التّقوى نقیض الغفله
لکن فی المقابل نجد أنّ الشیطان یمتلک من القدره بحیث یمکنه التّأثیر على البشر وبصوره معاکسه، فیأمرهم بالإبتعاد والإنزلاق عن طریق الحقّ، وبما أنّ الإنسان خلق مجبولاً على حبّ الشهوات، فیصعب على البشر الإلتزام والإستقامه على طریق النّور والکمال. ولذلک نجد الکثیر من النّاس یبرّرون مخالفتهم ومعصیتهم لله تعالى، بأنّهم لا یستطیعون مقاومه الشیطان ووسوسته، بل البعض منهم ینسب الظلم إلى الله تعالى، مدّعیاً أنّ الله قد سلّط علیهم مَن لا یستطیعون مخالفته، ومع ذلک یعاقبهم على مخالفتهم لأوامره تعالى!
وهذا الکلام مرفوض رفضاً تاماً، فإنّ الله تعالى عندما خلق الإنسان، خلقه وخلق معه عقلاً یمیز به بین الخیر والشّر، وفی الوقت نفسه خلقه مختاراً، فلم یجبره على إطاعته تعالى ـ وإلّا لما تحقق الکمال ـ، ولم یجبره على إطاعه الشیطان أیضاً، فالشیطان غایه ما یستطیع القیام به هو الوسوسه وإقناع الناس بمخالفه أوامر الله تعالى دون أن یصل الأمر إلى حدّ الإجبار. وهذا شبیه مَن یصاحب الأشرار الذین یحاولون الإیقاع به وجرّه إلى المفاسد، فلو أطاعهم وإرتکب القتل على سبیل المثال، فهل یقبل منه ـ عند العقلاء ـ الإعتذار بأنّ فلاناً قد أمرنی وأقنعنی بذلک؟ بالطّبع لا فإنّ الجواب عن الإعتذار سیکون: ألیس لدیک عقلٌ یرشدک إلى الصواب!
والقرآن الکریم قد أرشد البشر إلى طریقٍ، یستطیعون من خلاله مقاومه الشیطان وعدم الوقوع فی وسوسته، ویتمثّل هذا الطریق ـ بالتّقوى ـ، والتّقوى تعنى: الیقظه والوعی المستمر والمراقبه والصیانه الذاتیه الدائمه، فلو راقب الإنسان أعماله یومیّاً وأصلح الأخطاء فیها وکان على یقظه ووعی دائم من عدوّه الذی یترقّب به، لأمکنه التّغلب علیه، ولن یجد الشیطان إلیه سبیل، وبمجردّ وقوع الإنسان المتّقی فی الخطأ والذّنب نجده قد تنبّه لذلک، ومن هنا قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّیْطَانِ تَذَکَّرُوا)، وفائده هذا الإنتباه والتّذکّر أنّه یسارع إلى إصلاح هذا الإنزلاق، ویحاول إیجاد طریقه لسدّ تلک الثغره، لکی لا ینزلق مجدّداً، وهذا ما یغضب الشیطان حیث لم یعد من السهل علیه إیقاع ذلک المتّقی.
وبخلاف الإنسان المتّقی، هو الإنسان ـ الغافل ـ الذی لم یبالِ بتعالیم الرسول والأنبیاء، وقد رفض القرآن وکلّ ما یُلزمه بما لا تشتهی نفسه، فلا یسعى إلّا لتحقیق رغباته وشهواته الشخصیّه، وبالطّبع فإنّ أمثال هؤلاء سیسهل على الشیطان إقناعهم بإرتکاب المعصیه ومخالفه أمر الله تعالى، بل سیکتفی بالإشاره إلیهم، فیصبحون جنداً من جنود الشیطان، ویقومون بما یقوم هو به من إفساد الناس. وفی الحقیقه فإنّ هؤلاء لا یمکن تسمیتهم ـ إنسان ـ إلّا لمظهرهم الخارجی، وإلّا فهم أنعام حقیقه، ولعلّ الأنعام أفضل من الکثیر منهم، وما ذلک إلّا لأنّ الله تعالى وهب الإنسان ـ العقل ـ ومیزه وفضّله على سائر المخلوقات لإمتلاکه العقل، فلو لم یقم بإستعمال العقل وتبع شهواته أصبح کالأنعام، بل أضلّ لأنّ الأنعام لا تمتلک القدره والعقل الذی یمتلکه الإنسان، وهذا ما یؤکّد علیه القرآن قائلا: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ یَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْیُنٌ لاَ یُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ یَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِکَ کَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِکَ هُمْ الْغَافِلُونَ).
وقد أکّد الله تعالى ورسله وأنبیاءه على لزوم التّقوى وجعلها نقیض الغفله، لتکون قانوناً یتبعه الإنسان فی کلّ مجالات حیاته وتصرّفاته مع الآخرین، فلا یقتصر الأمر على الصلاه والصیام، بل یجری فی السّیاسه أیضاً، حیث نجد فی عالم السیاسه شیطاناً یحاول السیطره على البشر وإبعادهم عن طریق الحقّ وإیصالهم إلى قمّه الفساد، ألا وهو ـ الولایات المتّحده الأمریکیّه ـ فإنّ هذا الشیطان یقف وراء کلّ الویلات والمصائب ـ القتل والظلم والإنحطاط و… ـ التی حصلت فی العالم کلّه! وهنا أیضاً نجد الإنسان إنقسم إلى قسمین: متّق یقظ وواع، وإلى غافلٍ ضعیفٍ جبان.
فالأوّل: یحاول بکلّ ما أعطی من قوّه أنّ یقف فی وجه هذا الشیطان، وأن یتنبّه لأخطاره، فیبقى مستیقظاً، فإن ما إنزلق وأخطأ تذکّر فوراً وقام بإصلاح خطأه.
وأمّا الثانی: قد أقنع نفسه بقوّه هذا الشیطان وعدم قدره البشر على محاربته، فیرضى بالعار والذّل، وإمّا أنّه مستغرق فی حبّ الدّنیا والشهوات لدرجه، جعل نفسه جنداً من جنود ذلک الشیطان، لطالما قد حصل على رغباته وشهواته، فلا یبالی بقیمه وشعبه، وما سیحلّ بهم، وإنّما یقوم بتحقیق أهداف معبوده الشیطان بکامل إرادته.
وعلیه فالإلتزام بالتّقوى هو الذی یخرج الناس من الضلال إلى النّور، ویحفظ کرامتهم وعزّتهم. وأمّا الغفله فهی سبب دخول الإنسان جهنّم والذّل والعار فی الدّنیا والآخره.