حقوق الأقرباء
وقد وصفهم أمیر المؤمنین (ع) فقال : «یا أیها الناس أنه لا یستغنی الرجل وإن کان ذا مال عن عشیرته ؟ ودفاعهم عنه بأیدیهم وألسنتهم ، وهم أعظم الناس حیطه من ورائه ، وألمهم لشعثه ، وأعطفهم علیه عند نازله إذا نزلت به» (2) . ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) نقل بتصرف واختصار عن کتاب السلام العالمی ، لسید قطب ص ۶۴ ـ ۶۷ . (۲) نهج البلاغه .
وأفضل الأقرباء وأجدرهم بالإعجاب والثناء هم : المتحابون المتعاطفون المتآزرون على تحقیق أهدافهم ومصالحهم . وکلما استشعر الأرحام وتبادلوا مشاعر التضامن والتعاطف کانوا أعز قدراً ، وأمنع جانباً ، وأشد قوه على مجابهه الأعداء ومعاناه الشدائد والأزمات . من أجل ذلک أولت الشریعه الإسلامیه شؤون الأسره عنایه بالغه ، ورعتها بالتنظیم والتوجیه لمکانتها الاجتماعیه وأثرها فی إصلاح المجتمع الإسلامی وازدهار حیاته .
صله الرحم
وفی طلیعه المبادئ الخلقیه التی فرضتها الشریعه وأکدت علیها صله الأرحام ، وهم (المتحدون فی النسب) وإن تباعدت أواصر القربى بینهم وذلک بالتودد إلیهم والعطف علیهم وإسداء العون المادی لهم ودفع المکاره والشرور عنهم ومواساتهم فی الأفراح والأحزان . وإلیک طرفاً من نصوص أهل البیت (ع) فی صله الأرحام ورعایتهم : عن أبی جعفر (ع) قال : قال رسول الله (ص) : «أوصی الشاهد من أمتی والغائب منهم ومن فی أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى یوم القیامه أن یصل الرحم وإن کان منه على مسیره سنه فإن ذلک من الدین» (1) . وعن علی بن الحسین (ع) قال : قال رسول الله (ص) : ـ «من سره أن یمد الله فی عمره ، وأن یبسط فی رزقه ، فلیصل رحمه ، فإن الرحم لها لسان یوم القیامه ذلق تقول : یا رب صل من وصلنی واقطع من قطعنی» (2) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (۱) الوافی ج ۳ ص ۹۳ عن الکافی . (۲) البحار ، کتاب العشره ص ۲۷ عن عیون أخبار الرضا وصحیفه الرضا (ع) .
وعن الرضا عن آبائه علیهم السلام قال : قال رسول الله (ص) : ـ «من ضمن لی واحده ضمنت له أربعه : یصل رحمه ، فیحبه الله تعالى ، ویوسع علیه رزقه ، ویزید فی عمره ، ویدخله الجنه التی وعده» (1) . وقال أبو عبد الله (ع) : «ما نعلم شیئاً یزید فی العمر إلا صله الرحم ، حتى أن الرجل یکون أجله ثلاث سنین ، فیکون وصولاً للرحم ، فیزید الله فی عمره ثلاثین سنه فیجعلها ثلاثاً وثلاثین سنه فیکون قاطعاً للرحم فینقصه الله تعالى ثلاثین سنه ، ویجعل أجله إلى ثلاث سنین» (2) . وقال (ع) : «صل رحمک ولو بشربه من ماء ، وأفضل ما یوصل به الرحم کف الأذى عنها . وصله الرحم منسأه فی الأجل محبه فی الأهل» (3) . وقال (ع) : ـ «إن صله الرحم والبر لیهونان الحساب ، ویعصمان من الذنوب ، فصلوا أرحامکم ، وبروا بأخوانکم ولو بحسن السلام ورد الجواب» (4) . وقال أبو جعفر (ع) : ـ «صله الأرحام تزکی الأعمال ، وتنمی الأموال ، وتدفع البلوى ، وتیسر الحساب ، وتنسى فی الأجل» (5) . ــــــــــــــــــــــــــ (۱) الوافی ج ۳ ص ۹۴ عن الکافی . (۲) الوافی ج ۳ ص ۹۴ عن الکافی . (۳) الوافی ج ۳ ص ۹۴ عن الکافی . (۴) الوافی ج ۳ ص ۹۴ عن الکافی . (۵) الوافی ج ۳ ص ۹۴ عن الکافی .
وعن أبی عبد الله (ع) : «أن رجلاً أتى النبی (ص) فقال : یا رسول الله أهل بیتی أبوا إلا توثباً علی وقطیعه لی وشتیمه فأرفضهم ؟ قال (ص) : إذاً یرفضکم الله جمیعاً . قال : فکیف أصنع ؟ قال (ص) : تصل من قطعک ، وتعطی من حرمک ، وتعفو عمن ظلمک ، فإنک إذا فعلت ذلک کان لک من الله علیهم ظهیراً» (1) . ــــــــــــــــــــــــــــــ (۱) الوافی ج ۳ ص ۹۴ عن الکافی .
وقد أحسن بعض الشعراء المتقدمین حیث قال : وإن الذی بینی وبین بنـی أبـی وبین بنی عمـی لمختلـف جـدا فإن أکلوا لحمی وفرت لحومهـم وإن هدموا مجدی بنیت لهم مجـدا وإن ضیعوا غیبی حفظت غیوبهم وإن هم هووا عنی هویت لهم رشدا لهم جل مالی إن تتابع لی غنـی وإن قـل مالی لـم أکلفهـم رفـدا
خصائص صله الرحم
ولا غرابه أن نلمس فی هذه النصوص قوه الترکیز والتأکید على صله الرحم ، وذلک لما تنطوی علیه من جلیل الخصائص والمنافع . فالأسره الرحمیه تضم عناصر وأفراداً متفاوتین حالاً وأقداراً ، فیهم الغنی والفقیر ، والقوی والضعیف ، والوجیه والخامل ، وهی بأسرها فرداً وجماعه لا تستطیع أن تنال أمانی العزه والمنعه والرخاء ، وتجابه مشاکل الحیاه ومناوأه الأعداء بجلد وثبات إلا بالتضامن والتعاطف اللذین یشدان أزرها ویجعلانها جبهه متراصه لا تزعزعها أعاصیر المشاکل والأحداث ، ولا یستطیع مکابدتها الأعداء والحساد . وقد جسد أکثم بن صیفی هذا الواقع فی حکمته الشهیره حیث : «دعى أبناءه عند موته ، فاستدعى أضمامه من السهام ، فتقدم إلى کل واحد منهم أن یکسرها فلم یقدر أحد على کسرها . ثم بددها فتقدم إلیهم أن یکسروا فاستسهلوا کسرها ، فقال : کونوا مجتمعین لیعجز من ناوأکم عن کسرکم کعجزکم عن کسرها مجتمعه، فإنکم إن تفرقتم سهل کسرکم وأنشد: کونوا جمیعاً یا بنی إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادا تأبى القداح إذا اجتمعن تکسراً وإذا افترقن تکسرت أفرادا
هذا إلى ما فی صله الرحم من جلیل الخصائص والآثار التی أوضحتها النصوص السالفه . فهی : مدعاه لحب الأقرباء وعطفهم وإیثارهم وموجبه لطیله العمر ، ووفره المال ، وزکاه الأعمال الصالحه ونحوها فی الرصید الأخروی ، ومنجاه من صروف الأقدار والبلایا . قطیعه الرحم وهی : فعل ما یسخط الرحم ویؤذیه قولاً أو فعلاً ، کسبه واغتیابه وهجره وقطع الصلات المادیه وحرمانه من مشاعر العطف والحنان . وتعتبر الشریعه الإسلامیه قطیعه الرحم جرماً کبیراً وإثماً ماحقاً توعد علیها الکتاب والسنه . قال تعالى : «فهل عسیتم أن تولیتم أن تفسدوا فی الأرض وتقطعوا أرحامکم» (محمد : ۲۲) . وقال سبحانه : «والذین ینقضون عهد الله من بعد میثاقه ، ویقطعون ما أمر الله به أو یوصل ، ویفسدون فی الأرض أولئک هم الخاسرون» (البقره : ۲۷) . وقال رسول الله (ص) : «أربعه أسرع شیء عقوبه : رجل أحسنت إلیه فکافأک بالإحسان إساءه ، ورجل لا تبغی علیه وهو یبغی علیک ، ورجل عاهدته على أمر فوفیت له وغدر بک ، ورجل وصل قرابته فقطعوه» (1) . ــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) الوافی ج ۱۴ ص ۴۷ من وصیه النبی (ص) لعلی (ع) .
وعن أبی جعفر (ع) قال : فی کتاب علی (ع) «ثلاث خصال لا یموت صاحبهن أبداً حتى یرى وبالهن : البغی ، وقطیعه الرحم ، والیمین الکاذبه یبارز الله بها . وإن أعجل الطاعات ثواباً لصله الرحم ، وإن القوم لیکونون فجاراً فیتواصلون فتنموا أموالهم ویثرون ، وإن الیمین الکاذبه وقطیعه الرحم لتذران الدیار بلاقع من أهلها ، وتثقل الرحم ، وإن ثقل الرحم انقطاع النسل» (1) . وعن بعض أصحابنا عن أبی عبد الله (ص) قال : قلت له : «إن أخوتی وبنی عمی قد ضیقوا علی الدار وألجأونی منها إلى بیت ولو تکلمت أخذت ما فی أیدیهم . قال : فقال لی : اصبر فإن الله سیجعل لک فرجاً . قال : فانصرفت ، ووقع الوباء سنه (۱۳۱ هـ ) فماتوا والله کلهم فما بقی منهم أحد . قال : فخرجت فلما دخلت علیه قال : ما حال أهل بیتک ؟ قال : قلت : قد ماتوا والله کلهم فما بقی منهم أحد . فقال : هو بما صنعوا بک وبعقوقهم إیاک وقطع رحمهم بتروا ، أتحب أنهم بقوا وأنهم ضیقوا علیک ، قال : قلت أی والله» (2) . وفی خبر شعیب العقرقوفی فی دخول یعقوب المغزلی على موسى بن جعفر (ع) وقوله (ع) له : یا یعقوب قدمت أمس ووقع بینک وبین أخیک شرفی موضع کذا وکذا حتى شتم بعضکم بعضاً ، ولیس هذا دینی ولا دین آبائی ولا نأمر بهذا أحداً من الناس ، فاتق الله وحده لا شریک له ، فإنکما ستفترقان بموت ، أما إن أخاک سیموت فی سفره قبل أن یصل إلى أهله ، وستندم أنت على ما کان منک ، وذلک أنکما تقاطعتما فبتر الله أعمارکما . ــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الوافی ج ۳ ص ۱۵۶ عن الکافی . (۲) سفینه البحار ج ۱ ص ۵۱۶ عن الکافی .
فقال له الرجل : فأنا جعلت فداک متى أجلی ؟ فقال (ع): أما إن أجلک قد حضر، حتى وصلت عمتک بما وصلتها به فی منزل کذا وکذا فزید فی أجلک عشرون . ٍقال شعیب : فأخبرنی الرجل ولقیته حاجاً أن أخاه لم یصل إلى أهله حتى دفنه فی الطریق» (1) .ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سفینه البحار ج ۱ ص ۵۱۶ عن الکافی .
مساویء قطیعه الرحم
ونستنتج من هذه النصوص أن لقطیعه الرحم مغبه سیئه وآثاراً خطیره تنذر القاطع وتعاجله بالفناء ، وقصف الأعمار ، ومحق الدیار ، والخسران المبین فی دینه ودنیاه .