الصیام دوره تدریبیه فی الأخلاق
والشریعه الإسلامیه جاءت بمنهج کامل للحیاه، وبنظام تام متکامل لکل متطلباتها، وأوضحت معالم هذا الطریق وذلک الاتجاه قبل مئات السنین مما یزعمون، فهذا شهر رمضان الذی فرض الله صیامه على المسلمین المکلفین فی کل عام لمصلحه الصائمین أنفسهم، لأنّ الله هو الغنی المطلق عن أی شیء وعن کل شیء سبحانه وتعالى، وما شهر رمضان فی حقیقته إلا دوره تدریبیه للمؤمن، لکن لیست على فن التدریس مثلاً لأنّه لیس خاصاً بالمدرسین، ولا على فنون القتال أیضاً؛ لأنّه لیس خاصاً بالجنود وأفراد القوات المسلحه، ولا على أسالیب التجاره والصناعه والزراعه کذلک، لأنّه لیس خاصاً بالتجار والصناع والزراع.
إنّه دوره تدریبیه على متطلبات الحیاه الضروریه عموماً، وهو دوره تدریبیه للإنسان بموجب صفته الإنسانیه على ما تتطلبه وتحتاجه هذه الصنعه من أعمال وعلوم.. ومتطلبات کثیره.
لقد أقام الله هذه الدوره ونظّم لها من البرامج ما یجعلها تستوفی کل حاجات الإنسان فی الحیاه لا تنقص فیها واحده، وبأیسر الطرق وأقلها تکلفه؛ ما یجعلها مفتوحه أمام جمیع الناس غنیّهم وفقیرهم، نسیبهم وحقیرهم على حد سواء.
ففی الصوم تدریب على الصبر.. وما أحوج الإنسان إلى الصبر فی هذه الحیاه، من صبر على تأمین الرزق، وصبر على تحمل الأذى واحتمال الصدمات الحیاتیه ومصائبها دون أن تخور الهمه أو تثنى العزیمه.. وأی شیء غیر الصیام یصلح مدرّباً على الصبر؛ حیث مشاق الحیاه وهمومها ومعضلاتها، فإن صبر الإنسان على ترک طعامه وشرابه طیله یوم وقد یمتد أحیاناً إلى خمس عشره ساعه والطعام بین یدیه، ونظره یقع علیه.. عندها یکون على صبر أذى الجار عند قدرته علیه أصبر، وعلى تحمل أذى الصدیق أکثر صبراً؛ لأن شهوه البطن من أشد الشهوات الإنسانیه قوه وعناداً إذا ما استثیرت أو هُیّجت.
وفی الصیام تدریب على اتباع النظام.. حیث إنّ المسلم یقوم به فی لحظه معینه لا یجوز تأخیره عنها ولو لثانیه واحده، کما أن علیه أن یفطر فی لحظه معینه أیضاً، ولا یجوز تأخیره دفعاً للمشقه الزائده عن نفسه على وجه الأفضلیه، فما أحوجنا إلى هذا النظام فی حیاتنا تنظیماً لمواعیدنا وفی دراستنا وریاضه جسمنا، فحین یصوم المؤمن حقاً ویفهم معنى هذا الصیام.. عندها یکون على الالتزام بالمواعید والصدق أقدر دون شک.
وفی الصیام أیضاً تهذیب للضمیر، وتربیه للعواطف الإنسانیه النبیله، وتعوید على مکارم الأخلاق وتصفیه للنفوس، وتجمید للمیول.. فبالصیام تضعف الحیوانیه فی الإنسان وتتألق الإنسانیه؛ حیث یرجع – فی هذا الشهر الکریم – من شذّوا عن الطریق السویه إلى بارئهم، ویتوبون توبه نابعه من ضمیر ربّاه الصوم، وإحساس أرهفه الجوع فی سبیل الله..
فکم من مرتکب للصغیره والکبیره ترکها فی رمضان بفضل تربیه الصیام ومرامیه، وفی الصیام دروس فی التربیه الصحیه لا یستطیع غیره تأدیتها، وقد عرف الطب الحدیث الصیام علاجاً ووقایه لکثیر من الأمراض المستعصیه، بل قرّر کثیر من الأطباء أنّ الصوم هو الدواء الوحید لبعض الأمراض المزمنه أیضاً.. وهکذا نجد أنّ الصوم فعلاً دوره تدریبیه فی الأخلاق یتخرج منها الصائمون بتفوق ونجاح.