم إنقسامهم، والصمود فی وجه کلّ عاصفه وتهدیدٍ وتهویلٍ وضغطٍ ـ إقتصادیّ أو حربیّ أو غیرهما ـ یضمن بقاء تلک الثوره وقوّتها، بل ویجعلها النموذج لکلّ الثورات والشعوب الحرّه فی العالم کلّه، ویشجّع الجمیع ویعطیهم الدافع للقیام فی وجه ـ أمریکا ـ وکلّ المستکبرین، ویحطّم الفکره القائله: (أمریکا والإستکبار وحش لا یمکن هزیمته).
ولیست هذه مجرّد شعاراتٍ ترفع لتشجیع الشعوب وإبقائها واقفه، بل هذا هو الواقع، ولیس مجرّد خیال أو أمنیه. فهذه ـ إیران ـ على سبیل المثال، قد نجحت فی تحقیق ثورهٍ تقف فی وجه کلّ المستکبرین فی العالم وعلى رأسهم ـ الولایات المتّحده الأمریکیّه ـ، بل وقد نجحت فی تقویه بنیتها الإقتصادیّه والعسکریّه، رغم کلّ الضغوط الممارسه علیها من قِبل الغرب وبعض المسلمین حتى. وما ذلک إلّا بالثبات والإستقامه والصمود!
وهذه ـ الجمهوریّه العربیّه السوریّه ـ التی إنقضّ علیها العرب قبل الغرب، لإسقاطها وتنازلها عن مبادئها، إلّا أنّها بسبب ثباتها وإستقامتها على وجوب الدّفاع عن ـ فلسطین ـ وکلّ مظلومٍ فی العالم، لا زالت واقفه. نعم الآن جاء دور الصمود أمام کلّ المحاولات والضغوط السیاسیّه والإقتصادیّه والتّهدید بالحرب، وهذا ما قد أثبتته الحکومه إلى الآن، ویبقى الرهان الأکبر على الشعب، فلا یجوز له الخضوع والتّنازل عن مبادئه، لمجرّد الفتنه والضّغوط! الکلّ یعلم أنّ هذه مرحله صعبه یمرّ بها الشعب السوری، لکن إطمئنّوا أنّ التنازل لن یسهّل الأمر، فإنّ مرحله ما بعد التّنازل أصعب بکثیر من الوضع الحالی.
وهذا الکلام موجّه أیضاً إلى کافه الدّول التی حقّقت الثورات بفضل ثباتها على الأسس الإسلامیّه وإستیقاظها بعد ظلمٍ کبیر، إلّا أنّها لا یجوز لها تضیىع ما قامت به، فلا بدّ من الإستقامه والصمود، فإنّ العدوّ یتربّص بنا، ویحاول بشتّى الطرق السیطره علینا وتضیىع ثوراتنا وإنحرافها بالإتّجاه الذی یریده هو. وهذه فرصه أیضاً لکلّ الشعوب المظلومه لکی تستفید من تجارب غیرها، وتثور فی وجه الظلمه وتطالب بالإصلاح أو الإسقاط، فقد ولّى زمن الذلّ والعار، توکّلوا على الله تعالى ولا تبالوا، فقد قال الله تعالى: (وَمَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).