الحقوق المزیفه
وانطمست تلک الصوره الإسلامیه التی کانت بالأمس القریب تشع بالجمال والنور والمثالیه ، وخلفتها صور مسیخه شوهاء یستبشعها الضمیر المسلم ، ویستنکرها واقع الإسلام ، وغدا یستشعر الغربه والوحشه فی ربوعه وبین اتباعه ومعتنقیه . وراحت المفاهیم الجاهلیه الأولى تحتل مواقعها من مشاعر المسلمین وضمائرهم ، لتحیلها قفراً یباباً من قیم الإسلام ومثله الرفیعه . وانطلقت حناجر ، وصرت أقلام أجیره ، تطالب بالمزید من تلک الأعراف الجاهلیه ، لتشیع مفاهیمها الدارسه من جدید ، فی المحیط الإسلامی ، وعلى حساب المرأه المسلمه ، والتغایر على حقوقها وتحریرها ومساواتها بالرجل ، ونحو ذلک من صور الدعایات المدجله . 1 ـ السفور :
لقد عز على دعاه التحرر أن یروا المرأه المسلمه محصنه بالصون والحجاب ، عصیه الطلب ، بعیده المنال . فأغروها بالسفور والتبرج ، لیستزلوها من علیاء برجها وخدرها . واستجابت المرأه لتلک الدعوه الماکره وراحت تنظی حجابها وتبرز جمالها ومفاتنها ، تستهوی العیون والقلوب ، دونما تحرج أو استحیاء . وما خدعت المرأه المسلمه وغرر بها فی تاریخها المدید بمثل ذلک الخداع والتلبیس ، متجاهله عما یترصدها من جراء ذلک من الأخطار والمزالق . لیس الحجاب کما یصوره المتحللون تخلفاً ورجعیه ، وإنما هو حشمه وحصانه ، تصون المرأه من التبذل والاسفاف ، ویقیها تلصص الغواه والداعرین ، وتجنبها مزالق الفتن والشرور . وحسب المسلمین أن یعتبروا بما أصاب الأمم الغربیه من ویلات السفور والتبرج ، واختلاط الجنسین ، ما جعلها فی وضع سیء وحاله مزریه، من التسیب الخلقی . وغدت تعانی ألوان المآسی الأخلاقیه والصحیه والاجتماعیه . الأضرار الخلقیه
لقد أحدث التبرج والاختلاط فی الأوساط الغربیه مضاعفات أخلاقیه خطیره ، تثیر الفزع والتقزز . فأصبحوا لا یستنکرون الرذائل الجنسیه ، ولا یستحیون من آثامها ومعائبها . وراح الوباء الخلقی یجتاحهم ویفتک بهم فتکاً ذریعاً ، حتى انطلقت صیحات الغیارى منهم معلنه بالتذمر والاستنکار ، ومنذره بالخطر الرهیب . فقد صور (بول بیودر) انهیار الأخلاق فی بلاده حیث قال : «لم یعد الآن من الغریب الشاذ وجود العلاقات الجنسیه بین الأقارب فی النسب ، کالأب والبنت ، والأخ والأخت فی بعض الاقالیم الفرنسیه ، وفی النواحی المزدحمه فی المدن» . وجاء فی تقریر (اللجنه الأربعه عشریه) المعنیه بالفحص عن مکامن الفجور : «ان کل ما یوجد فی البلاد الأمریکیه من المراقص والنوادی اللیلیه ، ومجالی الزینه ، وأماکن التدریم ، وحجرات التدلیک ، ومراکز تمویج الشعر ، قد أصبح جلها مواطن للفجور ودوراً للبغاء ، بل هی أقبح منها وأشنع ، لما یرتکب فیها من الرذائل التی لا تصلح للذکر» . ومما یخمنه القاضی (لندسی) الأمریکی : «أن خمساً وأربعین فی المائه من فتیات المدارس یدنسن أعراضهن قبل خروجهن منها ، وترتفع هذه النسبه کثیرا فی مراحل التعلیم التالیه» . وقال (جورج رائیلی اسکات) فی کتابه (تاریخ الفحشاء) وهو یشیر إلى حاله بلاده فی الغالب «وقد بلغ عدد هؤلاء العاهرات غیر المحترفات فی هذه الأیام مبلغاً لم یعهد قط فیما قبل ، فأولئک یوجدن فی کل طبقه من طبقات المجتمع من الدنیا والعلیا . . . وقد أصبح تعاطی الفجور وعدم التصون بل اتخاذ الأطوار السوقیه ، معدوداً عند فتاه العصر ، من أسالیب العیش المستجده» . وقد سرت عدوى هذا التفسخ الخلقی إلى الصبیه والصبایا من أولئک الأقوام ، لتأثرهم بالمحیط الفاسد والمثیرات الجنسیه . یقول الدکتور (رادیت هوکو) فی کتابه (القوانین الجنسیه) : «انه لیس من الغریب الشاذ حتى فی الطبقات المثقفه المترفه ، أن بنات سبع أو ثمانی سنین منهم ، یخادن لداتهن من الصبیه ، وربما تلوثن معهم بالفاحشه» . وقد جاء فی تقریر طبیب من مدینه (بالتیمور) : «أنه قد رفع إلى المحاکم فی تلک المدینه أکثر من ألف مرافعه فی مده سنه واحده ، کلها فی ارتکاب الفاحشه مع صبایا دون الثانیه عشره من العمر» . ولم تقف الفوضى الخلقیه عند هذا الدرک السافل ، فقد تفاقمت حتى أصبحت العلاقات الجنسیه الطبیعیه . . . لا تشبع نهمهم الجنسی ، فراحوا یتمرغون فی مقاذر الشذوذ الجنسی وانحرافاته النکراء . وعاد من المألوف لدیهم أن یتزوج الفتى فتىً مثله ، بتشجیع من القانون ، ومرأى ومسمع من الناس ، وهم یبارکون هذا العرس !! ویقول الدکتور (هوکر) : «انه لا تزال تحدث فی مثل هذه المدارس والکلیات ودور التربیه للممرضات ، والمدارس الدینیه ، من تسافح الولدین من الجنس الواحد فیما بینهما ، وقد تلاشى أو کاد . . میلهم الطبیعی إلى الجنس المخالف» . والآن فلنسائل الببغاوات من دعاه التحرر والتبرج ، أهذا الذی ینشدوه لأنفسهم وأمتهم الإسلامیه . . . أم إنهم لا یفقهون ما ینادون به ویدعون إلیه ؟ إن کل داعیه إلى التبرج والاختلاط هو بلا ریب ، معول هدام ، فی کیان المجتمع الإسلامی ، ورائد شر ودعاره لأمته وبلاده . «إن الذین یحبون أن تشیع الفاحشه فی الذین آمنوا ، لهم عذاب ألیم فی الدنیا والآخره ، والله یعلم وأنتم لا تعلمون» (النور : ۱۹) . الأضرار الصحیه
وکان من الطبیعی لأمه شاع فیها الفساد ، وتلاشت فیها قیم الدین والأخلاق ، أن تعانی نتائج شذوذها وتفسخها ، فتنهار صحتها کما انهارت أخلاقها من قبل . وهذا ما حدث فعلاً فی الأوساط الغربیه ، حیث استهدفتها الأمراض الزهریه ، وکبدتها خسائر فادحه فی الأرواح والأموال . وجاءت تقاریر أطباء الغرب معلنه أبعاد تلک الأمراض ومآسیها الخطیره فی أرقى تلک الأمم وأکثرها تشدقاً بالحضاره والمدنیه . قال الدکتور الفرنسی (لیرید) : «انه یموت فی فرنسا ثلاثون ألف نسمه بالزهری وما یتبعها من الأمراض الکثیره ، فی کل سنه . وهذا المرض هو أفتک الأمراض بالأمه الفرنسیه بعد حمى الدق» . وجاء فی دائره المعارف البریطانیه ج ۲۳ ص ۴۵ : «انه یعالج فی المستشفیات الرسمیه هناک (أی القطر الأمریکی) مائتا ألف مریض بالزهری ومائه وستون ألف مصاب بالسیلان البنی فی کل سنه بالمعدل . وقد اختص بهذه الأمراض الجنسیه وحدها ستمائه وخمسون مستشفى ، على أنه یفوق هذه المستشفیات الرسمیه نتاج الأطباء غیر الرسمیین الذین یراجعهم ۶۱ % من مرضى الزهری و ۸۹ % من مرضى السیلان» . وجاء فی کتاب القوانین الجنسیه : انه «یموت فی أمریکا ما بین ثلاثین وأربعین ألف طفل بمرض الزهری الموروث وحده ، فی کل سنه . وان الوفیات التی تقع بسبب جمیع الأمراض ـ عدا السل ـ یربو علیها جمله عدد الوفیات الواقعه من مرض الزهری وحده» . وکل هذه الخسائر والمآسی تدفعها الأمم الغربیه الداعره . . ضریبه من صحتها وحیاتها جزاءاً وفاقاً ، على تفسخها وتمرغها فی مقاذر الجنس ومباءته . الأضرار الاجتماعیه وکان حتماً مقضیاً على تلک الأمم المتحلله أن تعانی ـ إلى جانب خسائرها الأخلاقیه والصحیه ـ عللاً اجتماعیه خطیره . فقد جنت على حیاتها الأسریه والاجتماعیه ، بإغفالها مبادیء العفه والوفاء ، واستهتارها بشرائط الزوجیه الصالحه . وطفق الزوجان منهم یهیمان فی متاهات الغوایه والفساد ، تنطلق الزوجه خلیعه متجمله بأبهى مظاهر الجمال ، بواعث الفتنه والإغراء ، وینطلق الزوج هائماً فی مراتع التبذل والإسفاف . وسرعان ما ینزلق هذا أو تلک فی مهاوی الرذیله ، حینما تستهوی بهما شخصیه جذابه أروع جمالاً وأشد إغراءاً من شریک حیاته ، فیزور عنه طالباً صیداً جدیداً ، ومتعه جدیده ، بین فتیان الهوى وفتیاته السائحات . فتزعزع بذلک کیان الأسره ، وانفرط عقدها ، ووهت العلائق الزوجیه ، وغدت تنفصم لأتفه الأسباب . کما شهدت بذلک تقاریر الخبراء . وقد کتب القاضی (لندسی) فی بلده (دنور) سنه ۱۹۲۲ : «اعقب کل زواج تفریق بین الزوجین ، وبإزاء کل زواجین عرضت على المحکمه قضیه الطلاق . وهذه الحال لا تقتصر على بلده دنور، بل الحق أن جمیع البلدان الأمریکیه على وجه التقریب تماثلها فی ذلک قلیلاً أو کثیراً» . ویمضی فی کتابته فیقول : «إن حوادث الطلاق والتفریق بین الزوجین لا تزال تکثر وتزداد ، وان اطردت الحال على هذا ـ کما هو المرجو ـ فلا بد أن تکون قضایا الطلاق المرفوعه إلى المحاکم فی معظم نواحی القطر على قدر ما یمنح فیها من الامتیازات للزواج» . وهکذا توالت على الأمم الغربیه أعراض الشذوذ واختلاطاته المقیته فقد زهد الکثیرون منهم فی الحیاه الزوجیه ، وآثروا العزوبه إشباعاً لهوسهم الجنسی وتحرراً من قیود الزواج وتکالیفه . فقد جاء فی مقال نشرته جریده (بدترویت) : «إن ما قد نشأ بیننا الیوم من قله الزواج ، وکثره الطلاق ، وتفاحش العلاقات غیر المشروعه بین الرجال والنساء ، یدل کله على أننا راجعون القهقرى إلى البهیمیه . فالرغبه الطبیعیه فی النسل إلى التلاشی ، والجیل المولود ملقى حبله على غاربه ، والشعور بکون تعمیر الأسره والبیت لازماً لبقاء المدنیه ، والحکم المستقل یکاد ینتفی من النفوس ، وبخلاف ذلک أصبح الناس ینشأ فیهم الاغفال عن مآل المدینه والحکومه وعدم النصح لهما» . ولو تحرینا مرد تلک المآسی التی اجتاحت الغرب لرأیناه ماثلاً فی التبرج والخلاعه والاختلاط ، وشیوع المثیرات الجنسیه ، کالأفلام الداعره والقصص الخلاعیه والاغانی المخنثه ، التی مسخت القیم الأخلاقیه وأشاعت الاسفاف والتهتک فی المجتمع الغربی ، کما شهد بذلک القوم أنفسهم . وقد کتب (أمیل بوریسی) فی تقریره الذی قدمه إلى الجلسه العامه الثانیه لرابطه منع الفواحش : «هذه الفوتوغرافات الداعره المتهتکه تصیب أحاسیس الناس بأشد ما یمکن من الهیجان والاختلال ، وتحث مشتریها البؤساء على المعاصی والإجرام التی تقشعر من تصورها الجلود . وإن أثرها السیء المهلک فی الفتیه والفتیات لما یعجز عنه البیان . فکثیر من المدارس والکلیات قد خربت حالتها الخلقیه والصحیه لتأثیر هذه الصور المهیجه ، ولا یمکن ان یکون للفتیات على الأخص شیء أضر وأفتک من هذه» (1) . ـــــــــــــــــــــــ(۱) اقتبسنا تلک الأقوال المترجمه عن کتاب الحجاب ، للأستاذ المودودی .
ونستنتج من هذا العرض السالف : أن الشریعه الإسلامیه ، إنما أمرت المرأه المسلمه بالحجاب ، ونهتها عن التبرج والاختلاط المریب ، حرصاً على کرامتها وصیانتها من دوافع الإساءه والتغریر ، ووقایه للمجتمع الإسلامی من المآسی والارزاء التی حاقت بالأمم الغربیه ، ومسخت أخلاقها وضمائرها وأوردتها موارد الشقاء والهلاک . انظر کیف أهاب الإسلام بالمرأه المسلمه أن تتحصن بالحجاب ، وتتوفى به مزالق الفتن والشرور : «یا أیها النبی قل لازواجک وبناتک ، ونساء المؤمنین ، یدنین علیهن من جلابیهن ، ذلک أدنى أن یعرفن فلا یؤذین» (الأحزاب : ۵۹) . هذه هی إحدى الآیات الکریمه الناطقه بوجوب الحجاب ، والمحرضه علیه ، بأسلوب جاد صریح ، حیث خاطب الله عزوجل رسوله الأعظم : «یا أیها النبی قل لأزواجک ، وبناتک ، ونساء المؤمنین . . . یدنین علیهن من جلابیبهن» وذلک بإسدال الجلباب ـ وهو ما تستتر به المرأه من ملحفه أو ملاءه ـ على وجوههن وأبدانهن . ثم بین سبحانه عله الحجاب وجدواه : «ذلک أنى أن یعرفن ، فلا یؤذین» حیث أن الحجاب یستر محاسن المرأه ومفاتنها ، ویحیطها بهاله من الحصانه والمنعه ، تقیها تلصص الغواه والداعرین وتحرشاتهم الإجرامیه العابثه لصون النساء وکرامتهن . ویمضی القرآن الکریم فی ترکیز مبدأ الحجاب والحث علیه فی آیات متتالیه ، وأسالیب بلاغیه فذه : «یا نساء النبی لستن کأحد من النساء ، ان اتقیتن ، فلا تخضعن بالقول فیطمع الذی فی قلبه مرض ، وقلن قولاً معروفاً . وقرن فی بیوتکن ولا تبرجن تبرج الجاهلیه الأولى» (الأحزاب : ۳۲ ـ ۳۳) . وهنا یخاطب الله عزوجل ، زوجات النبی (ص) : «یا نساء النبی لستن کأحد من النساء» فی الشرف والفضل ، فأنتن أرفع شأناً وأسمى منزله منهن ، لشرف انتمائکن لرسول الله (ص) «ان اتقیتن» معصیه الله تعالى ورسوله ، وفی هذا الشرط إشعار لهن أن انتسابهن إلى الرسول (ص) فحسب لا یوجب تفوقهن على غیرهن من النساء ، إلا بتحلیهن بتقوى الله عزوجل ، الذی هو مفتاح الفضائل ، وقوام حیاه الإیمان . «فلا تخضعن بالقول ، فیطمع الذی فی قلبه مرض» فلا تخاطبن الأجانب بأسلوب لین رقیق یستثیر نوازع القلوب المریضه بالدنس والفجور . «وقلن قولاً معروفاً» مستقیماً مشعراً بالحشمه والترفع والوقار . ثم أمرهن بالاستقرار فی بیوتهن ، ونهاهن عن التبرج وإظهار المحاسن والزینه للأجانب ، کما کن یظهرنها النساء الجاهلیات «وقرن فی بیوتکن ولا تبرجن تبرج الجاهلیه الأولى» . وفی ذلک ضمان لعفاف المرأه وکرامتها ، وصیانتها من مزالق الخطیئه ، وخوالج الشک والارتیاب . وهکذا یواصل القرآن الکریم غرس الفضیله والعفه فی نفوس المؤمنین بمثله العلیا ، وآدابه الرفیعه : «قل للمؤمنین یغضوا من أبصارهم ، ویحفظوا فروجهم ، ذلک أزکى لهم ، إن الله خبیر بما یصنعون . وقل للمؤمنات یغضضن من أبصارهن ، ویحفظن فروجهن ، ولا یبدین زینتهن إلا ما ظهر منها ، ولیضربن بخمرهن على جیوبهن ، ولا یبدین زینتهن إلا لبعولتهن ، او آبائهن ، او آباء بعولتهن أو ابنائهن ، أو أخوانهن ، أو بنی أخوانهن ، أو بنی اخواتهن ، او نسائهن ، أو ما ملکت أیمانهن ، أو التابعین غیر أولی الأربه من الرجال ، أو الطفل الذی لم یظهروا على عورات النساء . ولا یضربن بأرجلهن لیعلم ما یخفین من زینتهن» (النور : ۳۰ ـ ۳۱) . أمر الله تعالى فی هذه الآیه الکریمه النبی (ص) أن یصدع بآداب القرآن ووحی السماء ، ویوجه المؤمنین على ضوئهما توجیهاً هادفاً بناءاً . «قل» یا محمد «للمؤمنین یغضوا من أبصارهم» بأن ینقصوا من نظراتهم وتطلعاتهم نحو النساء الأجنبیات ، لما فی ذلک من ضروب الأخطار والأضرار . فکم نظره طامحه إلى الجمال أورثت حسره طویله ، واسترقت صاحبها بأسر الحب وعناء الهیام .وأنت إذا أرسلت طرفک رائداً لقلبـک یوماً اتعبتک المناظــررأیت الذی لا کله أنت قـادر علیه ولا عن بعضه أنت صابر
وقد تزج النظره الآثمه فی مهاوی الرذیله والفساد :نظـره فابتسـامه فسـلام فکـلام فموعـد فلقـاء ثم أمر المؤمنین بحفظ الفروج بعد أمرهم بغض الأبصار «ویحفظوا فروجهم» عن الآثام الجنسیه أو یستروها عن الناظر المحترم ، وقد أوصد الله تعالى بهذین الأمرین ـ غض الأبصار وحفظ الفروج ـ اخطر منافذ الشرور الخلقیه وبوائقها العارمه ، وحصن المؤمنین بالعفه والنزاهه «ذلک أزکى لهم» أطهر لنفوسهم وأخلاقهم ، وأنفع لدینهم ودنیاهم . ثم عمد إلى توعیه الضمائر ، وتصعید قیمها الأخلاقیه بالإیحاء النفسی بهیمنه الله سبحانه علیهم ورقابته لهم «إن الله خبیر بما یصنعون» بأبصارهم وفروجهم وجمیع أعمالهم . ثم عطف الله تعالى على النساء المؤمنات ، فأمرهن بما أمر به الرجال المؤمنین من غض الأبصار وحفظ الفروج ، لاتحاد الجنسین ، وتساویهما فی الغرائز والمیول ، وانجذاب کل منهما نحو الآخر . وخص النساء بتوجیهات تنظم سلوکهن ، وتذکی فیهن مشاعر الحشمه والعزه والوقار : «ولا یبدین زینتهن» لا یظهرن مواضع الزینه لغیر المحارم ، «إلا ما ظهر منها» کالثیاب او الوجه والکفین ، «ولیضربن بخمرهن على جیوبهن» ولیسدلن الخمر والمقانع على نحورهن وصدورهن تستراً من الأجانب . ثم رخصهن فی إبداء زینتهن للمحارم ، ومن یؤمن من الافتتان والإغراء منهن وعلیهن ، لنفره الطباع من ذلک «ولا یبدین زینتهن إلا لبعولتهن ، أو آبائهن ، أو آباء بعولتهن ، أو أبنائهن ، أو أبناء بعولتهن ، أو إخوانهن ، او بنی أخوانهن ، او بنی اخواتهن ، أو ما ملکت أیمانهن» وهم الإماء . «أو التابعین غیر أولی الأربه من الرجال» وهم الذین یتبعون الناس طمعاً فی برهم ونوالهم من لا یهفو إلى النساء ، ولا حاجه له فیهن ، کالبله من الرجال او الشیوخ العاجزین الصلحاء . «أو الطفل الذین لم یظهروا على عورات النساء» وأرید به جمیع الأطفال الذین لا یعرفون عورات النساء لسذاجتهم ، وضعف غریزتهم الجنسیه . «ولا یضربن بأرجلهن لیعلم ما یخفین من زینتهن» للاعلام عن خلخالها أو اسماع صوته . «وتوبوا إلى الله جمیعاً أیها المؤمنون لعلکم تفلحون» (النور : ۳۱) . تسعدون فی الدارین . * * *وهکذا جاءت أحادیث أهل البیت علیهم السلام تحض على العفاف ، وغض الأبصار عن النظره المحرمه ، فضلاً عن الاختلاط ، سیان فی ذلک الرجال والنساء . قال الصادق (ع) : «النظره سهم من سهام إبلیس مسموم ، وکم نظره أورثت حسره طویله» (1) . وقال (ع) : «أول النظره لک ، والثانیه علیک ، والثالثه فیها الهلاک» (2) . وقال (ع) : «نهى رسول الله (ص) أن یدخل الرجل على النساء إلا بإذن أولیائهن» (3) . وعن أبی جعفر وأبی عبد الله علیهما السلام قالا : «ما من أحد إلا وهو یصیب حظاً من الزنا ، فزنا العین النظر ، وزنا الفم الغیبه ، وزنا الیدین اللمس ، صدق الفرج ذلک أم کذب» (4) . وقال الصادق (ع) : «من نظر إلى امرأه فرفع بصره إلى السماء ، لم یرتد إلیه بصره حتى یزوجه الله من الحور العین» (5) . وعنه ، عن أبیه علیهما السلام قال : قال رسول الله (ص) : «کل عین باکیه یوم القیامه إلا ثلاثه أعین : عین بکت من خشیه الله ، وعین غضت عن محارم الله ، وعین باتت ساهره فی سبیل الله» (6) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) الوافی ج ۱۲ ص ۱۲۷ ، عن الکافی . (۲) الوافی ج ۱۲ ص ۱۲۷ ، عن الفقیه . (۳) الوافی ج ۱۲ ص ۱۲۳ ، عن الکافی . (۴) الوافی ج ۱۲ ص ۱۲۷ ، عن الکافی . (۵) الوافی ج ۱۲ ص ۱۲۷ ، عن الفقیه . (۶) البحار م ۲۳ ص ۱۰۱ عن خصال الصدوق (ره) .