الإمام الرضا علیه السلام عند أهل السُّنّه
وقد اعترفوا بقضاء الحوائج عند الإمام الرضا علیه السلام والتوسّل به إلى الله تعالى، وهو مجرَّب، بحیث إنّ محمّد بن علی بن سهل ـ وهو من فقهاء المذهب الشافعی ـ قال فیه: ما عرض لی مهمّ مِن أمر الدین والدنیا فقصدتُ قبر الرضا لتلک الحاجه ودعوتُ عند القبر، إلاّ قُضِیَت تلک الحاجه وفَرّج الله عنّی ذلک المهمّ، وقد صارت إلیّ هذه العاده أن أخرج إلى ذلک المشهد فی جمیع ما یعرض لی؛ فإنّه عندی مجرَّب. ( فرائد السمطین ۲۲۰:۲ ).
ولا ینسى التاریخ ما کتبه ابن حِبّان البستی الشافعی فی ( الثّقات ۴۲۶:۸ ) حیث قال: قد زرتُه مراراً کثیره، وما حَلَّت بی شدّه فی وقت مُقامی بطوس فزرتُ قبر علیّ بن موسى الرضا ـ صلوات الله على جَدّه وعلیه ـ، ودعوتُ الله إزالتَها عنّی، إلاّ استُجیبت لی وزالت عنّی تلک الشدّه، وهذا جرّبتُه مراراً فوجدتُه کذلک.
ویعود الشیخ نجم الدین الطبسی فیقول: وتُعَدّ هذه الحقائق وما اعترف بها کبار علماء أهل السنّه شاهداً على زیف آراء الرادّین على عقیده التوسّل والتبرّک، والزیاره والاستغاثه بقبور أئمّه أهل البیت علیهم السلام وقبور الصالحین، والأولیاء المؤمنین، بینما قرأنا اعترافات علماء السنّه بالزیاره والتوسّل والتبرّک قبل تشکیکات ابن تیمیه بـ ( ۲۰۰ ) سنه و ( ۳۰۰ ) سنه، وبعضها قبل ظهور فرقه التضلیل بـ ( ۸۰۰ ) سنه.
وقد تعرّض هذا الکتاب إلى بیان المواقف الإیجابیه عند أهل السنّه ومذاهبهم تجاه الإمام الرضا علیه السلام، والرؤى المنصفه نوعاً ما حیاله، مستفیداً من عشرات المصادر المهمّه، والکتب المراجع لهذه المذاهب، من خلال بحثٍ ودراسهٍ واسعه النطاق وبأسلوبٍ یُقنع القارئ الباحث حول أصاله الولاء لأهل البیت علیهم السلام، وأنّ مِن دواعی هذا الولاء، بل مِن دواعی محبّه رسول الله صلّى الله علیه وآله، زیارهَ قبورهم، وإحیاء أمرهم.
وکفانا عِلمُنا أنّ أبا زُرعه الرازی ومحمّد بن أسلم الطوسی قد خرجا لاستقبال الإمام الرضا علیه السلام فی نَیسابور مع ( ۰۰۰ / ۲۰ ) شخص، وقد وصف حالَهم الحاکم النیسابوری الشافعی فقال: وهم بین صارخٍ وباکٍ، ومتمرّغٍ فی التراب، ومُقبِّلٍ لحافر بغلته، وقد علا الضجیج! ( الفصول المهمّه فی معرفه الأئمّه، لابن الصبّاغ المالکی:۲۴۲ ).
أمّا المقدّمه الثانیه ـ فهی للشیخ الطبسی المؤلّف، وقد قال فیها: الإمام علیّ بن موسى الرضا علیه السلام هو ابن رسول الله صلّى الله علیه وآله، وهو ثامن أئمّه الحقّ خلفاءِ نبیّ الله صلّى الله علیه وآله، وهو إلى ذلک حقیقهٌ نورانیه ساطعه، ظهر کثیر من برکاته على المذهب الشیعی، وبعضها على المذاهب السنیّه، بحیث أصبح أتباعها یلهجون بالثناء على الإمام ومدحه وتمجیده.
وقد دوّن علماؤهم ذلک فی مؤلّفاتهم، ولو أنّ ما دوّنوه من فضائل عالِم آل محمّدٍ صلّى الله علیه وعلیهم لم یبیّن مکانته الحقیقیّه، وإنّما کان ذلک اعترافاً منهم وفق رُؤاهم ومستوى فهمهم لهذا الإمام الهمام. وقد عبّرت مواقف بعض علماء أهل السنّه وأقوالهم عن الإقرار بشیءٍ من الحقیقه النورانیه للإمام الرضا علیه السلام فی حیاته وبعد شهادته، لذلک کانت هنالک ضرورهٌ فی جمع هذا التراث وتصنیفه، على الرغم من کثیرٍ ممّا اکتنفه من النقص واللاموضوعیّه.
بعد هذا یقول المؤلّف تحت عنوانٍ جانبی: ضروره هذه الدراسه: ـ هنالک أربعه دوافع مهمّه وراء تدوین هذا الکتاب، وهی:
ـ تزاید زوّار العتبه الملکوتیّه للإمام الرضا علیه السلام من قریبٍ وبعید، ومن کلّ مذهبٍ وطائفه، مع عدم وضوح رأی أهل السنّه تجاه الإمام الرضا علیه السلام، ومع تشتّت الآراء حوله علیه السلام، لا سیّما وقد غزتهم التشکیکات الضالّه المضلّه المحذّره من التعرّف على أهل بیت النبیّ صلّى الله علیه وآله، فضلاً عن زیاره قبورهم الطاهره، ومنها قبر الإمام علیّ الرضا سلام الله علیه:
ثمّ کتب المؤلّف صفحات تحت هذه العناوین الفرعیّه.
أهداف الدراسه، الدراسات السابقه ( ۱۵ کتاباً نموذجاً )، هذا الکتاب ( عرض مواضیعه فی سبعه فصول )، تنبیهات:وهی ثلاث:
الأولى: المقصود من أهل السنّه فی هذا الکتاب غالباً علماء وأتباع المذاهب: الحنفی والشافعی والمالکی والحنبلی والظاهری. وقد نقلنا من آرائهم تلک التی ظهرت منذ القرن الهجری الثانی إلى یومنا هذا.
الثانیه: إنّ منهج دراستنا هذه لیس توصیفیّاً ( استعراضیّاً )، ولا تحلیلیّاً بحتاً، بل هو جامع للأسلوبینِ معاً.
التنبیهه الثالثه: هی أن بحوث هذا الکتاب اعتمدت على أکثر من ( ۲۰۰ ) مصدر من مصادر أهل السنّه مباشرهً، إلاّ فی حالاتٍ خاصّهٍ لم نجد فیها سبیلاً للوصول إلى النُّسخ الأصلیّه؛ إمّا لکونها خطیّه أو غیر موجوده أساساً ( مفقوده )، فنقَلْنا عنها بواسطه المصادر الأخرى.
إلى الکتاب فی فصوله السبعه:
الأوّل: حول حیاه الإمام الرضا علیه السلام: ـ نسبه المبارک، اسمه وکنیته ولقبه « الرضا » ومَن الذی لقّبه به، والده الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام، مولده، شهادته أولاده.
الثانی: شخصیّه الإمام الرضا علیه السلام: مکانته الروائیه من وجهه نظر أهل السنّه، منزلته فی کلام الرسول الأعظم صلّى الله علیه وآله وسلّم، مکانته فی کلام أهل السنّه، سؤالان بدون إجابه!
أ. إذا کان للإمام الرضا علیه السلام عند أهل السنّه ذلک المقام الروحی والعلمی والعرفانی والاجتماعی الجلیل، فلماذا لا توجد له فی صحاحهم حتّى روایه واحده فی مجالات: الفقه والتفسیر وغیرهما ؟!
ب. لقد عاش فی زمان الإمام الرضا علیه السلام کبار علماء أهل السنّه، مثل: مالک ابن أنس ـ صاحب المذهب ـ ( ت ۱۹۰ هـ )، وابن عیّاش ( ت ۱۹۳ هـ )، وأبو یعقوب یوسف بن أسباط ( ت ۱۹۵ هـ )، وسفیان بن عُیَینه ( ت ۱۹۸ هـ )، ومحمّد بن إدریس الشافعی ـ صاحب المذهب ـ ( ت ۲۰۴ هـ )، وأبو داود الطیالسی ـ صاحب المسند ـ ( ت ۲۰۷ هـ )، وغیرهم عشرات من الرواه والمحدّثین والفقهاء المعروفین، فلماذا لم ینقل عنه أیُّ واحدٍ من هؤلاء أیَّ روایه ولا أیَّ سؤالٍ فقهی ؟! ولماذا لم یکن بینهم وبین الإمام أیُّ تواصل ؟! والذهبی الشافعیّ یکتب: أفتى علیّ بن موسى الرضا وهو شابّ فی أیّام مالک بن أنس… وکان علیّ بن موسى الرضا مِن أئمّه الأمصار.
الفصل الثالث: روایات الإمام علیّ بن موسى الرضا علیه السلام، والتی رواها علماء السنّه عن رُواتهم:
أ. روایه سلسله الذهب ( روایه الحِصن، روایه الإیمان، وحده روایات الحِصن والإیمان ).
ب. قدوم الإمام إلى نیسابور ومواقف علماء السنه، والناس معه.
ج. روایات أخرى. وقد طال هذا الفصل إلى أکثر من ( ۸۰ ) صفحه.
الرابع: إمامته علیه السلام: ـ معنى الإمام، والنصوص الدالّه على إمامه علیّ بن موسى الرضا علیه السلام عند علماء أهل السنّه! وقد أورد أربعهً منها عند:
۱ ـ المسعودی الشافعی: فی کتابه ( إثبات الوصیّه:۱۷۰ ).
۲ ـ ابن الصبّاغ المالکی: فی کتابه ( الفصول المهمّه فی معرفه أحوال الأئمّه ـ علیهم السلام ـ:۲۴۳ ـ ۲۴۴ )، وقد أورد روایتین فی إمامته علیه السلام.
۳ ـ محمّد الخواجه بارسا البخاری الحنفی: فی کتابه ( فصل الخطاب لوصل الأحباب ـ عنه: ینابیع المودّه لذوی القربى للشیخ سلیمان القُندوزی الحنفی ۱۶۶:۳ ـ الفصل ۶۵ ).
۴ ـ القاضی بهجت أفندی الشافعی: قال ـ آخِذاً هذه الروایه بنظر الاعتبار: کان الإمام الرضا علیه السلام ـ وهو أکبر أولاد الإمام موسى الکاظم علیه السلام ـ الإمامَ حسب وصیّته علیه السلام.
الخامس: تعلّق هذا الفصل بموضوع ولایه العهد، وقد تشعّب على نحو ثلاثه أسئله هی:
۱ ـ مَن اقترح التنازل عن الحکم واستحداث ولایه العهد: أهو المأمون، أم الفضل بن سهل؟
۲ ـ أکان المأمون صادقاً فی تنازل عن الحکم، أو فی تنصیب الإمام علیه السلام لولایه العهد ؟
۳ ـ ما هی ردود فعل الإمام الرضا علیه السلام فی مقابل اقتراحات المأمون ؟
السادس: حول کرامات الإمام الرضا علیه السلام: ـ ما هی آراء أهل السنّه حول هذه الکرامات ؟ ثمّ عرض المؤلف جملهً منها من طریق أهل السنّه.
الفصل السابع: والأخیر ـ: وعنوان: زیارته علیه السلام فی أربعه محاور:
• فضل زیارته علیه السلام.
• مشهد الإمام الرضا علیه السلام.
• زیارات علماء أهل السنّه والجمهور لمشهد الإمام الرضا علیه السلام.
• وتوسّلاتهم بالإمام علیه السلام ولواذهم بعتبته الشریفه.
• ثمّ تأتی الخاتمه، تعقبها فهارس: للآیات الکریمه، والأحادیث الشریفه، وفهرس عامّ، وفهرس للأشعار، ثمّ فهرس للمصادر، بعده فهرس للمحتویات.
وینتهی الکتاب
بالصفحه ( ۳۲۰ )، ولا تنتهی فضائل الإمام الرضا علیه السلام، ولا تنقطع أنواره الإلهیّه، فهی تشرق هنا وهناک، وقد یتعجّب القارئ: أکلُّ هذا من کتب علماء أهل السنّه، وعندهم ؟! وبعد هذا التعجّب المتسائل تتوافد على العقل هذه التساؤلات أیضاً:
ـ ألیس ذلک حُجّهً علیهم وقد صدرت منهم هذه الإقرارات الواضحه الصریحه بإمامه الرضا علیّ بن موسى وأفضلیّته علیه السلام ؟!
ـ ولماذا لم تُروَّج وتُعلن هذه الإقرارات الیوم فی کتبهم، ومِن على منابرهم ؟ وهل الخَلَف، قد تنکّروا لآراء السَّلف ؟!
لقد جاء الشیخ محمّد محسن الطبسیّ بأسلوبٍ جمیل ومنهجٍ علمیّ، ألزمَ بهما القومَ الحجّه من جهه، وبدّد التصوّر الخاطئ الذی یقول بأنّ علماء السنّه کلّهم غیر منصفین، وغیر مُقرّین بفضائل أهل البیت وأفضلیّتهم على الصحابه والتابعین.
فکانت المبادره مِن قِبل الشیخ المؤلّف موفّقهً وناجحه، ومُلزِمهً أیضاً، وقد اتّسمت فی بعض جوانبها بالابتکار. ولکن، تحتاج هذه المبادره إلى مُضیٍّ واستمرار فی عرض فضائل أهل البیت علیهم السلام جمیعاً عند علماء السنّه.
هذا ما ننتظره، والله الموفّق للمؤمنین المخلصین.