المُسامحه من عزم الأمور
قال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِکَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) (الشورى/ ۴۳). عباره (عزم الأمور) إشاره إلى العمل الذی أمر الله تعالى به، ولا یمکن أن یُنسخ، وقیل إنّه من الأعمال التی یجب أن یشدّ الإنسان العزم لها. ومجیء (الصبر) قبل (الغفران) فی الآیه دلیل على أنّ العفو والغفران لا یمکن أن یحصلا بدون الصبر؛ لأنّه مع افتقاد الصبر یفقد الإنسان سیطرته على نفسه ویحاول الانتقام مهما کان، فالصّبر هو الآله التی ینجز بها فضیله (المُسامحه).
فالمُسامحه تتطلّب قوّه واقتداراً وتصمیماً (عزم الأمر) لانجازها، لأنّها لیست حلیه تُلبَس أو زینه یُتزیّن بها، بل هی (مَلَکَه) یجب أن تتوفّر فی سبیل استحصالها قوّهُ عزیمه واستشعارٌ واستحضارٌ لکل القِیَم التی تُشکِّل منظومه التسامح کقیمه کلِّیه أو شمولیه.
والتسامح من (عزم الأمر)؛ لأنّه ارتفاع بالموقف عن النوازع الذاتیه التی تُحرِّکها العوامل الغریزیه، واتِّصال العزم بالصبر والإراده لانتاج المُسامحه هو مقدّمه ضروریه، وبمعنى آخر، إذا أردنا أن نکون من حزب المصالحین، فلابدّ من تعلّم الصبر أوّلاً لنتمکّن من السیطره على النفس التوّاقه إلى الانتقام والمنازعه إلى حبّ التشفِّی فی حالات الشتم والإهانه والإساءه، فهی إن تُرکت على هواها داوت الألم النفسی بالهیاج النفسی، وإن تعاطت عقار الصبر عالجت ألمها بدون المشرط والسِّکِّین، فالعفو عند المقدره یتطلّب عقار (الصّبر).
یقول تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ یَغْفِرُونَ) (الشورى/ ۳۷).
وفی الحدیث والسیره: "ما انتقم النبی (ص) لنفسه قطّ، إلا أن تُنتهَک حُرمات الله"!
ولا تعارض أو تنافی بین هذا وبین قوله تعالى: (وَالَّذِینَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْیُ هُمْ یَنْتَصِرُونَ) (الشورى/ ۳۹). فلکلِّ آیه مجالها الحیوی الذی تتحرّک فیه، فالله تعالى یأبى الظلم البغی والطغیان والعدوان، ولذلک اعتبر الانتصار عند البغی واجباً وفضیله؛ لأنّ التذلّل لمَن بغى واستعلى وأفسد یتنافى مع عزّه المؤمنین.
یقول سیِّد الشهداء الإمام الحسین بن علی (ع) فی إبائه للضّیْم: "یأبى اللهُ لنا ذلک ورسوله والمؤمنون وحُجُورٌ طابَت وطَهُرَت وأنُوفٌ حمیّهٌ ونُفوسٌ أبیّهٌ أن نُؤْثِرَ طاعَهَ اللِّئامِ عَلى مَصارِعَ الکِرام"!
ویقول (الرازی) فی تفسیره: العفو قسمان:
الأوّل: أن یکون سبباً لتسکین الفتنه، وتهدئه النفوس، ورجوع الجانی عن جنایته، وهذا محمود، تُحمل علیه آیات العفو، مثل: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (البقره/ ۲۳۷). وهذا مرغوبٌ فیه داخل الأُمّه الواحده.
الثانی: أن یکون سبباً لتجرّؤ الظالم وتمادیه فی غیِّه واستضعافه الأُمّه، وهذا مذموم، تحُمل علیه آیات الحثّ على الانتقام، وهو واجب فی مقاومه العدوّ الخارجیّ، وعند اغتصاب الحقوق.
لقد کان رسول الله (ص) – کما کان أخوه یوسف (ع) من قبل – قادراً على الانتقام والفتک بقُریش، أو مؤاخذتهم، ومقابلتهم على صنیعهم المُخزی، لکنّه عفا عن أهل مکّه بعد فتحها لیُدشِّن عهداً جدیداً من الرحمه والتراحم والسِّلم والمُسالمه والصّفح والمُسامحه لیُعبِّد بذلک الطریق إلى بناء الدوله.
وعفا (ص) عن أولئک النّفر الثمانین الذین قصدوه عام الحُدیبیه، ونزلوا عن جبل التّنعیم، فلمّا قدر علیهم مَنّ علیهم بالعفو مع قدرته على الانتقام.
وعفا (ص) عن (غورث بن الحارث)، الذی أراد الفتک به حین اخترط سیفه (سیف النبی (ص)) وهو نائم، فاستیقظ (ص)، وسیفه فی یَدِ ابن الحارث مُصلتاً، فانتهرهُ فوقعَ من یدهِ السیف، فأخذه رسول الله (ص) وقال له: مَن یُنقِذکَ منِّی؟ فقال غورث: حِلْمُکَ یا رسول الله! فعفا عنه.
وعفا (ص) عن المرأه الیهودیه (زینب أخت مرحب الیهودی الخیریّ)، التی سمّت الذراع یوم خیبر، فدعاها فاعترفت، فقال (ص): ما حملکِ على هذا؟ قالت: أردتُ أن أعرف إن کنتَ نبیّاً لم یضرّک، وإن لم تکن نبیّاً استرحنا منک، فأطلقها (ص) على الرغم أنّه مات – بعد ذلک – من سُمِّها.
وخلاصه القول فی أنّ المُسامحه من (عزم الأمور) هو أنّ مَن یصبر على الأذى – إذا کان المُسیء مسلماً – وغفر له بأن ترکَ الانتصار (الانتقام منه) لوجه الله تعالى، کان صبره ومُسامحته من عزائم الله التی أمر بها، ومن عزائم الصواب التی وُفِّقَ لها.