ما هو التسامح؟

0

وإذا کانت الخصال الإیجابیه فی الإنسان مهمّه فی معرفه أی الأسالیب أنجح فی استقطابه، فإنّ معرفه الخصال الذمیمه أو السلبیه للإنسان تمکننا من تفادی شروره، أو تحاشی الاصطدام به، أو تقلیص الأضرار التی یمکن أن یُسبِّبها لنا مادیاً أو معنویاً.
القرآن الکریم رسم للإنسان صورتین: إیجابیه وأخرى سلبیه، أو قل إنّها صوره واحده ذات وجهین، ولأنّنا نبحث عن (روح التسامح)، فإن وقفه متأمِّله لسمات الشخصیه الإنسانیه فی القرآن، تجعلنا أکثر قُرْباً من هذا الذی نرید أن (نسامحه) کما نرید منه أن (یُسامحنا).
الصفات غیر الحمیده للإنسان، هی:
۱- کثیر النسیان: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِیَ) (طه/ ۱۱۵).
۲- ناکر للجمیل: (فَلَمَّا کَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ کَأَنْ لَمْ یَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ) (یونس/ ۱۲).
۳- موجود ضعیف: (وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِیفًا) (النساء/ ۲۸).
۴- ظالم: (إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ کَفَّارٌ) (إبراهیم/ ۳۴).
۵- بخیل: (وَکَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا) (الإسراء/ ۱۰۰).
۶- عجول: (وَکَانَ الإنْسَانُ عَجُولا) الإسراء/ ۱۱).
۷- کائن کثیر الجَدَل: (وَکَانَ الإنْسَانُ أَکْثَرَ شَیْءٍ جَدَلا) (الکهف/ ۵۴).
۸- جهول، أی کثیر الجهل: (إِنَّهُ کَانَ ظَلُومًا جَهُولا) (الأحزاب/ ۷۲).
۹- قلیل الصبر والتحمل: (إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) (المعارج/ ۱۹).
۱۰-  مغرور: (یَا أَیُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّکَ بِرَبِّکَ الْکَرِیمِ) (الإنفطار/ ۶).
هذه هی نقاط ضعف الإنسان التی یمکن أن یجد لها علاجات من خلال إیمانه بالله تعالى، ونشأته فی أحضان الدین، فهذه النسخه من الإنسان یمکن أن نطلق علیها بـ(المسودّه) أو (الماده الخام)، وکما یمکن أن تنقّح المسودّه، وأن تتشکّل الماده الخام إلى ما هو صالح ونافع ومفید، فکذلک هو الإنسان.
إنّ معرفتک بنقاط ضعف صدیق أو قریب یجعلک تشفق علیه مرّه، وتحول أن تقوِّی نقاط ضعفه مرّه، وأن تغضّ الطرف عن أخطائه بسبب من تقدیرک لتلک النقاط مره أخرى، وفی جمیع الأحوال فأنت تراعی إنساناً مثلک یحمل ما تحمل من نقاط ضعف، فتجد له العذر والمبرِّر عسى أن یتمکّن من تجاوز نقاط ضعفه وإصلاح نقاط خلله.
وهناک فرق بین أن تعاتب إنساناً یمتلک مقوّمات قوّه فی شخصیّته منطلقاً من تقدیرک لتلک المقوّمات العلمیه أو العملیه أو الأخلاقیه، وبین أن تنتقد إنساناً عادیاً لا یمتلک شیئاً من تلک المقوّمات، إلى أنّک تؤاخذ کل شخص بحسب ما أوتیَ من مواهب وقدرات مزایا ومعرفه، وفی الأعمّ الأغلب فإنّ أکثر الناس هم ممّن لم یصقلوا مواهبهم ولم یطوِّروا قدراتهم الذاتیه، فهم (کثیرو النسیان) وهم (ناکرو الجمیل) وهم (ضُعفاء) و(ظالمون) و(بخلاء) و(عجولون) و(کثیرو الجدل) و(جُهلاء) و(قلیلو الصبر) و(مغرورون).
ولعلّ أکثر الناس مسامحه لغیرهم هم (الأبوان)؛ لأنّهم أکثر الناس معرفه بنقاط ضعف أبنائهم، وأشدّهم حبّاً لهم، فهم مستعدّون للتسامح والمسامحه مراراً وتکراراً، حتى لیمکن القول أنّ باب العفو عندهم مفتوح طوال الوقت، وهذا من بعض رحمه الله التی جعلها فی نفوس الوالدین حتى یتمکّنا من إصلاح شأن الأبناء، وأن یعیشا معهم أطول فتره ممکنه، وأن یحافظا على بناء العلاقه معهم فی أشد الظروف وأحرج الأوقات.
هذا النموذج من التسامح (الأبوی) المُصغّر أو الأوّلی، یمکن أن تتّسع دائرته أکثر لیشمل (الأصدقاء) و(المربِّین) من معلِّمین ودعاه إلى الله تعالى ومُرشدین وقاده. والقدره على اکتساب (التسامح الأبویّ) لیکون تسامحاً أخویّاً، أو تسامحاً إنسانیاً تنبع من عوامل ثلاثه:
۱- (کلّنا خطّاؤون)، وما دمنا نقف على قدم سواء فی ارتکاب الخطأ، أی لیس فینا مَلاک أو معصوم، فإنّ التسامح ممکن ومبرّر ومشروع.
۲- (کلّنا ضعفاء)، أی أنّ الصفات التی نعتَنا بها القرآن موجوده فی کلٍّ منّا بنسبه أو بأخرى، والضعیف عاده یُقدِّر ضعف الضعیف الآخر؛ لأنّه یحمل نفس إحساساته ومشاعره، وکذلک فالتسامح بین الضعفاء أمر ممکن ومطلوب أیضاً.
۳- (کلّنا نطمع بعفو الآخر وصفحه)، ولو لم یکن هذا ممکناً أیضاً لانتفت حالات (العتاب) و(المصالحه) و(ترطیب الأجواء) و(عوده المیاه إلى مجاریها) و(رأب الصّدع) و(فتح صفحه جدیده).
 
– ما هو التسامح؟
(سمح) یعنی: لانّ وسهل، وکلمه تسامح فی اللّغه مأخوذه من (تفاعل)، أی أنّها حرکه باتِّجاهین: مسامحتک للآخر، ومسامحه الآخر لک، مثل (تقاسم) و(تشاطر) و(تحابب) و(تعارف) وتناصف). والسماح أیضاً من السماحه،وبالتالی فالتسامح یعنی قبول اختلاف الآخرین.
 
– هل یمکن أن یکون التسامح من طرف واحد؟
نعم. وعندها نُسمِّیه بـ(السّماح) أو (المسامحه)، فیوسف (ع) سامحَ أخوته الذین أخطأوا بحقِّه مرتین: مره حین ألقوه فی غیابه البئر، ومره حین اتّهموه بالسرقه، وقد لاحظ نقطه ضعفهم وهی (الجهل)، ولذلک قال لهم: (لا تَثْرِیبَ عَلَیْکُمُ الْیَوْمَ) (یوسف/ ۹۲).
ویدور الزمن دوره واسعه، لیتکرر المشهد بین المخطئین والخاطئین من قریش بحقِّ النبی محمد (ص)، فإذا هو یُسامحهم کما سامحَ یوسف (ع) إخوته، ولا ندری إن کان محمّد جنوب أفریقیا من التمییز العنصری (نیلسون ماندیلا) قد اطّلع على هذه الشواهد من خلال مطالعاته أو قراراته للتأریخ أو أنّه استلهمها من روح الدین الذی یدعو إلى التسامح، حین دعا مضطهدی السود فی جنوب أفریقیا إلى الاعتراف بأخطائهم لیکون ذلک سبباً فی العفو عنهم؟!
 
– هل یمکن اعتبار المسامحه أو التّسامح ضعفاً؟
أبداً، وکلا، فالتّسامح أو المسامحه مؤشِّره قوّه، لأنّها تعنی: (العفو عند المقدره)، وامتلاک المسامح لـ(قلب کبیر) ومنحه المخطئ فرصه أخرى لیُصحِّح خطأه ویُفکِّر عنه ذنبه، کما تعنی أنّ حرص المسامح على (ترمیم) العلاقه أکثر من رغبته فی هدمها أو المشی على أطلالها.. إنّها رغبه فی التعایش السلمی والإیجابی.. التسامح قوّه ولیس ضعفاً.
 
– هل یمکن اعتبار التسامح عجزاً عن إیذاء الآخر الذی آذانا؟
إنّ الذی یصفح الذی صفعه، والذی یجرح مشاعر الذی جرح مشاعره، والذی یُحصی على الآخر أخطاءه وعثراته وزلاته لیفضحه بها تماما؟ً کما فعل ذلک من قبل صاحب تلک الأخطاء، والذی یکیل الصاع صاعین، ویحیل (الهفوه) إلى جریمه لا تُغتفر، هو الإنسان العاجز فی مفهوم العجز من وجهه نظر أخلاقیه.. هو لا یجید لغه ثانیه ولا یُحسن أن یکتب على الرمل.. هو على أیّه حال ضعیف.
حینما قال (هابیل) لـ(قابیل): (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَیَّ یَدَکَ لِتَقْتُلَنِی مَا أَنَا بِبَاسِطٍ یَدِیَ إِلَیْکَ لأقْتُلَکَ) (المائده/ ۲۸)، لم یکن عاجزاً عن مواجهه (الإنفعال) بـ(الإنفعال) و(السِّکین) بـ(السکِّین)، أو ربّما بالساطور أو السیف، وربّما حاول أن یثنی أخاه عن ارتکاب فعلته النکراء بالدفاع عن نفسه أیضاً، لکنّه کان أمام خیارین:
الأوّل: أن یواجه الغضب المتصاعد کألسنه اللّهب بأن یصب الزیت علیه لیستل هو الآخر سکِّیناً ویتقاتل مع أخیه على أمر لا یستوجب المقاتله، ولا یستدعی إراقه الدّم، وبالتالی یکون قد عامل أخاهُ بعقلیّه النفی التی رفضها فی حواره معه.
الثانی: أو أن یحکِّم عقله ویتحکّم بأعصابه لیکون الأقوى فی معرفه الانفعالات الهائجه حتى وإن کان هو الضحیه أو الذی سیغادر المسرح لیترک القاتل (بطلاً) فی نظر (القابیلیین) و(مُجرماً) فی نظر المتعاطفین إنسانیّاً مع قضیّه هابیل التی تُمثِّل البراءه المُعتدى علیها على طول التأریخ.
یقول (غاندی) صاحب مبدأ (اللاعُنف): "التّسامح من سمات الأقویاء"!!
إنّ الشاعر الذی قال عن إخوته وبنی عمومته:
فإن أکلوا لحمی وفرتُ لحومَهم **** وإن هدموا مَجْدی بَنیتُ لهُم مَجْدا
یُعبِّر عن حالتین أو مدرستین: مدرسه (التسامح) المتعالیه، ومدرسه (الإنتقام) المتسافله.. عن قابیل المُنتقِم القاتل، وعن هابیل المُتّزن العاقل.
 
– ماذا یمکن أن نکسب بالتسامح؟
الکثیر.
إنّنا، إذا امتلکنا روح التسامح، أشعنا جوّاً من الصفاء والموده بیننا وبین الآخرین، ولسنا بحاجه إلى استعراض ما تُسبِّبه العداوه والبغضاء والشنآن بین الناس من خسائر لا یمکن احصاؤها.
إنّنا، قد نقلب الطاوله للذین کانوا یناصبوننا العداء، فإذا هم أولیاء أو أقرب إلینا ممّا کنّا نتصوّر، وسیبیّن کیف أنّ ردّ الإساءه بالإحسان، قد قلبَ موازین القوى، وغیّر الکثیر ممّا کان یعتبر حالات صعبه، أو مستحیله التحوّل والإنقلاب.
إنّنا، بتسامحنا، نرتفع، ونرتقی، ونتسامى إلى الحاله (الیوسفیّه) أو (المحمدیّه) التی تعضُّ على الجراح، وتتعالى على موقف (التشفِّی)، وتنطلق لتتخلّق بأخلاق الله: العفو، الغفور، اللطیف، الرؤوف، الرحمن، الرحیم.
إنّ من یستطیع أن یُسامح یصلح أن یکون قائداً ربّانیّاً، نبیّاً، أو ولیّاً، أو مُعلِّماً، أو أباً صالحاً، أو مُصْلَحاً مؤثِّراً، أو حاکِماً رحیماً.
قُل لی: هل تستطیع أن تُسامح؟ وهل فعلتها مرّه أو مراراً، أقُل لک مَن أنتَ!
إنّ العفو والصفح والمسامحه من شِیَم النبلاء وأخلاق الکبار، وکبار القوم – عادهً – فی مواقفهم لا فی أعمارهم. یقول الشاعر:
ولا أحملُ الحِقْدَ القدیمَ علیهم **** فإن رئیس القَوْمِ لا یَحمِلُ الحِقدا
ویتّضح لنا أنّ التسامح سببٌ مهمّ من أسباب الصحّه النفسیه.. إنّه یُعزِّز أواصر الأخوّه والتلاحم الأسری، والتعایش السلمی بین الساسه والمواطنین وأشقّاء الأدیان.
یقول (جیرالد مامبولکس) فی کتابه (التسامح أقوى علاج على الإطلاق): "قوّه الحبّ والتسامح فی حیاتنا یمکن أن تصنع المُعجزات"! وصدقَ فیما قال.

Leave A Reply

Your email address will not be published.