حقوق الأصدقاء
من أجل ذلک کان الإنسان تواقاً إلى اتخاذ الخلان والأصدقاء ، لیکونوا له سنداً وسلواناً ، یسرون عنه الهموم ویخففون عنه المتاعب ، ویشاطرونه السراء والضراء .
وقد تضافرت دلائل العقل والنقل على فضل الأصدقاء والترغیب فیهم ، وإلیک طرفاً منها :
قال أمیر المؤمنین (ع) فی حدیث له : «علیک بأخوان الصدق ، فأکثر من اکتسابهم ، فإنهم عده عند الرخاء ، وجنه عند البلاء» (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سفینه البحار ج ۱ ص ۵۱۶ عن الکافی .
(۲) البحار کتاب العشره ص ۵۱ عن أمالی الشیخ الصدوق .
وقال الصادق (ع) : «لقد عظمت منزله الصدیق حتى أن أهل النار یستغیثون به ویدعونه قبل القریب الحمیم» .
قال الله سبحانه مخبراً عنهم : «فما لنا من شافعین ولا صدیق حمیم» (1) (الشعراء : ۱۰۰ ـ ۱۰۱) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) البحار کتاب العشره ص ۵۱ عن أمالی ابن الشیخ الطوسی .
وقال بعض الحکماء :
إن أخوان الصدق هم خیر مکاسب الدنیا، زینه فی الرخاء، وعده فی الشده، ومعونه على خیر المعاش والمعاد .
وقیل لحکیم : أیما أحب إلیک ، أخوک أم صدیقک ؟
فقال : إنما احب اخی إذا کان صدیقاً لی .
واقع الصداقه والأصدقاء
قد یحسب الناس أن الصدیق هو من یحسن مجاملتهم ویظهر البشاشه والتودد إلیهم ، ویعتبرونه خلاً وفیاً وصدیقاً حمیماً ، فإذا اختبروه فی واقعه اسفر عن صدیق مزیف ، وخل مخادع عاطل من خلال الصداقه الحقه وواقعها الأصیل .
ومن هنا کثرت شکایات الأدباء قدیماً وحدیثاً من تنکر الأصدقاء وجفائهم وخذلانهم رغم ما یکنونه لهم من حب وإخلاص .
وأغلب الظن أن سبب تلک المأساه أمران :
الأول : الجهل بواقع الصداقه والأصدقاء وعدم التمییز بین الخصائص وخلال الواقعیین من المزیفین منهم .
الثانی : اتصاف أغلب الأصدقاء بنقاط الضعف الشائعه فی الأوساط الاجتماعیه من التلون والخداع وعدم الوفاء التی سرعان ما یکشفهما محک الاختبار . وقد أوضح أمیر المؤمنین (ع) واقع الأصدقاء وابعاد صداقتهم فیما رواه أبو جعفر الباقر (ع) فقال : «قام رجل بالبصره إلى أمیر المؤمنین (ع) فقال : یا أمیر المؤمنین أخبرنا عن الأخوان .
فقال (ع) : الأخوان صنفان : أخوان الثقه ، وأخوان المکاشره .
فأما أخوان الثقه : فهم الکف والجناح ، والأهل والمال ، فإذا کنت من أخیک على حد الثقه ، فابذل له مالک ، وبدنک ، وصاف من صافاه وعاد من عاداه ، واکتم سره وعیبه ، واظهر منه الحسن ، واعلم أیها السائل أنه أقل من الکبریت الأحمر .
وأما أخوان المکاشره : فإنک تصیب لذتک منهم ، فلا تقطعن ذلک منهم ، ولا تطلبن ما وراء ذلک من ضمیرهم ، وابذل لهم ما بذلوا لک من طلاقه الوجه ، وحلاوه اللسان» (1) .
وقال الصادق (ع) : «لا تکون الصداقه إلا بحدودها ، فمن کانت فیه هذه الحدود أو شیء منها فانسبه إلى الصداقه ، ومن لم یکن فیه شیء منها ، فلا تنسبه إلى شیء من الصداقه :
فأولها : ان تکون سریرته وعلانیته لک واحده .
والثانیه : أن یرى زینک زینه وشینک شینه .
والثالثه : أن لا تغیره علیک ولایه ولا مال .
والرابعه : أن لا یمنعک شیئاً تناله مقدرته .
والخامسه : وهی تجمع هذه الخصال أن لا یسلمک عند النکبات» (2) .
وقال بعض الحکماء : المودات ثلاث :
موده فی الله عز وجل لغیر رغبه ولا رهبه ، فهی التی لا یشوبها غدر ولا خیانه .
وموده مقارنهً ومعاشره ، وموده رغبه أو رهبه .
وهی : شر المودات ، وأسرعها انتقاضاً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) الوافی ج ۳ ص ۱۰۴ عن الکافی .
(۲) الوافی ج ۳ ص ۱۰۴ عن الکافی .
وقال مهیار الدیلمی :
ما أنا من صبغـه أیامکـم ولا الـذی ان قلبوه انقلبـا
ولا ابن وجهین ألم حاضراً مـن الصدیق وألوم الغیبـا
قلبی للأخوان شطوا أو دنوا وللهوى ساعف دهـر أو نبا
من عاذری من متلاش کلما أذنـب یوماً وعذرت أذنـبا
یضحک فی وجهی ملء فمه وإن أغب وذکر اسمی قطبا
یطیر لی حمامـه فإن رأى خصاصه دب ورائی عقربا
ما أکثر النـاس وما أقلهـم وما أقل فی القلیل النجبـا
اختیار الصدیق
للصدیق أثر بالغ فی حیاه صدیقه وتکییفه فکریاً وأخلاقیاً ، لما طبع علیه الإنسان من سرعه التأثر والانفعال بالقرناء والأخلاء ، ما یخفره على محاکاتهم والاقتباس من طباعهم ونزعاتهم .
من أجل ذلک کان التجاوب قویاً بین الأصدقاء ، وکانت صفاتهم سریعه العدوى والانتقال ، تنشر مفاهیم الخیر . والصلاح تاره ، ومفاهیم الشر والفساد أخرى ، تبعاً لخصائصهم وطبائعهم الکریمه أو الذمیمه ، وإن کانت عدوى الرذائل أسرع انتقالاً وأکثر شیوعاً من عدوى الفضائل .
فالصدیق الصالح : رائد خیر ، وداعیه هدى ، یهدی إلى الرشد والصلاح .
والصدیق الفاسد : رائد شر ، وداعیه ضلال ، یقود إلى الغی والفساد . وکم انحرف أشخاص کانوا مثالیین هدیاً وسلوکاً ، وضلوا فی متاهات الغوایه والفساد ، لتأثرهم بالقرناء والأخلاء المنحرفین .
وهذا ما یحتم على کل عاقل أن یتحفظ فی اختیار الأصدقاء ، ویصطفی منهم من تحلى بالخلق المرضی والسمعه الطیبه والسلوک الحمید .
خلال الصدیق المثالی
وأهم تلک الخلال وألزمها فیه هی :
1 ـ أن یکون عاقلاً لبیباً مبرءاً من الحمق . فإن الأحمق ذمیم العشره مقیت الصحبه ، مجحف بالصدیق ، وربما أراد نفعه فأضره وأساء إلیه لسوء تصرفه وفرط حماقته ، کما وصفه أمیر المؤمنین (ع) فی حدیث له فقال :
«وأما الأحمق فإنه لا یشیر علیک بخیر ولا یرجى لصرف السوء عنک ولو أجهد نفسه ، وربما أراد منفعتک فضرک ، فموته خیر من حیاته وسکوته خیر من ، نطقه ، وبعده خیر من قربه» (1) .
2 ـ أن یکون الصدیق متحلیاً بالإیمان والصلاح وحسن الخلق ، فإن لم یتحل بذلک کان تافهاً منحرفاً یوشک أن یغوی أخلاءه بضلاله وانحرافه .
انظر کیف یصور القرآن ندم النادمین على مخادنه الغاوین والمضللین وأسفهم ولوعتهم على ذلک :
«ویوم یعض الظالم على یدیه یقول : یا لیتنی اتخذت مع الرسول سبیلا ، یا ویلتا لیتنی لم أتخذ فلاناً خلیلاً ، لقد أضلنی عن الذکر بعد إذ جاءنی وکان الشیطان للإنسان خذولاً» (الفرقان : ۲۷ ـ ۲۹) .
وعن الصادق (ع) عن آبائه قال : قال رسول الله (ص) .
«المرء على دین خلیله ، فلینظر أحدکم من یخالل» (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) البحار . کتاب العشره . ص ۵۶ عن الکافی .
(۲) البحار . کتاب العشره . ص ۵۲ عن أمالی أبی علی بن الشیخ الطوسی .
وعن أبی جعفر (ع) عن أبیه عن جده (ع) قال : قال أمیر المؤمنین (ع) : «مجالسه الأشرار تورث سوء الظن بالأخیار ، ومجالسه الأخیار تلحق الأشرار بالأخیار ، ومجالسه الأبرار للفجار تلحق الأبرار بالفجار ، فمن اشتبه علیکم أمره ، ولم تعرفوا دینه ، فانظروا إلى خلطائه ، فإن کانوا أهل دین الله ، فهو على دین الله ، وإن کانوا على غیر دین الله فلا حظ له من دین الله ، ان رسول الله (ص) کان یقول : «من کان یؤمن بالله والیوم الآخر فلا یواخین کافراً ، ولا یخالطن فاجراً ، ومن آخى کافراً ، أو خالط فاجراً کان کافراً فاجراً» (1) .
وهکذا یحذر اهل البیت علیهم السلام من مخادنه أنماط من الرجال اتسموا بأخلاق ذمیمه وسجایا هابطه باعثه على النفره وسوء الخله .
وعن أبی عبد الله عن أبیه علیهم السلام قال : قال لی أبی علی بن الحسین (ع) :
«یا بنی انظر خمسه فلا تصاحبهم ، ولا تحادثهم ، ولا ترافقهم ، فقلت : یا ابه من هم عرفنیهم . قال :
إیاک ومصاحبه الکذاب فإنه بمنزله السراب یقرب لک البعید ویبعد لک القریب .
وإیاک ومصاحبه الفاسق فإنه بایعک بأکله أو أقل من ذلک .
وإیاک ومصاحبه البخیل فانه یخذلک فی ماله أحوج ما تکون إلیه .
وإیاک ومصاحبه الأحمق فإنه یرید أن ینفعک فیضرک .
وإیاک ومصاجبه القاطع لرحمه فإنی وجدته ملعوناً فی کتاب الله عزوجل فی ثلاث مواضع . . . الخبر» (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) البحار . کتاب العشره . ص ۵۳ عن کتاب صفات الشیعه للصدوق .
(۲) الوافی ج ۳ ص ۱۰۵ عن الکافی .
وقال أبو العتاهیه :
أصحب ذو العقل وأهل الدین فالمرء منسوب إلى القرین
وقال أبو نؤاس : ولقد نهزت مع الغواه بدلوهم واسمت سرح اللهو حیث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابـه فـإذا عصـاره کـل ذاک أثـام
3 ـ أن یکون بین الصدیقین تجاوب عاطفی ورغبه متبادله فی الحب والمؤاخاه ، فذلک أثبت للموده وأوثق لعرى الإخاء ، فإن تلاشت فی أحدهما نوازع الحب والخله وهت علاقه الصداقه وغدا المجفو منها الحریص على توثیقها عرضه للنقد والازدراء .
قال أمیر المؤمنین (ع) : «زهدک فی راغب فیک نقصان عقل (حظ) ورغبتک فی زاهد فیک ذل نفس» (1).
وقال الشهید الأول رحمه الله :
غنینا بنا عن کل من لا یریـدنا وإن کثرت أوصافه ونعوته
ومن صد عنا حسبه الصد والقلا ومن فاتنا یکفیه أنا نفوتـه
وقال الطغرائی :
جامل أخاک إذا استربت بوده وانظر به عقب الزمان العائد
فإن استمر به الفساد فخلـه فالعضو یقطع للفساد الزائـد
مقاییس الحب
وقد تلتبس مظاهر الحب فی الاخلاء خاصه والناس عامه ، وتخفى سماته وعلائمه ، ویغدو المرء آنذاک فی شک وارتیاب من ودهم أو قلاهم ، وقد وضع أهل البیت علیهم السلام مقاییس نفسیه تستکشف دخائل الحب والبغض فی النفوس وتجلو أسرارها الخفیه .
قال الراوی : سمعت رجلاً یسأل أبا عبد الله (ع) فقال : الرجل یقول أودک ، فکیف أعلم أنه یودنی ؟
فقال (ع) : امتحن قلبک ، فإن کنت توده فإنه یودک» (2) .
وقال (ع) فی موطن آخر :
«انظر قلبک ، فإن أنکر صاحبک ، فاعلم أنه أحدث» (3) یعنی قد أحدث ما یوجب النفره وضعف الموده .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) نهج البلاغه .
(۲) الوافی ج ۳ ص ۱۰۶ عن الکافی .
(۳) الوافی ج ۳ ص ۱۰۶ عن الکافی .
وعن أبی جعفر (ع) قال : «لما احتضر أمیر المؤمنین (ع) جمع بینه ، حسناً وحسیناً وابن الحنفیه والأصاغر فوصاهم ، وکان فی آخر وصیته : ـ یا بنی عاشروا الناس عشره ، إن غبتم حنوا إلیکم ، وإن فقدتم بکوا علیکم ، یا بنی إن القلوب جنود مجنده تتلاحظ بالموده ، وتتناجى بها ، وکذلک هی فی البغض ، فإذا أحببتم الرجل من غیر خیر سبق منه إلیکم فارجوه ، وإذا أبغضتم الرجل من غیر سوء سبق منه إلیکم فاحذروه» (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) البحار کتاب العشره ص ۴۶ عن أمالی الشیخ أبی علی ابن الشیخ الطوسی .
الصداقه بین المدّ والجزر
اختلف العقلاء فی أیهما أرجح وأفضل ، الإکثار من الأصدقاء أو الإقلال منهم .
ففضل بعضهم الإکثار منهم والتوفر علیهم ، لما یؤمل فیهم من جمال المؤانسه وحسن المؤازره والتأیید .
ورجح آخرون الإقلال منهم ، لما ینجم عن استکثارهم من ضروب المشاکل المؤدیه إلى التباغض والعداء ، کما قال ابن الرومی :
عدوک من صدیقک مستفاد فلا تستکثرن من الصحـاب
فإن الداء أکـثر ما تـراه یکون من الطعام أو الشراب
والحق أن قیم الأصدقاء لیست منوطه بالقله أو الکثره ، وإنما هی فیما یتحلون به من صفات النبل والإخلاص والوفاء ، التی لا تجتمع إ لا فی المثالیین منهم ، وهم فئه قلیله نادره تتألق فی دنیا الأصدقاء تألق اللآلی بین الحصا .
وصدیق مخلص وفی خیر من ألف صدیق عدیم الإخلاص والوفاء ، کما قال الإسکندر : المستکثر من الأخوان من غیر اختیار کالمستوفر من الحجاره ، والمقل من الأخوان المتخیر لهم کالذی یتخیر الجوهر .
حقوق الأصدقاء
وبعد أن أوضح أهل البیت علیهم السلام فضل الأصدقاء الأوفیاء ،
رسموا لهم سیاسه وآداباً وقرروا حقوق بعضهم على بعض ، لیوثقوا أواصر الصداقه بین المؤمنین ، ومن ثم لتکون باعثاً على تعاطفهم وتساندهم . وإلیک طرفاً من تلک الحقوق :
1 ـ الرعایه المادیه :
قد یقع الصدیق فی أزمه اقتصادیه خانقه ، ویعانی مراره الفاقه والحرمان ویغدو بأمس الحاجه إلى النجده والرعایه المادیه ، فمن حقه على أصدقائه النبلاء أن ینبروا لإسعافه ، والتخفیف من أزمته بما تجود به أریحیتهم وسخاؤهم ، وذلک من ألزم حقوق الأصدقاء وأبرز سمات النبل والوفاء فیهم ، وقد مدح الله أقواماً تحلوا بالإیثار وحسن المواساه فقال تعالى :
«ویؤثرون على أنفسهم ولو کان بهم خصاصه» (الحشر : ۹) .
وقال الإمام موسى بن جعفر (ع) لرجل من خاصته :
«یا عاصم کیف أنتم فی التواصل والتواسی ؟
قلت : على أفضل ما کان علیه أحد .
قال (ع) : أیأتی أحدکم إلى دکان أخیه أو منزله عند الضائقه فیستخرج کیسه ویأخذ ما یحتاج إلیه فلا ینکر علیه ؟ قال : لا .
قال (ع) : «فلستم على ما أحب فی التواصل» (1) .
وعن أبی إسماعیل قال : قلت لأبی جعفر (ع) : «جعلت فداک ، إن الشیعه عندنا کثیر ، فقال (ع) :
فهل یعطف الغنی على الفقیر ؟ وهل یتجاوز المحسن عن المسیء ؟ ویتواسون . فقلت : لا .
فقال علیه السلام :
لیس هؤلاء شیعه ، الشیعه من یفعل هذا» (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار کتاب العشره ص ۴۶ عن کتاب قضاء الحقوق للصوری .
(۲) البحار کتاب العشره ص ۷۱ عن الکافی .
وقال أبو تمام :
أولى البریه حقاً أن تراعیـه عند السرور الذی أساک فی الحزن
إن الکرام إذا ما أسهلوا ذکروا من کان یألفهم فی المنزل الخشـن
وقال الواقدی :
کان لی صدیقان : أحدهما هاشمی ، وکنا کنفس واحده ، فنالتنی ضیقه شدیده وحضر العید ، فقالت امرأتی : أما نحن فی أنفسنا فنصبر على البؤس والشده ، وأما صبیاننا هؤلاء فقد قطعوا قلبی رحمه لهم ، لأنهم یرون صبیان الجیران وقد تزینوا فی عیدهم ، وأصلحوا ثیابهم ، وهم على هذه الحال من الثیاب الرثه ! فلو احتلت بشیء تصرفه فی کسوتهم ! فکتبت إلى صدیقی الهاشمی أسأله التوسعه علی ، فوجه إلی کیساً مختوماً ، ذکر أن فیه ألف درهم ، فما استقر قراری حتى کتب إلى الصدیق الآخر یشکو مثل ما شکوت إلى صاحبی ، فوجهت إلیه الکیس بحاله ، وخرجت إلى المسجد فأقمت فیه لیلی مستحیاً من امرأتی .
فلما دخلت علیها استحسنت ما کان منی ، ولم تعنفنی علیه .
فبینما أنا کذلک إذ وافى صدیقی الهاشمی ومعه الکیس کهیئته ، فقال لی : أصدقنی عما فعلته فیما وجهت إلیک ؟
فعرفته الخبر على وجهه ، فقال : إنک وجهت إلی وما أملک على الأرض إلا ما بعثت به إلیک ، وکتبت إلى صدیقنا أسأله المواساه فوجه إلی بکیسی ! فتواسینا الألف أثلاثاً !
ثم نمی الخبر إلى المأمون فدعانی ، فشرحت له الخبر ، فأمر لنا بسبعه آلاف دینار ، لکل واحد ألفا دینار وللمرأه ألف دینار! (۱) .
2 ـ الرعایه الأدبیه :
وهکذا تنتاب الصدیق ضروب الشدائد والارزاء ما تسبب إرهاقه وبلبله حیاته ، ویغدو آنذاک مفتقراً إلى النجده والمسانده لإغاثته وتفریج کربه .
ــــــــــــــــــــــــــ
(۱) قصص العرب ج ۱ ص ۲۹۰ .
فحقیق على أصدقائه الأوفیاء أن یسارعوا إلى نصرته والذب عنه ، لساناً وجاهاً ، لإنقاذه من أعاصیر الشدائد والأزمات ، ومواساته فی ظرفه الحالک .
هذا هو مقیاس الحب الصادق والعلامه الفارقه بین الصدیق المخلص من المزیف .
قال أمیر المؤمنین (ع) : «لا یکون الصدیق صدیقاً حتى یحفظ أخاه فی ثلاث : فی نکبته ، وغیبته ، ووفاته» (1) .
ـــــــــــــــــــــــــ
(۱) نهج البلاغه .
وقال اشریف الرضی :
یعرفک الأخوان کل بنفسه وخیر أخ من عرفتک الشدائد
3 ـ المداراه :
والأصدقاء مهما حسنت أخلاقهم ، وقوت علائق الود بینهم فإنهم عرضه للخطأ والتقصیر ، لعدم عصمتهم عن ذلک . فإذا ما بدرت من أحدهم هناه وهفوه فی قول أو فعل ، کخلف وعد ، أو کلمه جارحه أو تخلف عن مواساه فی فرح أو حزن ونحو ذلک من صور التقصیر .
فعلى الصدیق إذا ما کان واثقاً بحبهم وإخلاصهم أن یتغاضى عن إساءتهم ویصفح عن زللهم حرصاً على صداقتهم واستبقاءاً لودهم ، إذ المبالغه فی نقدهم وملاحاتهم ، باعثه على نفرتهم والحرمان منهم . ومن ذا الذی ترضى سجایاه کلها کفى المرء نبلاً أن تعد معائبه انظر کیف یوصی أمیر المؤمنین (ع) ابنه الحسن (ع) بمداراه الصدیق المخلص والتسامح معه والحفاظ علیه : «احمل نفسک من أخیک عند صرفه على الصله ، وعند صدوده على اللطف والمقاربه ، وعند جمده على البذل ، وعند تباعده على الدنو ، وعند شدته على اللین ، وعند جرمه على العذر ، حتى کأنک له عبد ، وکأنه ذو نعمه علیک .
وإیاک أن تضع ذلک فی غیر موضعه أو تفعله بغیر أهله ، لا تتخذون عدو صدیقک صدیقا فتعادی صدیقک، وامحض أخاک النصیحه حسنه کانت أو قبیحه ، وتجرع الغیظ . فإنی لم أر جرعه أحلى منها عاقبه ولا ألذ مغبه ، ولن لمن غالظک فإنه یوشک أن یلین لک ، وخذ على عدوک بالفضل فإنه أحلى الظفرین ، وإن أردت قطیعه أخیک فاستبق له من نفسک بقیه ترجع إلیها إن بدا له ذلک یوماً ما ، ومن ظن بک خیراً فصدق ظنه . ولا تضعین حق أخیک اتکالاً على ما بینک وبینه . فإنه لیس لک بأخ من أضعت حقه» (1) .
وقال الإمام الحسن (ع) لبعض ولده : «یا بنی لا تواخی أحداً حتى تعرف موارده ومصادره ، فإذا استبطنت الخبره ورضیت العشره فآخه على إقاله العثره ، والمواساه فی العشره» (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) نهج البلاغه . فی وصیته لابنه الحسن (ع) .
(۲) تحف العقول .
وقال أبو فراس الحمدانی :
لم اواخذک بالجفاء لأنی واثق منک بالوداد الصریح
فجمیل العدو غیر جمیل وقبیح الصدیق غیر قبیـح
وقال بشار بن برد :
إذا کـنت فی کل الأمـور معاتبـاً صـدیقک لم تلق الذی لا تعاتـبه
فـعش واحداً أوصل أخـاک فإنـه مـقارف ذنـب مـره ومجانـبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وای الناس تصفو مشاربه
وقال أبو العلاء المعری :
من عاش غیر مداج من یعاشره أساء عشره أصحاب وأخدان
کم صاحب یتمنى لو نعیت لـه وإن تشکیت راعانی وفدّانی
ومن أرواع صور مداراه الأصدقاء وأجملها وقعاً فی النفوس : الإغضاء عن إساءتهم والصفح عن مسیئهم .
ولذلک مظاهر وأسالیب رائعه :
1 ـ أن یتناسى الصدیق الإساءه ویتجاهلها ثقه بصدیقه ، وحسن ظن به ، واعتزازاً بإخائه ، وهذا ما یبعث المسیء على إکبار صدیقه ووده والحرص على صداقته .
2 ـ أن یتقبل معذره صدیقه عند اعتذاره منه ، دونما تشدد أو تنعت فی قبولها . فذلک من سمات کرم الأخلاق وطهاره الضمیر والوجدان .
3 ـ أن یستمیل صدیقه بالعتاب العاطفی الرقیق ، استجلاباً لوده ، فترک العتاب قد یشعر بإغفاله وعدم الاکتراث به ، أو یوهمه بحنق الصدیق علیه وإضمار الکید له .
ولکن العتاب لا یجدی نفعاً ولا یستمیل الصدیق إلا إذا کان عاطفیاً رقیقاً کاشفاً عن حب العاتب ورغبته فی استعطاف صدیقه وإستدامه وده . إذ العشره فیه والإفراط منه یحدثان رد فعل سیء یضاعف نفار الصدیق ویفصم عرى الود والإخاء .
لذلک حثت الشریعه الإسلامیه على الصفح والتسامح عن المسیء وحسن مداراه الأصدقاء خاصه والناس عامه .
قال تعالى : «ولو کنت فظاً غلیظ القلب لانفضوا من حولک فاعف عنهم ، واستغفر لهم ، وشاورهم فی الأمر» (آل عمران : ۱۵۹) .
وقال سبحانه : «إدفع بالتی هی أحسن ، فإذا الذی بینک وبینه عداوه کأنه ولی حمیم ، وما یلقاها إلا الذین صبروا ، وما یلقاها إلا ذو حظ عظیم» (حم السجده : ۳۴ ـ ۳۵) .
وعن أبی عبد الله (ع) قال : «قال رسول الله (ص) : «أمرنی ربی بمداراه الناس کما أمرنی بأداء الفرائض» (1) .
ــــــــــــــــــــــــ
•(1) الوافی . ج ۳ ص ۸۶ عن الکافی .
وقال (ص) : «أعقل الناس أشدهم مداراه للناس» (1) .
والجدیر بالذکر أن من أقوى عوامل ازدهار الصداقه وتوثیق أواصر الحب والإخلاص بین الأصدقاء ، هو أن یتفادى کل منهم جهده عن تصدیق النمامین والوشاه المغرمین بغرس بذور البغضاء والفرقه بین الأحباب وتفریق شملهم ، وفصم عرى الإخاء بینهم . وهؤلاء هم شرار الخلق کما وصفهم رسول الله (ص) حیث قال : «ألا أنبئکم بشرارکم ؟ قالوا بلى یا رسول الله . قال : المشاؤون بالنمیمه المفرقون بین الأحبه ، الباغون للبراء المعایب» (2) .
الاعتدال فی حب الصدیق والثقه به
ومن الحکمه أن یکون العاقل معتدلاً فی محبه الأصدقاء والثقه بهم والرکون إلیهم دون إسراف أو مغالاه ، فلا یصح الإفراط فی الاطمئنان إلیهم واطلاعهم على ما یخشى إفشاءه من أسراره وخفایاه .
فقد یرتد الصدیق ویغدو عدواً لدوداً ، فیکون آنذاک أشد خطراً وأعظم ضرراً من الخصوم والأعداء .
وقد حذرت وصایا أهل البیت علیهم السلام وأقوال الحکماء والأدباء نظماً ونثراً من ذلک :
قال أمیر المؤمنین (ع) : «أحبب حبیبک هوناً ما ، عسى أن یکون بغیضک یوماً ما ، وابغض بغیضک هوناً ما ، عسى أن یکون حبیبک یوماً ما» (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) معانی الأخبار للصدوق .
(۲) البحار کتاب العشره ص ۱۹۱ عن الکافی .
(۳) نهج البلاغه .
وقال الصادق (ع) لبعض أصحابه : «لا تطلع صدیقک من سرک إلا على ما لو اطلع علیه عدوک لم یضرک فإن الصدیق قد یکون عدوک یوماً ما» (1) .
ــــــــــــــــــــــــــ