القیاده فی الإسلام.. خدمه لا سلطه
وبقیت نار الحرب مشتعله على أوجها بین الشعوب والقبائل والزعماء یتنازعون على النفوذ کأسود الغابه، حتى جاء الإسلام بمفهوم مغایر کل المغایره لما کان موجودا عند الناس یقوم على أسس واضحه غیر قابله لمغالطه والتغیر، یعتبر فیها أن الحاکمیه والسلطه الحقیقیه لله تعالى وحده ولا یحق لأحد من البشر أن یتسلط على أحد إلا إذا سمح له الله تعالى بذلک وهو لم یسمح بتسلط أحد على أحد، بل شرّع الله مناصب أعطى الإذن فیها لأفراد صالحین وشرط علیهم أن یعتبروا هذه المناصب خدمه للناس، فالتشریع کان تحت قاعده اللطف بالعباد ومراعاه مصلحتهم، فتکون المناصب فی الشریعه کولایه الأب على ابنته فی التزویج حیث أعطیت هذه الولایه للأب لینظر فی مصلحه ابنته ویختار لها الأفضل والأنفع لها ولدینها، فهی قد لا تکون قادره على تشخیص الشریک المناسب لحیاتها، فأوکلت الشریعه أمر تزویجها الى أبیها بشرط رضاها وأخذ موافقتها، والمنفعه فی هذه الولایه تعود على البنت لا على الأب ولذا فإن الشریعه حکمت ببطلان الولایه إذا لم یوافق الأب على الزوج مع مناسبته للبنت عرفا وشرعا.
وللأسف فإن أکثر الحکومات التی تحکم فی المناطق الإسلامیه لا تراعی هذا الجانب بل تتخذ السلطه والزعامه مطیه للوصول الى الجاه والمال ولتکریس الظلم والاستبداد ولاستعباد الشعوب، وبعضها یدعی أنه یحکم باسم الإسلام وتحت رایته وهو لا یعرف من الإسلام شیئا ولکنه یدعی إسلامیه نظامه لیستجلب رضا العوام ولیبرر ما یقوم به من ظلم واستبداد بدعوى أنه من الإسلام، وهو فی الواقع یوهن الإسلام ویحرف أسسه ویطعنه بخنجر مسموم فی أم کبده لأنه یقدم صوره مغلوطه عنه، وبهذا یکون قد وهن من رفعته وبهاء سمعته، ولا یبعد أن یکون قد قام برفع شعار الإسلام لیضعفه ویوهنه بأمر من الأعداء حیث یبذلون قصارى جهدهم لیصلوا الى توهین الإسلام والمعتقدات الأساسیه فیه والتقلیل من أهمیه المشاعر الإسلامیه والعمل على تکریس وترسیخ الأفکار الإلحادیه بمختلف الطرق والأسالیب، وهذا واضح من سیاساتهم ومن تصرفاتهم حیث یوظفون الأجهزه الإعلامیه المختلفه للنیل من الإسلام وتبدیل معتقدات أبنائه وحرف شبابه عن التوجه نحوه، لأنه یلهمهم مفاهیم ومعانی لا تنسجم مع مخطط الأعداء للمنطقه.
فإن على جمیع العاملین فی حقل الحکم فی البلاد الإسلامیه أن یعوا جیدا حقیقه ما یقومون به وأن لا سلطه حقیقیه لهم على العباد والبلاد بل کل ما وصلوا إلیه من مناصب کان بفضل اختیار الشعب وانتخابه لهم لیقوموا بأمور لا بد منها لتستمر الحیاه وتنمو، إذ لا بد للناس من حاکم یراعى مصالحهم ویعمل على نظم أمورهم، وهذه الخدمه للمجتمع تشکل خدمه جلیه وأجرا عظیما یوفى إلیه یوم لا ینفع مالا ولا بنون، ولیحذر کل الحذر من وساوس الشیطان التی تدعوه الى استغلال المنصب الذی تحت یدیه لیظلم ویسرق ویتعالى على غیره فإن المناصب لا تدوم لأحد وکلها تفنى ویبقى العمل الصالح والخدمه التی قدمها لشعبه لتشکل له ذخرا یوم القیامه.
هذا إذا کان الحاکم قد حکم بانتخاب الناس له وتفویضهم له فی القیام ببعض المهام الأساسیه التی فیها صلاحهم وانتظام حیاتهم، وأما إذا کان الحاکم قد وصل الى الحکم بواسطه القوه والقهر ونصّب نفسه علیهم ملکا أو أمیرا أو ما شابه ذلک، فهذا لا عذر له فی الشریعه ولا مبرر لحکمه إذا لم یستمد شرعیه حکمه من الشریعه. ومن الذی نصّبه على عباد الله ملکا أو أمیرا؟ فلیجاوب إذا کان یعی جوابا، وإذا لم یجد عذرا لما یقوم به فلماذا یبقى على منصه الحکم والتسلط على العباد؟ ولا ینفعه فی مقام الإجابه أن یدعی أنه غلب وقهر وتسلط فعلى المسلمین أن یتبعونه وأن یروه حاکما لأن هذه المقوله بعیده کل البعد عن الإسلام وتنافی أسسه وقواعده الرئیسیه ولا تتناسب مع روحه المنادیه بالعداله والحریه وفک کل مواثیق الرقیه والتسلط، والتوجه نحو الله تعالى.
فإن المنصب والمقام لیس معیارا -مهما بلغ من الخطر حتى لو کان صاحبه زعیما على کل العالم- للتسلط والحکم والقهر بل هو خدمه للناس وللمجتمع یقوم بها الإنسان لفتره محدوده وثم یعود الى صفوف الشعب أو الى صفوف المقابر وبهذا تزول کل المناصب وتبقى خدمه الناس لتنفعه ولترفع شأنه فی الدنیا والآخره.