أثر التقوى على ذریه الإنسان
فکان الجواب من العبد الصالح (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَکَانَ لِغُلاَمَیْنِ یَتِیمَیْنِ فِی الْمَدِینَهِ وَکَانَ تَحْتَهُ کَنزٌ لَهُمَا وَکَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّکَ أَنْ یَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَیَسْتَخْرِجَا کَنزَهُمَا رَحْمَهً مِنْ رَبِّکَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِی ذلِکَ تَأْوِیلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَیْهِ صَبْراً)۲٫ ففی الآیه الکریمه دلاله واضحه على أنّ صلاح الآباء له آثار طیّبه على سعاده الأبناء.
عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (علیه السلام) یقول: (إنّ الله لیُصلح بصلاح الرجل المؤمن وُلده ووُلد وُلدِه، ویحفظه فی دُوَیْرته ودُویرات حوله، فلا یزالون فی حفظ الله لکرامته على الله) ثمّ ذکر الغلامین، فقال: )وَکَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً(ألم ترَ أنّ الله شکر صلاح أبویهما لهما)۳٫ وکذلک عن زراره وحُمران، عن أبی جعفر الباقر وأبی عبد الله الصادق (علیهما السلام) قال: (یحفظ الأطفال بأعمال آبائهم، کما حفظ الله الغلامین بصلاح أبیهما)۴٫ نظیر هذه الآیه قوله تعالى: (وَلْیَخْشَ الَّذِینَ لَوْ تَرَکُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّیَّهً ضِعَافاً خَافُوا عَلَیْهِمْ فَلْیَتَّقُوا اللهَ وَلْیَقُولُوا قَوْلاً سَدِیداً)۵ حیث لم (تؤمر الناس بالترحّم والترؤف ونحو ذلک، بل بالخشیه واتقاء الله، ولیس إلاّ أنّه تهدید بحلول ما أحلّوا بأیتام الناس، من إبطال حقوقهم وأکل مالهم ظلماً، بأیتام أنفسهم بعدهم، وارتداد المصائب التی أوردوها علیهم إلى ذریّتهم بعدهم)۶٫ لا یقتصر الأمر على الآثار الفردیه للتقوى فی الدنیا، بل أشار القرآن الکریم إلى الآثار الاجتماعیه المترتّبه على التقوى فی هذه النشأه، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَیْهِمْ بَرَکَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)۷، أی أنّ أهل القرى لو آمنوا واتّقوا لفتح الله سبحانه برکات السماء من الأمطار والثلوج والحرّ والبرد وغیر ذلک، کلّ فی موقعه وبالمقدار النافع منه، وبرکات الأرض من النبات والفواکه والأمن وغیرها، وهذا خیر دلیل على أنّ افتتاح أبواب البرکات مسبّب لإیمان أهل القرى جمیعاً وتقواهم، أی أنّ ذلک من آثار إیمان النوع الإنسانی وتقواه)۸ . نظیر هذه الآیه قوله تعالى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِیقَهِ لأَسْقَیْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)۹، (والمراد بالطریقه: طریقه الإسلام،والاستقامه علیها: لزومها والثبات علیها، على ما تقتضیه من الإیمان بالله وآیاته. والماء الغدق: الکثیر منه. ولا یبعد أن یستفاد من السیاق أنّ قوله (لأسقیناهم ماءً غدقاً) مثل اُرید به التوسعه فی الرزق، ویؤیّده قوله تعالى بعد هذه الآیه: (لِنَفْتِنَهُمْ فِیه)۱۰٫ فیکون معنى الآیه (وأنّه لو استقاموا) أی الجن والإنس على طریقه الإسلام لله، لرزقناهم رزقاً کثیراً لنمتّعهم فی رزقهم)۱۱٫ أجل، یبقى الکلام فی معرفه کیف أنّ الاستقامه على طریقه الإسلام وهداه، تکون سبباً لفتح برکات السماء والأرض على الإنسان، وما هی العلاقه القائمه بین الإیمان والتقوى وبین الرزق الکثیر الوافر. وهذا ما نحاول الوقوف علیه، عند عرض الآثار السلبیه للفجور فی هذه النشأه، حیث سیتبیّن أنّ من الحقائق الناصعه التی أکّدها القرآن الکریم، أنّ أساس نزول النعم والنقم على الإنسان، إنّما تدور مدار تقواه وفجوره.
ـــــــــــــــــــــــ
(۱) الکهف : ۷۷٫
(۲) الکهف: ۸۲ .
(۳) تفسیر العیّاشی، ج۲ ص۳۶۳، ح۶۳، نقلاً عن البرهان فی تفسیر القرآن، العلاّمه المحدِّث السیّد هاشم البحرانی، ج۵ ص۶۰ منشورات مؤسّسه الأعلمی، بیروت ـ لبنان.
(۴) المصدر السابق.
(۵) النساء: ۹٫
(۶) المیزان فی تفسیر القرآن، ج۴ ص۲۵۱٫
(۷) الأعراف: ۹۶٫
(۸) المیزان فی تفسیر القرآن، ج۸ ص۲۰۱٫
(۹) الجن: ۱۶٫
(۱۰) طه: ۱۳۱٫
(۱۱) المیزان، مصدر سابق، ج۲۰ ص۴۶٫