الصائم بین جناحی الخوف والرجاء
یقول الله تعالى: (وَاذْکُرْ رَبَّکَ فِی نَفْسِکَ تَضَرُّعًا وَخِیفَهً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَکُنْ مِنَ الْغَافِلِینَ) (الأعراف/ ۲۰۵)، (أُولَئِکَ الَّذِینَ یَدْعُونَ یَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِیلَهَ أَیُّهُمْ أَقْرَبُ وَیَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَیَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّکَ کَانَ مَحْذُورًا) (الإسراء/ ۵۷)، ویَدعُوننا رَغَباً وَرَهَباً) (الأنبیاء/ ۹۰)، (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنْفِقُونَ) (السجده/ ۱۶).
یقول ابن القیم: والرهبه الإمعان فی الهرب من المکروه، وهی ضد الرغبه التی هی سفر القلب فی طلب المرغوب فیه، والفرق بین الرغبه والرجاء أنّ الرجاء طمع والرغبه طلب، فهی ثمره الرجاء، فإنّه إذا رجا الشیء طلبه، والخشیه أخص من الخوف فإنّ الخشیه للعلماء بالله. قال تعالى: (إِنَّمَا یَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر/ ۲۸)، فهو خوف مقرون بمعرفه، وقال النبی (ص): "إنی أتقاکم لله وأشدکم له خشیه".
والخوف المحمود الصادق ما حال بین صاحبه ومحارم الله، فإذا تجاوز ذلک خیف منه الیأس والقنوط.. ومدح الله خوف المؤمنین فی سوره "المؤمنون" فی قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِینَ هُمْ مِنْ خَشْیَهِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِینَ هُمْ بِآیَاتِ رَبِّهِمْ یُؤْمِنُونَ * وَالَّذِینَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا یُشْرِکُونَ * وَالَّذِینَ یُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَهٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِکَ یُسَارِعُونَ فِی الْخَیْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون/ ۵۷-۶۱).
والخوف لیس مقصوداً لذاته، بل هو مقصود لغیره قصد الوسائل، ولهذا یزول بزوال المخوف، فإن أهل الجنه لا خوف علیهم ولا هم یحزنون.
وأول الخوف: الخوف من العقوبه، وهو الخوف الذی یصح به الإیمان، وهو یتولد من تصدیق الوعید وذکر الجنایه ومراقبه العاقبه.
وأوسطه إشفاق على الوقت.. أی یحذر على وقته أن یخالطه ما یصرفه عن الحضور مع الله عزّ وجلّ، وعلى القلب أن یزاحمه عارض من فتره أو شهیه أو شهوه، وکلها أسباب إعاقه لهذا الطائر لغرضه وهی الجنه.. ونهایته إشفاق یصون سعیه عن العُجب الذی یفسد العمل کما یفسده الریاء.
– الإشفاق:
وفی رمضان، حینما یسبح الطائر الملون الجمیل الرشیق فی فضاء الزمن، ویتلذذ بالصیام والقیام والصدقه والاعتکاف، هو أیضاً یحمل فی جسده المنساب نوعاً رقیقاً من الخوف یتمشى مع رقته الرمضانیه، وهو الإشفاق، الذی قال عنه ابن القیم: إنّه خوف برحمه من الخائف لمن یخاف علیه، فنسبته إلى الخوف نسبه الرأفه إلى الرحمه، فإنّها ألطف الرحمه وأرقها، وبدایته إشفاق على النفس أن تجمع إلى العناد، أو أن تسرع وتذهب إلى طریق الهوى والعصیان ومعانده العبودیه، ثمّ هو إشفاق على العمل أن یصیر إلى الضیاع.
ومن آیات الإشفاق: (یَعْلَمُ مَا بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا یَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْیَتِهِ مُشْفِقُونَ) (الأنبیاء/ ۲۸)، (وَالَّذِینَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) (المعارج/ ۲۷).
وهناک خوف فی الدنیا یبدله الله أمناً لعباده المؤمنین: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الأرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا یَعْبُدُونَنِی لا یُشْرِکُونَ بِی شَیْئًا وَمَنْ کَفَرَ بَعْدَ ذَلِکَ فَأُولَئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور/ ۵۵).
الخوف کما فی القرآن الکریم یکون من الله ومن مقام الله ووعید الله وعذاب الله والحشر إلى الله، ومن الساعه والآخره ویوم القیامه وشره وسُوء الحِسابِ وظلل النار.
والرجاء یکون لله ولرحمه الله ولقاء الله وأیام الله (ثوابه، أیادیه ونعمه) والتجاره مع الله ورجاء الیوم الآخر، (مَنْ کَانَ یَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ) (العنکبوت/ ۵)، (لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ لِمَنْ کَانَ یَرْجُو اللَّهَ وَالْیَوْمَ الآخِرَ وَذَکَرَ اللَّهَ کَثِیرًا) (الأحزاب/ ۲۱).
أما جناح الرجاء، فقد یلبس الناس جناحاً "مقلداً مزوراً" بدیلاً له هو جناح "التمنی".. وشتان بینهما، فالتمنی یکون مع الکسل، والرجاء یکون معه بذل الجهد وحسن التوکل.
– ثلاثه أنواع:
یقول ابن القیم: الرجاء ثلاثه أنواع، نوعان محمودان، ونوع مذموم.
الأوّل: رجاء رجل عمل بطاعه الله على نور من الله فهو راجٍ لثوابه.
الثانی: رجل أذنب ذنوباً ثمّ تاب منها، فهو راجٍ لمغفره الله تبارک وتعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وکرمه.
والثالث: رجل متمادٍ فی التفریط والخطایا، یرجو رحمه الله بلا عمل، فهذا هم الغرور والتمنی والرجاء الکاذب.
قال یحیى بن معاذ: "یکاد رجائی لک مع الذنوب یغلب رجائی لک مع الأعمال، لأنی أجدنی أعتمد فی الأعمال على الإخلاص، وکیف أصفیها وأحرزها وأنا بالآفات معروف، واجدنی فی الذنوب أعتمد على عفوک، وکیف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟".
ومن شده تکامل الجناحین، قال العلماء: کل راجٍ خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء یأس وقنوط.
فالخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فکل راجٍ خائف وکل خائف راجٍ.
– رجاء أرباب القلوب:
وأوّل الرجاء رجاء یبعث العامل على الاجتهاد، فإن من عرف قدر مطلوبه هان علیه ما یبذل فیه، کحال من یرجو الأرباح العظیمه فی سفره، ویقاسی مشاق السفر لأجلها، فکلما صورها لقلبه هانت علیه تلک المشاق وتلذذ بها.
وأعلى من هذا الرجاء رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق الباعث على الاشتیاق، المنغص للعیش، المزهد فی الخلق.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ یُوحَى إِلَیَّ أَنَّمَا إِلَهُکُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ کَانَ یَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْیَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا یُشْرِکْ بِعِبَادَهِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الکهف/ ۱۱۰).
وهذا الرجاء هو محض الإیمان وزبدته، وإلیه شخصت أبصار المشتاقین، ولذلک سلاهم الله بإثبات أجل اللقاء، وضرب لهم أجلاً یسکِّن نفوسهم ویطمئنها.
ما أعظم کرم الله وسعه رحمته حین یشعر بها الإنسان فی رمضان، وبُعَیْد رمضان حینما یفرح بإکمال العده فیکبر فرحاً.. وتتجسد فی لیله القدر رحمات الله، ویکون المرء فیها أقرب للرجاء منه للخوف فی هذا المقام.. ولِمَ لا؟ فإن الله: الفضل أحب إلیه من العدل.. والعفو أحب إلیه من الانتقام.. والمسامحه أحب إلیه من الاستیفاء.. ورحمته سبحانه غلبت غضبه.. سبحانه من إله عظیم!