کیف نستقبل شهر الله؟!

0

ولکن هذه المأدبه والمائده بحاجهٍ إِلَى تهیؤ قبل الاقتراب منها والجلوس علیها…
دعوه أئمّه الدین إِلَى التهیُّؤ لاستقبال شهر رمضان:
أکثرنا قبل حلول شهر رمضان یستذکر خطبه الرسول الأعظم صلّى الله علیه وآله فی آخر جمعهٍ من شهر شعبان، وهی خطبه غنیّه بالمعانی، ولکن نظراً لکثره تداولها سوف أتناول على نحو الاختصار دعوهً أخرى وارده على لسان حفید النبیّ المصطفى صلى الله علیه وآله، وهو الإِمام علیّ بن موسى الرضا علیه السلام بهذه المناسبه. 

روى الشَّیْخ الصدوق فِی عُیُونِ الْأَخْبَارِ عَنْ تَمِیمِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ تَمِیمٍ الْقُرَشِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِیٍّ الْأَنْصَارِیِّ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِیِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِی الْحَسَنِ عَلِیِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا علیه السلام فِی آخِرِ جُمُعَهٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ لِی یَا أَبَا الصَّلْتِ:
«إِنَّ شَعْبَانَ قَدْ مَضَى أَکْثَرُهُ وَهَذَا آخِرُ جُمُعَهٍ مِنْهُ فَتَدَارَکْ فِیمَا بَقِیَ مِنْهُ تَقْصِیرَکَ فِیمَا مَضَى مِنْهُ». 

هذا یعنی أنَّ الإنسان الَّذِی کان متمادیاً، ومعتدیاً على حدود الله سبحانه وتعالى طیله عام، علیه قبل أنْ یحضر شهر رمضان المبارک أنْ یتدارک تقصیره الَّذِی کان فیه طیله العام؛ ولیس ذلک إِلَّا لأنّ مائده الرحمه الإلهیه الممدوده فی هذا الشهر المبارک، لا یمکن أنْ یُستفاد منها الاستفاده الکامله إِلَّا لأُولئک الأشخاص الَّذِین تدارکوا ما کانوا قد قصّروا به. 

«وَعَلَیْکَ بِالْإِقْبَالِ عَلَى مَا یَعْنِیکَ وَتَرْکِ مَا لَا یَعْنِیکَ».
هذا یعنی أنَّ شهر الرحمه هو کذلک لمَن شغل أوقاته بالأُمور الهادفه التی تعنی الإنسان المؤمن الَّذِی ینطلق فی إیمانه من وعی، والذی یلتفت إِلَى أنَّ هذه الدنیا المحدوده بوقتها علیه أنْ یستغلّها فیما یرضى الله تعالى. 

ولکن للأسف الشدید نشاهد أنَّ شهر رمضان قد أصبح فی الدول العربیه هو الوقت المناسب لعرض حفلات الغناء والطرب والفسق والمجون، وأصبح الصائم یشغل یومه بمتابعه التلفاز، ویحیی لیله فی حفلات اللهو والمجون.
فهل هذا إقبال على ما یعنینا وترک لما لا یعنینا؟؟!!
«وَأَکْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتِلَاوَهِ الْقُرْآنِ».
کیف وشهر رمضان قد فُتِحت فیه أبواب الجنان، وأیّ شیءٍ أفضل من دعوهٍ تصدر من قلبٍ محترقٍ، واستغفار یجری على لسان تائب، وترتیل لکلمات الله تصدر من فمٍ مفعمٍ بالإخلاص…
«وَتُبْ إِلَى الله مِنْ ذُنُوبِکَ لِیُقْبِلَ شَهْرُ الله عَلَیْکَ وَأَنْتَ مُخْلِصٌ لِله عَزَّ وَجَلَّ». 

لکی لا یکون الصیام مجرّد جوع وعطش… بل عملیه تطهیر للنفس من شوائب الذنوب والخطایا التی ارتکبها الإنسان طیله العام…
«وَلَا تَدَعَنَّ أَمَانَهً فِی عُنُقِکَ إِلَّا أَدَّیْتَهَا».
إذ کیف یُعقل أنْ یستفید من مائده الرحمه الإلهیه فی شهر رمضان مَنْ یعتدی على حقوق الغیر وأماناتهم. 

ولیتوجّه هذا الخطاب إِلَى المشتغلین بالشأن العام فی الأُمّه الإسلامیه: حاولوا أنْ تؤدّوا أمانات الأُمه قبل حلول شهر الرحمه…
ولا ننسى أنَّ الأمانه الکبرى: هی فلسطین المغصوبه…
«وَلَا فِی قَلْبِکَ حِقْداً عَلَى مُؤْمِنٍ إِلَّا نَزَعْتَهُ». 

هل تتصوّروا أنْ یجلس جماعهٌ على سفره واحدهٍ فی هذا الشهر، وکل واحد من الجالسین یمتلأ قلبه حقداً على الآخر، فإنّ الرحمه لا تنزل على قلب فیه حقد وغلّ؛ ولذا نرى أنَّ القرآن الکریم یشیر إِلَى نزع الغلّ من قلوب أصحاب الجنّه قبل أنْ یدخلهم فیها، قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِی صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِینَ) [الحجر: ۴۷].
«وَلَا ذَنْباً أَنْتَ مُرْتَکِبُهُ إِلَّا أَقْلَعْتَ عَنْهُ».
لأنّ تعوید القلب على ما لا یرضى الله تعالى یکون سبباً لحجب الرحمه عنه.
«وَاتَّقِ الله وَتَوَکَّلْ عَلَیْهِ فِی سَرَائِرِکَ وَعَلَانِیَتِکَ وَمَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بٰالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّٰهُ لِکُلِّ شَیْ‌ءٍ قَدْراً».
وفی الختام لا یمضی شهر شعبان من دون أنْ نتذکر قوله علیه السلام:
«وَأَکْثِرْ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِیمَا بَقِیَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ: اللَّهُمَّ إِنْ لَمْ تَکُنْ غَفَرْتَ لَنَا فِیمَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ فَاغْفِرْ لَنَا فِیمَا بَقِیَ‌ مِنْهُ فَإِنَّ الله تَبَارَکَ وَتَعَالَى یُعْتِقُ فِی هَذَا الشَّهْرِ رِقَاباً مِنَ النَّارِ لِحُرْمَهِ شَهْرِ رَمَضَانَ»…
والحمد لله رب العالمین…

Leave A Reply

Your email address will not be published.