التمایز بین الجنسین

0

 
 وحدد قیم المرأه ومنزلتها من الرجل تحدیداً عادلاً حکیماً . فهو یساوی بینهما وبین الرجل فیما تقتضیه الحکمه والصواب ، ویفرق بینهما فی بعض الحقوق وبعض الواجبات والأحکام ، حیث یجدر التفریق ویحسن التمایز نظراً لاخلاف خصائصهما ومسؤولیاتهما فی مجالات الحیاه .  وهو فی هذا وذاک یستهدف الحکمه والصلاح ، والتقییم العادل لطبائع البشر وخصائصهم الأصیله . فلم یکن فی تمییزه الرجل فی بعض الأحکام لیستهین بالمرأه أو یبخس حقوقها ، وإنما أراد أن یحقق العدل ، ویمنح کلاً منهما ما یستحقه ویلائم کفاءته وتکالیفه .  وسنبحث فی المواضیع التالیه أهم مواطن التفریق والتمایز بین الرجل والمرأه ، لنستجلی حکمه التشریع الإسلامی وسمو مبادئه فی ذلک . 
۱ ـ القوامه : 
 الأسره هی الخلیه الأولى ، التی انبثقت منها الخلایا الاجتماعیه العدیده والمجتمع الصغیر الذی نما واتسع منه المجتمع العام الکبیر .  ومن الثابت أن کل مجتمع ـ ولو کان صغیراً ـ لا بد له من راع کفؤ یرعى شؤونه ، وینظم حیاته ، ویسعى جاهداً فی رقیه وازدهاره .  لذلک کان لا بد للأسره من راع وقیم ، یسوسها بحسن التنظیم والتوجیه ویوفر لها وسائل العیش الکریم ، ویحوطها بالعزه والمنعه ، وتلک مهمه خطیره تستلزم الحنکه والدربه ، وقوه الإراده ، ووفره التجربه فی حقول الحیاه .  فأی شخصین الرجل أو المرأه أحق برعایه الأسره والقوامه علیها ؟  إن الرجل بحکم خصائصه ومؤهلاته أکثر خبرهً وحذقاً فی شؤون الحیاه من المرأه ، وأکفأ منها على حمایه الأسره ورعایتها أدبیاً ومادیاً ، وأشد قوه وجلداً على تحقیق وسائل العیش ومستلزمات الحیاه . لذلک کان هو أحق برعایه الأسره والقوامه علیها . وهذا ما قرره الدستور الإسلامی الخالد «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ، وبما أنفقوا من أموالهم» (النساء : ۳۴) .  ولیس معنى القوامه هو التحکم بالأسره وسیاستها بالقسوه والعنف ، فذلک مناف لأخلاق الإسلام وآدابه . والقوامه الحقه هی التی ترتکز على التفاهم والتآزر والتجاوب الفکری والعاطفی بین راعی الأسره ورعیته .  «ولهن مثل الذی علیهن بالمعروف ، وللرجال علیهن درجه» (البقره : ۲۲۸) .  أما المرأه فإنها بحکم أنوثتها ، رقیقه العاطفه ، مرهفه الحس ، سریعه التأثر ، تتغلب عواطفها على عقلها ومشاعرها . وذلک ما یؤهلها لأداء رساله الأمومه ، ووظائفها المستلزمه لتلک الخلال ، ویقصیها عن مرکز القیاده فی الأٍسره الذی یتطلب الحنکه ، واتزان العواطف ، وقوه الجلد والحزم ، المتوفره فی الرجل ، وهذا ما یؤثره علیها فی رعایه الأسره والقوامه علیها .  هذا إلى أن المرأه السویه بحکم أنوثتها تستخف بالزوج المائع الرخو ، وتکبره إذا کان ذا شخصیه قویه جذابیه ، تستشعر فی ظلال رجولته مفاهیم العزه والمنعه ، وترتاح إلى حسن رعایته وتدبیره . 
 2 ـ إیثار الرجل على المرأه فی الإرث : 
 وهکذا قضت حکمه التشریع الإسلامی أن تؤثر الرجل على المرأه ، بضعف نصیبها من الإرث ، مما حسبه المغفلون انتقاصاً لکرامه المرأه وبخساً لحقولها .  لا . . . . لم یکن الإسلام لیستهین بالمرأه أو یبخس حقوقها ، وهو الذی أعزها ومنحها حقوقها الأدبیه والمادیه ، وإنما ضاعف نصیب الرجل علیها فی الإرث تحقیقاً للعدل والإنصاف ، ونظراً لتکالیفه ومسؤولیاته الجسیمه .  فالرجل مکلف بالإنفاق على زوجته وأسرته وتوفیر ما تحتاجه من طعام وکساء وسکن ، وتعلیم وتطبیب ، والمرأه معفوه من کل ذلک . وکذلک هو مسؤول عن حمایه الإسلام والجهاد فی نصرته ، والمرأه غیر مکلفه به . والرجل مکلف بالإسهام فی دیه العاقله ونحوها من الالتزامات الاجتماعیه ، والمرأه معفاه منها .  وعلى ضوء هذه الموازنه بین الجهد والجزاء ، نجد أن من العدل والإنصاف تفوق الرجل على المرأه فی الإرث ، وأنها أسعد حالاً ، واوفر نصیباً منه ، لتکالیفه الأٍسریه والاجتماعیه ، التی هی غیر مسؤوله عنها . وهذا ما شرعه الإسلام «للذکر مثل حظ الانثیین» (النساء : ۱۱) على ان تفضیل الرجل على المرأه فی الإرث لا یعم حقوقها الملکیه ، وأموالها المکتسبه ، فإنها والرجل سیان ، ولا یحق له أن یبتز فلساً واحداً منها إلا برضاها وإذنها . 
۳ ـ الشهاده : 
 وهکذا تجلت حکمه التشریع الإسلامی فی تقییم شهاده المرأه ، واعتبار شهاده امرأتین بشهاده رجل واحد . وقد أراد الإسلام بهذا الإجراء أن یصون شهاده المرأه عن التزویر والافتراء ، لیحفظ حقوق المتخاصمین عن البخس والضیاع .  فالمرأه سرعان ما تستبد بها عواطفها الجیاشه ، وشعورها المرهف ، وانفعالها السریع ، فتزیغ عن العدل ، وتتناسى الحق والواجب ، متأثره بنوازعها نحو أحد المتداعیین ، قریباً لها أو عزیزاً علیها ، وتفادیاً من ذلک ، قرن الإسلام بین المرأتین فی الشهاده ، لتکون إحداهما مذکره للأخرى ورداعه لها عن الزیغ والممالاه «واستشهدوا شهیدین من رجالکم ، فإن لم یکونا رجلین فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ، أن تضل إحداهما فتذکر إحداهما الأخرى» (البقره : ۲۸۲) .  هذا إلى أن الطب الحدیث قد اکتشف أن بعض النساء إبان عادتهن الشهریه ، قد تضعف طاقاتهن الذهنیه ویغدون آنذاک مظنه للنسیان ، کما أوضحته التقاریر السالفه ، فی بحث المساواه (۱) . ــــــــــــــــــــــــــــــــ (۱) انظر ص ۴۸۶ من هذا الکتاب (قول الطبیب جب هارد) .   وهذا ما یؤید ضروره اقتران امرأتین فی الشهاده ، إذ باقترانهما وتذکیر إحداهما للأخرى یتجلى الحق ویتضح الواقع .
۴ ـ تعدد الزوجات : 
 وما فتیء أعداء الإسلام یشنون الحملات الظالمه على الدین الإسلامی وشریعته الغراء ، فی صور من النقد اللاذع ، والتندید الرخیص ، الکاشف عن حقدهم وکیدهم للإسلام .  فمن ذلک تشنیعهم على الإسلام بإباحته تعدد الزوجات ، وأنها على زعمهم اضرار بالزوجه وإرباک لحیاتها .  وقد جهل الناقدون أو تجاهلوا أن الإسلام لم یکن المشرع الأول بذلک ، فقد شرعته الأدیان السماویه والقوانین الوضعیه قبل الإسلام بآماد وقرون مدیده .  «فلا حجر على تعدد الزوجات فی شریعه قدیمه سبقت التوراه والإنجیل ، ولا حجر على تعدد الزوجات فی التوراه أو فی الإنجیل ، بل هو مباح مأثور عن الأنبیاء أنفسهم ، من عهد إبراهیم الخلیل إلى عهد المیلاد . ولم یرد فی الإنجیل نص واحد یحرم ما أباحه العهد القدیم للآباء والأنبیاء ، ولمن دونهم من الخاصه والعامه . وما ورد فی الإنجیل یشیر إلى الإباحه فی جمیع الحالات ، والاستثناء فی حاله واحده ، وهی : حاله الأسقف حین لا یطیق الرهبانیه فیقع بزوجه واحده اکتفاء بأهون الشرور . . .  وقال (وسترمارک) العالم الثقه فی تاریخ الزواج : أن تعدد الزوجات باعتراف الکنیسه بقی إلى القرن السابع عشر ، وکان یتکرر کثیراً فی الحالات التی لا تحصیها الکنیسه والدوله . . .  فالإسلام لم یأت ببدعه فیما أباح من تعدد الزوجات ، وإنما الجدید الذی أتى به : أنه أصلح ما أفسدته الفوضى من هذه الإباحه ، المطلقه من کل قید ، وانه حسب حساب الضرورات التی لا یغفل عنها الشارع الحکیم ، فلم یحرم أمراً قد تدعو إلیه الضروره الحازبه . ویجوز أن تکون إباحته خیر من تحریمه فی بعض ظروف الأسره ، أو بعض الظروف الاجتماعیه العامه» (1) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (۱) عن کتاب حقائق الإسلام ، للأستاذ العقاد ، بتصرف . 
 إن الذین استنکروا إباحه تعدد الزوجات فی التشریع الإسلامی ، قد مارسوه فعلاً بطرق الغوایه والعلاقات الأثیمه بالخلیلات والعشقیات ، وتجاهلوا واقعهم السیء وتحللهم من القیم الأخلاقیه ، کأنما یحلو لهم أن یتنکبوا النهج السوی المشروع ، ویتعسفوا الطرق الموبوءه بالفساد .  ولو أنهم فکروا وأمنعوا النظر بتجرد وإنصاف فی حکمه ذلک التشریع الإسلامی ، لأیقنوا أنه العلاج الوحید لحل المشاکل والأزمات التی قد تنتاب الفرد وتنتاب المجتمع ویصلحها إصلاحاً فریداً لا بدیل له ولا محیص عنه .  
أ ـ المبررات : 
 ونستطیع أن نستجلی أهداف الشریعه الإسلامیه فی تعدد الزوجات على ضوء المبررات التالیه :  1 ـ قد تمرض الزوجه جسمیاً أو عقلیاً ، وتعجز آنذاک عن آداء رسالتها الزوجیه ، ولا تستطیع تلبیه رغبات الزوج ، ورعایه الأسره والأبناء ، مما یفضی بهم إلى القلق والتسیب .  ولا ریب أنها أزمه خانقه تستدعی العلاج الحاسم الحکیم ، وهو لا یخلوا من فروض ثلاثه :  أ ـ إما أن یترک الزوج هملاً یعانی مراره الحرمان من حقوقه الزوجیه ، ویغدو عرضه للتردی فی مهاوی الرذیله والإثم ، وتترک الأسره کذلک نهباً للفوضى والتبعثر . وهذا إجحاف بالزوج والأسره ، وإهدار لحقوقهما معاً .  ب ـ واما أن یتخلص الزوج من زوجته المریضه بالطلاق ، والتخلی عنها ، ویدعها تقاسی شدائد المرض ووحشه النبذ والانفراد ، وهذا ما یأباه الوجدان لمنافاته مبادیء الإنسانیه وسجایا النبل والوفاء .  ج ـ وإما أن یتسرى الزوج على زوجه المریضه ، متخذاً زوجه أخرى تلبى رغباته ، وتلم شعث الأسره ، وتحیط الأولى بحسن الرعایه واللطف ، وهذا هو أفضل الحلول وأقربها إلى الرشد والصواب .  2 ـ وقد تکون الزوجه عقیمه محرومه من نعمه النسل والإنجاب ، فماذا یصنع الزوج والحاله هذه ، أیظل محروماً من الأبناء یتحرق شوقاً إلیهم ، وتلهفاً علیهم مستجیباً لغریزه الأبوه ووخزها الملح فی النفس . فإن هو صبر على ذلک الحرمان آثراً هوى زوجته على هواه ، فذلک نبل وتضحیه وإیثار . أو یتسرى علیها بأخرى تنجب له أبناءً یملؤون فراغه النفسی ، ویکونون له قره عین وسلوه فؤاد . وهذا هو منطق الفطره والغریزه الذی لا یحید عنه إلا نفر قلیل من الناس .  3 ـ والنساء ـ فی الغالب ـ أوفر عدداً وأکثر نفوساً من الرجال ، وذلک لأمرین :  أ ـ ان الرجال أکثر تعرضاً لأخطار العمل وأحداث الوفاه من النساء ،لممارستهم الأعمال الشاقه الخطیره ، المؤدیه إلى ذلک ، کالمعامل والمناجم والمطافی ونحوها ، مما یسبب تلفهم وقتلهم عن النساء .  أضف إلى ذلک ، أن الرجال أضعف مناعه من النساء وأکثر إصابه بعدوى الأوبئه والامراض ، مما یجعلهم اقل عددا منهن «ویعزوا علماء الحیاه ذلک الى ما تتمیز به المرأه على الرجل بدنیاً . وإلى أن الأمراض کلها تقریباً تهلک من الرجال أکثر مما تهلک من النساء ، ولذا فإن فی الولایات المتحده فی الوقت الحاضر (۷,۷۰۰,۰۰۰ أرمله) ، ویتنبأ مکتب التعداد الأمریکی بأن هذه الفئه سیرتفع عددها فی أمریکا بمعدل ملیونین کل ۱۰ سنین .  وان الدکتوره (ماریون لانجر) العالمه الاجتماعیه المتخصصه فی استشارات الزواج تقول : أن لدى المجتمع حلین ممکنین فقط لتغطیه النقص المتزاید فی الرجال أما تعدد الزوجات ، أو إیجاد طریقه ما لإطاله أعمار الرجال . . . » (1) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) الإسلام والعلم الحدیث ، عن مجله المختار (عدد فبرایر ۱۹۵۸) .  
ب ـ الحروب : 
 فإنها تفنی أعداداً ضخمه من الرجال وتسبب هبوط نسبتهم عن النساء هبوطاً مریعاً . فقد کان المصابون فی الحرب العالمیه الأولى (واحداً وعشرین ملیون نسمه) بین قتیل وجریح . وکانت ضحایا الحرب العالمیه الثانی (خمسین ملیون نسمه) .  وقد أحدث ذلک فراغاً کبیراً فی صفوف الرجال وأثار أزمه عالمیه تستدعی العلاج الحاسم الناجع .  أما الأمم الغربیه ، فقد وقفت إزاء هذه الأزمه موقف العاجز الحائر فی علاجها وملافاتها . . . لمنعها تعدد الزوجات ، فراحت تعاجله عن طریق الفساد الخلقی ، مما دنسها وأشاع فیها البغاء وکثره اللقطاء ، وعمتها الفوضى الأخلاقیه .  وأما الإسلام ، فقد عالج ذلک علاجاً فذاً فریداً یلائم الفطر البشریه ، ومقتضیات الظروف والحالات . حیث أباح التعدد وقایه للفرد والمجتمع من تلک المآسی التی عانتها الأمم المحرمه له ، «فانکحوا ما طاب لکم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحده» (النساء : ۳) .  وحین شرع الإسلام التعدد لم یطلقه ارسالاً وجزافاً ، فقد اشترط فیه العدل والمساواه بین الأزواج صیانه لحقوق المرأه وکرامتها .  بید أن ذلک العدل مشروط فی مستلزمات الحیاه المادیه ، کالمطعم والملبس والمسکن ، ونحوها من المآرب الحسیه المتاحه للإنسان ، والداخله فی نطاق وسعه وقدرته .  أما النواحی الوجدانیه والعاطفیه ، کالحب والمیل النفسی ، فإنها خارجه عن طوق الإنسان ، ولا یستطیع العدل فیها والمساواه ، لوهنه إزاء سلطانها الآسر ، «ولن تستطیعوا أن تعدلوا بین النساء ولو حرصتم» (النساء : ۱۲۹) .  وقد یعترض البعض أن المرأه الغربیه قادره على ممارسه الأعمال وکسب المعاش ، فهی غنیه عن الزواج .  وهو زعم باطل یکذبه واقع الفطره الإنسانیه وغرائزها الراسخه فی النفس . فحاجه المرأه إلى الرجل لیست مقصوره على المآرب المادیه فحسب ، وإنما هی حاجه نفسیه ملحه تستکمل به کیانها وتشعر بوجودها کحاجه الرجل إلیها على سواء .  4 ـ ومن مبررات التعدد أنه قد یتصف بعض الرجال بطاقه جنسیه عارمه ، تتطلب المزید من التنفیس والإفضاء وتستدعی الأزواج ، فإن تیسر له ذلک ، وإلا نفس عن طاقته بالدعاره والفساد ، کما حدث ذلک فی الأمم التی حرمت التعدد المشروع ، فابتلت بالتعدد الموبوء من الخلیلات والعشیقات .

Leave A Reply

Your email address will not be published.