أقسام تحمّل الحدیث وطرق نقله

0

ولا یشترط الإسلام ولا البلوغ على الأصحّ، فلو تحمّل کافراً أو صبیّاً ممیّزاً ورواه مسلماً بالغاً قُبل، کما اتّفق فی جماعه من الصحابه خلافاً لشذوذ فی الأخیر، ولا عبره به، وکذا لا عبره (۱) بتحدید السنّ ـ المسوِّغ للإسماع ـ بعشر سنین أو خمس أو أربع؛ لاختلاف الناس فی مراتب الفهم والتمییز، فمن فهم الخطابَ ومیّز ما یسمعه صحّ وإن کان دون خمس، ومن لم یکن کذلک لم یصحّ وإن کان ابن خمسین.
وعن الفاضل تقیّ الدین الحسن بن داود أنّ صاحبه ورفیقه السیّدَ غیاثَ الدین بن طاووس استقلّ بالکتابه واستغنى عن المعلّم وعمرُه أربع سنین. (۲) وقد حکی أمثال ذلک کثیراً.
وکذا لا یشترط فی المرویّ عنه کونُه أکبرَ من الراوی نسباً ولا رتبه وقدراً وعلماً. وقد اتّفق ذلک کثیراً على ما حکى للصحابه فمَن دونهم.
الثانی: لتحمّل الحدیث طرق سبعه:
أوّلها وأعلاها عند جمهور المحدّثین السماعُ من لفظ الشیخ سواء کان إملاء من حفظه أو کان تحدیثَه من کتابه.
ووجه الأعلائیّه أنّ الشیخ أعرف بوجوه ضبط الحدیث وتأدیته؛ ولأنّه خلیفه رسول اللّه‏ وسفیره إلى أُمّته والأخذ منه کالأخذ منه؛ ولأنّ النبیّصلى‏ الله‏ علیه‏ و‏آله أخبر الناس أوّلاً وأسمعهم ما جاء به، والتقریر على ما جرى بحضرته أولى؛ ولأنّ السامع أربطُ وأوعى قلباً، وشغل القلب وتوزُّع البال إلى القارئ أسرعُ.
وبعض هذه الوجوه استحسان، والدلیل هو الذی یفید الأضبطیّه، وهو الأوّل والأخیر، ومقتضاه کون السامع المخاطب أقوى من السامع غیر المخاطب من حضّار مجلس السماع.
وفی صحیحه عبد اللّه‏ بن سنان قال: قلت: لأبی عبد اللّه‏علیه ‏السلام یجیئنی القوم فیستمعون منّی حدیثکم، فأضجر ولا أقوى. قال: «فاقرأ علیهم من أوّله حدیثاً ومن وسطه حدیثاً  (3)  ومن آخره حدیثاً» ولعلّ فی عدوله  علیه‏ السلام إلى قراءه هذه الأحادیث مع العجز دلالهً على أولویّته على قراءه الراوی، وإلاّ لأمر بها؛ فتدبّر.
فیقول الراوی حینئذٍ ـ فی مقام روایته ذلک المسموع لغیره ـ: «سمعت فلانا» وهذه العباره أعلى العبارات فی تأدیته المسموعَ؛ لدلالته نصّاً على السماع الذی هو أعلى طرق التحمّل، ثمّ بعدها أن یقول: «حدّثنی» و«حدّثنا»؛ لدلالتهما أیضاً على قراءه الشیخ علیه، لکنّهما یحتملان الإجازه والکتابه؛ لما عن بعضٍ مِن إجازه الإخبار بهذه العباره فیهما.
وعن بعض المحدّثین أنّه کان یقول: «حدّثنا فلان» عند عدم استماعه واستماع أهل المدینه مریداً به ذلک التأویل.
وقیل: هما أعلى من الأُولى؛ لأنّه لیس فی «سمعت» دلالهٌ على أنّ الشیخ روى له الحدیث وخاطبه به، وفی «حدّثنا» و«أخبرنا» دلاله على المخاطبه.
وفیه: أنّ هذه وإن کانت مزیّهً إلاّ أنّ الخَطْب فیها أسهلُ من احتمال الإجازه والتدلیس.
ثمّ بعدهما أن یقول: «أخبرنا»؛ لظهور الإخبار فی القول، ولکن لمکان استعماله فی الإجازه والمکاتبه کثیراً کان أدونَ.
ثمّ بعده «أنبأنا» و«نبّأنا»؛ لغلبه هذه اللفظه فی الإجازه.
وأمّا قول الراوی: «قال لنا» و«ذکر لنا» فهو من قبیل «حدّثنا» فیکون أعلى من «أنبأنا»؛ فتدبّر.
لکنّه ینقص من «حدّثنا»؛ لدلالته على کونه فی مقام التحدیث، ودلالهُ قوله:
«قال لنا» على ما سمع فی المذاکره فی المجالس والمناظره أشبهُ؛ فتدبّر أیضاً.
وأدنى العبارات قوله: «قال فلان» من دون إضافهِ «لی» أو «لنا»؛ لأنّه بحسب مفهوم اللفظ أعمُّ من السماع أو الوصول إلیه ولو بوسائطَ، وإن کان الظاهر من اللفظ التحمّلَ على نحو السماع کما فی «حدّثنا».
وثانیها: القراءه على الشیخ، ویسمّى العَرْضَ؛ لأنّ القارئ یعرضه على الشیخ، سواء کانت القراءه من حفظ القارئ أو من کتاب، وسواء قرأ ما یحفظه الشیخ أو کان الراوی یقرأ والأصل بید الشیخ أو ید ثقهٍ غیرِه، واحتمال سهو الثقه نادر ولا یقدح، کما لا یقدح ذلک الإحتمال عند قراءه الشیخ. وهذه الطریقه صحیحه اتّفاقاً وإن خالف فیه بعضُ مَن لا یعتدّ به.
وإنّما الکلام فی أنّ القراءه على الشیخ أقوى من السماع، أو أدونُ منه، أو مساویه له ؟ والأشهر الثانی. وعن علماء الحجاز والکوفه الأخیرُ؛ لتحقّق القراءه على الحالتین مع سماع الآخر.
وعن ابن عبّاس أنّ النبیّ صلى‏ الله‏ علیه‏ و‏آله قال: «قراءتک على العالم وقراءه العالم علیک سواء ». (4) وعن بعضٍ الأوّلُ، ولم نجد له وجهاً.
والحقّ لعلّه الأوّل (۵)؛ فإنّ المدار فی قوّه الحدیث على الأعلمیّه والأحفظیّه والأضبطیّه، وممّا نجده فی الخارج زیاده الملاحظه عند القراءه من الملاحظه والإلتفات عند السماع، ولمّا کان المناط على زیاده التفات الشیخ کان قراءه الشیخ أعلى. والروایه المذکوره محموله على مساواتها فی الجمله.
والعباره عن هذه الطریقه أن یقول الراوی عند الروایه: «قرأت على فلان» أو «قرءتم علیه وأنا أسمع وأقرّ الشیخ به» بمعنى عدم الاکتفاء بالقراءه علیه وعدم إنکاره ولا بإشارته بل تلفّظ بما یقتضی الإقرار بکونه مرویَّهُ. وهذان فی هذه الطریقه أعلى؛ لدلالتهما على الواقع صریحاً.
ثمّ بعدهما قوله: «حدّثنا» و«أخبرنا قراءهً علیه».
وعن بعض المحدّثین کفایتهما مطلقین وفی قولٍ ثالث تجویزُ إطلاق «أخبرنا» دون «حدّثنا».
ومدرک الأوّل واضح، والثانی أنّ إقراره به قائم مقام التحدیث والإخبار، ومن ثَمَّ جازا مقترنین بقید «قراءه علیه».
وضعف التعلیل واضح؛ لأنّ الجواز مع القرینه لا یعطی الجوازَ بدونها کما فی سائر المَجازات. ووجه الثالث قوّه ظهور «حدّثنا» فی النطق والمشافهه بخلاف «أخبرنا»؛ فإنّه یُتجوّز به فی غیر النطق کثیراً.
وأوّل الوجوه أظهرها.
وفی قولٍ: لو قال الراوی للمرویّ عنه: «أخبرک فلان بکذا» وهو ساکت مُصْغٍ إلیه فلم ینکر ذلک صحّ الإخبار والتحدیث عنه، وإن لم یتکلّم بما یقتضی الإقرار به؛ لأنّ عدالته تمنع عن السکوت عن إنکار ما ینسب إلیه من غیر صحّه.
ومن البیّن أنّ السکوت مع عدم الصحّه أعمُّ من الإقرار، ولا ینافی العداله، فیقول حینئذٍ عند الروایه: «قرئ علیه وهو یسمع» ولا یجوز أن یقول: «حدّثنی»؛ لأنّه کذب، وما سمعه وحده أو مع الشکّ فی سماع الغیر یقول: «حدّثنی» وما سمعه مع الغیر یقول: «حدّثنا»، ولو عکس الأمر فیهما لقصد التعظیم ودخوله فی العموم جاز؛ لصحّته لغهً وعرفاً إلاّ أنّ التأدیه على ما هو المطابق للواقع من دون ملاحظه هذه الأشیاء أولى.
ومنعوا فی الکلمات الواقعه فی المصنّفات بلفظ «أخبرنا» و«حدّثنا» من إبدال إحداهما بالآخَر؛ لاحتمال أن یکون القائل لا یرى التسویه بینهما وکذا الناظر، فیقع التدلیس ولا تجوز الروایه مع کون السامع أو المستمع ممنوعاً من السماع بشواغلَ کالنسخ والتحدیث وغیرهما ممّا یوجب عدم فهم المقرّر، ووجهه واضح.
ولا یُشترط فی صحّه الروایه بالسماعه أو القراءه رؤیه الراوی للمرویّ عنه، بل یجوز ولو من وراء الحجاب إذا عرف الصوت أو عرف أنّه الشیخ بالشهاده، وظاهرهم الاکتفاء فی ذلک بإخبار ثقه.
وفیه تأمّل إذا لم یفد القطع.
وعن بعضٍ اشتراط الرؤیه؛ لإمکان المماثله فی الصوت.
وأنت خبیر بأنّ المناط إذا کان القطع لا یجری هذا الإحتمال، وعلى فرض جریانه یجری فی الرؤیه أیضاً.
وکذا لا یُشترط علم المحدّث بالسامعین، بل لا یؤثّر منع البعض بعد إسماع الکلّ. نعم، إذا کان ذلک المنع لتذکّره الخطأَ فی الروایه لم یختصّ المنع بذلک البعض ویُقبل قوله فیه.
وثالثها: الإجازه، مأخوذهً من جواز الماء الذی سقته الماشیه، ونحوِه. ومنه قولهم: استجزته فأجازنی: إذا سقاک ماءً لماشیتک أو أرضک. فالطالب للحدیث یستجیز العالمَ علمَه أی یطلب إعطاءه له على وجه یحصل به الإصلاح لنفسه کما یحصل للأرض والماشیه الإصلاح بالماء فیجیز له. وکثیراً مّا یطلق على العلم اسم الماء، وعلى النفس اسم الأرض، وعلیه یمکن تنزیل قوله تعالى: «وَ تَرَى الْأَرْضَ هَامِدَهً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَیْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ» (6) قولِه تعالى: « وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ کُلَّ شَىْ‏ءٍ حَىٍّ » (7) وعلى ذلک یتعدّى الإجازه إلى المفعول بغیر حرف، فیقول: أجزتک مسموعاتی.
وقیل: الإجازه إذن وتسویغ وهو المعروف، وعلیه یقول: أجزت لک روایهَ کذا. وقد یقال على المعنى الثانی «أجزت لک مسموعاتی» بحذف المضاف وعلى وجه المجاز بالحذف. 
حکم الروایه بالإجازه
ثمّ إنّ المشهور بین المحدّثین والأُصولیّین جواز الروایه والعمل بالإجازه بل عن جماعه دعوى الإجماع على ذلک نظراً إلى شذوذ المخالف.
وعن الشافعی فی أحد قولیه وجماعهٍ من أصحابه: عدمُ جواز الروایه بها؛ استناداً إلى أنّ قول المحدّث: «أجزت لک أن تروی عنّی» فی معنى: «أجزت لک ما لا یجوز فی الشرع»؛ لأنّه لا یُبیح روایه ما لم یُسمع، فکان فی قوّه «أجزت أن تکذب علیَّ». (8) وضعفه ظاهر؛ لأنّ الإجازه عرفاً فی قوّه الإخبار بمرویّاته جملهً فهو کما لو أخبره تفصیلاً، والإخبار غیر متوقّف على التصریح نطقاً کما فی القراءه على الشیخ، مضافاً إلى أنّ الإجازه والروایه بها مشروطتان بتصحیح الخبر من المجیز بوجوده فی أصل مصحّح مع بقیّه ما یعتبر فیها، فلا یتحقّق الکذب، مضافاً إلى أنّ حصر جواز الروایه فیما سُمع تفصیلاً أوّلُ الکلام، فهذا الاستدلال یُشبه المصادرهَ.
ثمّ المجوّزون اختلفوا فی ترجیح السماع علیها أو بالعکس بین عصر السلف قبل جمع الکتب المعتبره التی یعوّل علیها، وبین عصر المتأخّرین، ففی الأوّل السماع أرجح؛ لأنّ السلف کانوا یجمعون الحدیث من صحف الناس وصدور الرجال فدعت الحاجه إلى السماع خوفاً من التدلیس بخلاف ما بعد تدوینها؛ لأنّ فائده الروایه حینئذٍ إنّما هی اتّصال سلسله الإسناد إلى النبیّ تیمّناً وتبرّکاً، وإلاّ فالحجّه تقوم بما فی الکتب، ویعرف القویّ منها والضعیف من کتب الجرح والتعدیل.
ولا یخفى أنّ هذا الوجه إنّما یقتضی الحاجه إلى السماع فی العصر الأوّل دون العصر اللاحق لا ترجیحَ السماع فی أحدهما، والإجازهِ فی الآخَر، فما قوّاه فی شرح الدرایه (۹) لیس فی محلّه.
والحقّ هو الأوّل (۱۰)؛ لاشتمال السماع على مزایا غیر موجوده فی الإجازه کما لا یخفى.   
أقسام الإجازه
ثمّ الإجازه إمّا تتعلّق بأمر معیّن لشخص معیّن، کقوله: «أجزت لک بروایه الکتاب الفلانی»، أو بأمر معیّن لغیر معیّن، کقوله: «أجزت جمیع المسلمین» أو «کلَّ أحد» أو «من أدرک زمانی» وما أشبه ذلک «الکتابَ الفلانیَّ» أو بعکس ذلک، کقوله: «أجزت لک روایه جمیع مسموعاتی» أو «مرویّاتی» وما أشبه ذلک، أو بغیر معیّن لغیر معیّن.
وأعلاها الأوّل؛ لانضباطه بالتعیین حتّى زعم بعضهم أنّه لاخلاف فی جوازه وإنّما الخلاف فی غیر هذا النوع، وبعده الثالث؛ لعدم انضباط المَجاز، ولو قُیّدتْ بوصف خاصّ، کـ«مسموعاتی من فلان» أو «فی بلد کذا» إذا کانت متمیّزهً کان أولى، وربما یعدّ ذلک فی درجه الأوّل.
وضعفهما ظاهر؛ فإنّ المناط فی القوّه ضبط الروایات وتعیینها، لا المستجیزُ؛ فالأولى جعل الأوّل والثانی فی درجه واحده، وکذا الثالث والرابع.
وممّن نقل منه الإجازه على الوجه الأخیر (۱۱) السیّد تاج الدین؛ حیث إنّ الشهید  رحمه‏الله طلب منه الإجازه له ولأولاده ولجمیع المسلمین ممّن أدرک جزءا من حیاته جمیعَ مرویّاته، فأجازهم ذلک بخطّه. (۱۲) وتبطل الإجازه بمرویٍّ مجهولٍ، ککتاب کذا وله کتب کثیره بذلک الاسم، ولشخص مجهول، کمحمّد بن أحمد مثلاً وله موافقون فی ذلک الاسم والنسب.
وتجوز الإجازه لجماعه معیّنین بأنسابهم وأسمائهم وإن لم یَعرف المجیز أعیانَهم، کما یجوز لو عرفهم بأعیانهم وإن لم یعرفهم بأسمائهم وأنسابهم؛ لحصول العلم فی المقامین فی الجمله والخروجِ عن المجهولیّه الصرفه، والمراد بالجواز وعدمه ترتّب أثر الإجازه وعدمُه.
واختلفوا فی تعلیق الإجازه على مشیّه الغیر، کقوله: «أجزت لمن شاء فلان» فعن المعروف بطلانه؛ للجهاله. وعن بعضٍ عدم البطلان؛ لارتفاع الجهاله عند وجود المشیّه.
والثانی أظهر؛ فإنّ سبیله سبیلُ قوله: «جمیع المسلمین» وقوله: «أجزت لمن شاء الإجازه» أو «لفلان إن شاء» وقد حکموا فیهما بالصحّه.
قالوا: لاتصحّ الإجازه للمعدوم من دون ضمیمه بخلافه معها، کما فی الوقف. وعن بعضٍ جوازُها له مطلقاً؛ لأنّها مجرّد الإذن. وهو الأقوى بملاحظه تجویزهم الإجازهَ لغیر الممیّز من المجانین والأطفال بغیر خلافٍ یُنقل، مع أنّ سبیلهم فی عدم فهم الإجازه سبیل المعدوم، وقد وقع ذلک من جماعه من فضلائنا على ما حکاه فی شرح الدرایه؛(۱۳) حیث أجازوا لأولادهم عند ولادتهم، وادّعی وجود خطوطهم بذلک مع تأریخ ولادتهم، فلعلّ الفرق تحکّم؛ فتدبّر.
ومتى جازت الإجازه للمعدوم فللحمل بطریقٍ أولى، وکذا للکافر والفاسق والمبتدع؛ لإمکان الانتفاع بأدائه عند ارتفاع الموانع.
قالوا: ولا تجوز الإجازه بما لم یتحمّله المجیز بعدُ لیرویه المستجیز منه إذا تحمّل؛ لأنّها فی حکم الإخبار أو الإذن ولا یعقل الإخبار بما لم یُخبَر به، ولا أن یأذن فیما لم یَملک، کما لو وکّل فی بیع العبد الذی یرید أن یشتریه.
ولعلّ الأقوى الجواز وفاقاً لبعض؛ فإنّها ـ سواء کانت فی حکم الإخبار أو الإذن ـ لیست فی حکمهما فی جمیع الأحکام، بل یظهر جوازها من جواز الإجازه للمعدوم مع عدم جواز الإخبار والإذن له وکذا توکیله.
وقد حکی الإجازه على هذا النحو من جمع من الأفاضل مضافاً إلى دلاله المعنى الأصلی للإجازه ـ وهو: إسقاء الماء للماشیه ـ على جواز ذلک؛ فإنّ الماء ممّا یتدرّج حصوله إذا کان من العیون. نعم، یتعیّن على المستجیز حینئذٍ تحقیق ما یتحمّله.
ویصحّ للمُجاز له إجازهُ المُجاز لغیره. والقول بانحصار أمره فی العمل بنفسه متروک. وإذا کتب المجیز بالإجازه وقصدها، صحّت بغیر تلفّظ، والإجازه باللفظ والکتابه أولى؛ لتحقّق حقیقه الإخبار أو الإذن اللذین متعلّقهما اللفظ، ووجه الاقتصار على الکتابه فقط؛ لتحقّق الإذن فی مثل الوکاله (۱۴) وسائر التصرّفات بها، واستعمالِ الإخبار توسّعاً فی غیر اللفظ عرفاً.
ورابعها: المناوله، وأعلاها المقرونه بالإجازه، فیقول له عند المناوله: «هذا مسموعی من فلان» أو «روایتی منه فارْوِه عنّی» أو «أجزت لک روایه ما فیه عنّی» سواء ملکه الکتاب أو الأصل أو أعاره للنسخ، ویسمّى ذلک بعرض المناوله.
ومرتبته دون السماع؛ لاشتمال القراءه على ضبط الروایه وتفصیلها بما لا یتّفق بالمناوله. والقول بتساویهما ضعیف.
ثمّ دونه أن یناوله سماعَه ویجیزَه له ویمسکَه الشیخ عنده ولا یمکّنَه فیه، فیرویَه إذا وجده أو ما قوبل به. ولا یکاد یوجد لمثل هذه المناوله مزیّه على الإجازه المجرّده من المناوله وإن حکی عن المشهور وجودها.
وأدونها المناوله المجرّده عن الإجازه بأن یناوله کتاباً ویقولَ: «هذا سماعی» مقتصراً علیه. 
حکم الروایه بالمناوله
ولعلّ المشهور أنّه لا تجوز الروایه بها. وعن بعضٍ جوازها؛ لحصول العلم بکونه مرویّاً له مع إشعاره بالإذن له فی الروایه.
ویدلّ علیه ما عن الکافی بإسناده إلى أحمد بن عمر الحلاّل، قال: قلت لأبی الحسن الرضاعلیه‏السلام: الرجل من أصحابنا یعطینی الکتاب ولا یقول: أروه عنّی، یجوز لی أن أرویه عنه ؟ قال: فقال: «إذا علمت أنّ الکتاب له فاروه عنه ». (15)
فلعلّ الجواز أقوى، ولاسیّما بعد ثبوت الجواز فی المراتب اللاحقه کما سیجیء، ولکنّه إذا روى بالمناوله، قال: «حدّثنا فلان» أو «أخبرنا مناولهً» غیرَ تارک للقید؛ لظهور المطلق فی السماع والقراءه.
وخامسها: الکتابه، وهو أن یکتب الشیخ مرویّه لغائب أو حاضر بخطّه أو خطّ غیره مع کتابته بعده بما یدلّ على الأمر بالکتابه. 
حکم الروایه بالکتابه
وإذا کانت مقرونهً بإلاجازه، کانت فی الصحّه والقوّه کالمناوله المقرونه بها، وإن کانت مجرّده عنها ففی جواز الروایه بها قولان: من حیث إنّ الکتابه لا تقتضی الإجازه؛ ولأنّ الخطوط تشتبه، فلا یجوز الإعتماد علیها، ومن تضمّنها الإجازهَ معنى؛ لأنّ الکتابه للشخص المعیّن وإرسالَه إلیه وتسلیمَه إیّاه قرینه قریبه على الإجازه للمکتوب إلیه، وذلک هو الأشهر فیما بینهم، وهو الأقوى؛ لما ذکر؛ ولأنّه یکتفى فی الفتاوی الشرعیّه بالکتابه من المفتی مع أنّ خطر الفتوى أعظمُ.
نعم، یعتبر معرفه الخطّ بحیث یحصل الوثوق بعدم التزویر. واشترط بعضهم البیّنه على الخطّ، وفی لزومه تأمّل واضح وإن کان أحوطَ. 
مرتبه الروایه بالمکاتبه
وعلى تقدیر اعتبار المکاتبه ـ کما قوّیناه ـ فهی أنزل من السماع حتّى یرجّح علیها مع تساویهما فی الصحّه وغیرها من المرجّحات.
وقد وقع فی مثل ذلک مناظره بین الشافعی وإسحاقَ فی جلود المیته إذا دُبغت هل تطهر أو لا ؟ قال الشافعی: دباغها طهورها. فقال إسحاق: ما الدلیل ؟ فقال: حدیث ابن عبّاس عن ابن میمونه: هلاّ انتفعتم بجلدها ؟ یعنی الشاه المیته. فقال إسحاق: حدیث ابن حکیم کتبه إلینا النبیّ  علیه ‏السلام قبل موته بشهر: «لاتنتفعوا من المیته بإهاب ولا عصب » أشبهَ أن یکون ناسخاً لحدیث ابن میمونه؛ لأنّه قبل موته بشهر. فقال الشافعی: هذا کتاب وذلک سماع، فقال إسحاق: إنّ النبیّ  صلى‏ الله‏ علیه‏ و‏آله کتب إلى کسرى وقیصر وکان حجّه علیهم. فسکت الشافعی (۱۶) .
وحیث یروی المکتوبُ إلیه ما رواه بالکتابه یقول فیها: «کتب إلیّ فلان» أو «حدّثنا فلان» أو «أخبرنا کتابهً» أو «مکاتبه» لا مجرّداً عن القید لیتمیّز عن السماع وما فی معناه. والقول بجواز الإطلاق ضعیف؛ لمکان التدلیس.
وسادسها: الإعلام، وهو أن یُعلم الشیخ طالبَ الحدیث أنّ هذا الکتاب أو الحدیث روایته أو سماعه عن فلان مقتصراً علیه. 
حکم الروایه بالإعلام
وفی جواز الروایه به قولان:
أحدهما: الجواز؛ تنزیلاً له منزله القراءه على الشیخ، فإنّه إذا قرء علیه شیئاً من حدیثه وأقرّ بأنّه روایته من فلان، جاز له أن یرویه عنه وإن لم یسمعه من لفظه ولم یقل له: اروه عنّی؛ وتنزیلاً له منزله من سمع غیرَه یقرأ بشیء فله أن یرویه وإن لم یشهده بل وإن نهاه، ولأنّه یُشعر بإجازته له کما مرّ فی الکتابه وإن کان أضعفَ.
والثانی: المنع؛ لأنّه لم یُجِزْه فکان روایته عنه کاذبهً، وربما أفرط بعض المجوّزین فأجاز الروایه بالإعلام المذکور وإن نهاه کما فی صوره السماع.
ولعلّ الأقوى الأوّل؛ لأنّ المناط فی جواز الروایه عن شخص تثبّتُ کون ذلک من مسموعاته، ولم یدلّ على أزیدَ من ذلک دلیل، والمفروض إعلام الراوی بکون الروایه من باب الإعلام؛ حذراً من التدلیس، فأیّ مانع من جوازه ؟
وفی معنى الإعلام ما لو أوصى له عند موته أو سفره بکتاب یرویه (۱۷)، وفیه القولان المذکوران.
وسابعها: الوجاده ـ بکسر الواوـ وهو مصدر وجد یجد، مولَّد من غیر العرب غیر مسموع من العرب الموثوق بعربیّته، ومنشأ التولید من العلماء وجدانُهم المصدرَ باختلاف المعنى، فیقال: وجد ضالّته وجداناً وإجداناً بالواو والهمزه المکسورتین، ووجد مطلوبه وجوداً وفی المعنى وجد ـ مثلّثه الواو ـ ووجده بالکسر، وفی الحبّ: وجداً.
فولّدوا لأخذ العلم من صحیفه من غیر سماع ولا إجازه ولا مناوله ولا إعلام هذه اللفظهَ.
فتعریفه أنّه أن یجد إنسان کتاباً أو حدیثاً مرویَّ إنسان بخطّه معاصرٍ له أو غیر معاصر لم یسمعهما منه هذا الواجدُ ولا له منه إجازه ولا نحوها.
فیقول حین الروایه: «وجدت» أو «قرأت» بخطّ فلان» أو «فی کتاب فلان بخطّه» ویسوق باقی الإسناد والمتن. وهذا، الذی استقرّ علیه العمل قدیماً وحدیثاً.
وإن لم یتحقّق الواجد الخطّ قال: «بلغنی عن فلان» أو «وجدت فی کتابٍ أخبرنی فلان أنّه بخطّ فلان» إن کان أخبره به أحد، وإذا نقل من نسخه موثوق بها فی الصحّه قال فی نقله من تلک النسخه: «قال فلان»، وإلاّ یثق بها قال: «بلغنی عن فلان أنّه قال کذا». والصواب فی أمثال ذلک الإحترازُ عن إطلاق اللفظ الجازم فی ذلک إلاّ أن یکون الناقل ممّن یعرف صحّه العباره وسقمها بملاحظه سَوْق العباره وصدرها وذیلها، فبعد الوثوق بصحّه العباره لعلّه لا إشکال فی إطلاق اللفظ الجازم فیقول: «قال فلان». 
حکم الروایه بالوجاده
وفی جواز العمل بالوجاده الموثوق بها قولان للمحدّثین والأُصولیّین: فعن الشافعی: الجواز، واستدلّ له بأنّه لو توقّف العمل على الروایه لا نسدّ باب العمل بالمنقول؛ لتعذرّ شرط الروایه فیها.  (18)
ولنعم ما قاله صاحب المعالم من أنّ أثر الإجازه بالنسبه إلى العمل إنّما یظهر حیث لا یکون متعلّقها معلوماً بالتواتر ونحوه. (۱۹) انتهى.
فبعد ثبوت کون الکافی مثلاً من مؤلّفات ثقه الإسلام فأیّ شیء یحصل بالإجازه حتّى یصحّح العمل بأخبارها، وینتفی عند انتفائها ؟
وحجّه المانع أنّه ممّا لم یحدّث به لفظاً ولا معنى، فیخرج عن الروایه.
وأقول: مقتضى ذلک أن لا یعمل بالقرآن؛ لأنّ ما نجده فی یومنا لیس إلاّ الخطوط والنقوش، والإجازهُ من اللّه‏ تعالى أو النبیّ  صلى‏ الله‏ علیه‏ و‏آله أو الأئمّه منتفیه، فینتفی کونه قولَ اللّه‏ تعالى لفظاً أو معنى؛ فتدبّر. 
کیفیّه نقل الحدیث
وأمّا کیفیّه روایه الحدیث فقد أشرنا إلیها فی طرق التحمّل. (۲۰) ولکنّهم اختلفوا فیما به یجوز روایه الحدیث: فعن مالک وأبی حنیفه وبعض الشافعیّه أنّه لا حجّیّه إلاّ فیما رواه الراوی من حفظه وتذکّره. ومنهم من أجاز الإعتماد على الکتاب بشرط بقائه على یده، فلو أخرجه عنها ولو بإعارته لثقه، لم تجز الروایه منه لغیبته عنه المجوّزهِ للتغییر.
والحقّ جواز الروایه من حفظه ومن الکتاب إن خرج من یده مع أمن التغییر؛ فإنّ الإعتماد فی الروایه على الظنّ الغالب الموجب للاطمئنان الحاصل بکلا الأمرین. (۲۱)
ومَن لا یعلم مقاصد الألفاظ وما یختلّ به معانیها ومقادیر التفاوت بینها لم یجز له روایه الحدیث بالمعنى بغیر خلاف، بل یقتصر على روایه ما سمعه باللفظ الذی سمعه، وإن کان عالماً بذلک، جاز على الأصحّ کما یشهد به أحوال الصحابه والسلف وکثیراً مّا کانوا ینقلون معنى واحدا بألفاظ مختلفه، والأخبارُ ورد فی ذلک.
منها: صحیحه محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبی عبد اللّه‏: أسمع الحدیث منک فأزید وأنقص ؟ قال: «إن کنت ترید معانیَه فلا بأس » (22) مضافاً إلى أنّ التعبیر للعجمی بلسان العجم جائز اتّفاقاً فبالعربیّه أولى فتدبّر. (۲۳)
وقیل: إنّما تجوز الروایه بالمعنى فی غیر الحدیث النبویّ؛ لأنّه أفصحُ مَن نطق بالضاد، وفی تراکیبه أسرار ودقائقُ لا یوقَف بها کما هی إلاّ بها، ومن ثَمَّ قال: «نضّر اللّه‏ عبداً سمع مقالتی ووعاها وأدّاها کما سمعها فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه (۲۴)» ولاریب أنّه أولى وإن کان الاصحّ الأوّلَ.
هذا فی غیر المصنَّفات، وأمّا فیها فلا یتغیّر أصلاً؛ لأنّ المجوّز فی غیرها إنّما کان لزومَ الحرج الشدید فی الجمود على الألفاظ، وهو غیر موجود فی المصنّفات المدوّنه إلاّ أن یشیر إلیه. وینبغی تلک الإشاره فی الحدیث المرویّ بالمعنى.
ولم یجوّز مانعوا الروایه بالمعنى وبعضُ مجوّزیها تقطیعَ الحدیث بحیث یروی بعضُه دون بعض إن لم یکن رواه فی محلٍّ آخَرَ أو غیرُه تامّاً.
ومنهم من منعه مطلقاً. وجوّزه آخرون مطلقاً لمن عرف عدم تعلّق المتروک منه بالمرویّ بحیث لا تختلف الدلاله فیما نقله بترک ما ترکه؛ لأنّ المرویّ والمتروک حینئذٍ بمنزله خبرین مستقلّین منفصلین، ولذا ارتکبه السلف من أصحابنا، وفرّقوه على الأبواب اللائقه به.
ویتعلّم من یرید قراءه الحدیث قبل الشروع فیها من العربیّه واللغه ما تَسلم به من اللحن، ففی صحیحه جمیل بن دراج قال: قال أبو عبد اللّه‏: «أعربوا حدیثنا؛ فإنّا قوم فصحاء (۲۵) ».
ولا یسلم من التصحیف بذلک بل بالأخذ من أفواه الرحال ومتى سمع بعض حدیث من شیخ، وبعضَه الآخَرَ عن آخَرَ، روى جملته عنهما مبیِّناً أنّ بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، فیصیر الحدیث مشاعاً بینهما، فإن کانا ثقتین فالأمر فی العمل سهل وإن کان أحدهما مجروحاً لا یجوز به بحال إلاّ إذا تبیّن الجزء الذی رواه الثقه.
 أسماء الرجال وطبقاتهم
وأمّا أسماء الرجال وطبقاتهم وما یتّصل به:
فالصحابی من لقی النبیَّصلى‏ الله‏ علیه‏ و‏آله مؤمناً به ومات على الإسلام وإن تخلّلت رِدّته، والمراد ب  «اللقاء» الأعمّ من المجالسه والمماشاه ووصول أحدهما إلى الآخر وإن لم یره، والتعبیر به أولى من التعبیر بمن رأى النبیّ  صلى‏الله‏علیه‏و‏آله؛ لخروج ابن أُمّ مکتوم عن التعریف مع کونه صحابیّاً بغیر خلاف.
واحترزوا ب  «الإیمان به» عمّن لقاه کافراً وإن أسلم بعده أو لقاه مؤمناً بسائر الأنبیاء دونه، وب  «الموت على الإسلام» عمّن ارتدّ ومات على الردّه کعبد اللّه‏ بن جحش ونحوه، ودخل بقولنا: «وإن تخلّلت ردّته» ما إذا رجع إلى الإسلام فی حیاته وبعده ـ سواء لقیه ثانیاً أم لا ـ على إشکال فی الأخیر خلافاً فی کثیر من تلک القیود؛ لاشتراط بعضِهم عدم تخلّل الإرتداد، وبعضِهم روایه الحدیث، وبعضِهم کثره المجالسه وطول الصحبه، وبعضِهم الإقامهَ سنه وسنتین والغزاوه معه مرّه ومرّتین إلى غیر ذلک.
ثمّ الصحابه على مراتبَ کثیرهٍ بحسب التقدّم فی الإسلام والهجره والملازمه والقتال معه والقتل تحت رایته والروایه عنه ومکالمته ومشاهدته وإن اشترک الجمیع فی شرف الصحبه. ویعرف کونه صحابیّاً بالتواتر والإستفاضه والشهره وإخبار الثقه.
وحکمهم عندنا فی العداله حکم غیرهم. وأفضلهم أمیر المؤمنینعلیه ‏السلام وولداه وهو أوّلهم إسلاماً، وآخرهم موتاً على الإطلاق أبو الطفیل عامر بن واثله، مات سنه مائه من الهجره. (۲۶) 
قیل: وقبض النبیّصلى‏ الله‏ علیه‏ و‏آله عن مائه وأربعهَ عَشَرَ ألفَ صحابی. (۲۷) والتابعی من لقی الصحابیَّ بالقیود المذکوره، واستثنى منها قید الإیمان به فذلک خاصّ بالنبیّ  صلى‏الله‏علیه‏و‏آله.
بقی قسمٌ ثالث بین الصحابی والتابعی اختُلف فی إلحاقه بأیّ القسمین وهم المخَضْرَمون الذین أدرکوا الجاهلیّه والإسلام ولم یَلقَوْا النبیّ، سواء أسلموا فی زمانه کالنجاشی أم لا ؟ واحدهم خضرم کأنّه قُطع من نظرائه الذین أدرکوا الصحبه.
ثمّ الروای والمرویّ عنه إن استویا فی السنّ أو فی الأخذ عن المشایخ فهو النوع الذی یقال له: روایه الأقران؛ لکونه راویاً عن قرینه وذلک کالشیخ والسیّد، فإنّهما أقران فی طلب العلم والقراءه على المفید  رحمه‏الله، فإن روى کلّ منهما عن الآخر فهو النوع الذی یقال له: المدبَّج ـ بفتح الدال المهمله وتشدید الباء الموحّده وآخره الجیم ـ مأخوذ من دیباجتَیِ الوجه کأنّ کلاًّ من القرینین یبدّل دیباجه وجهه للآخر ویروی عنه، وهو أخصّ من الأوّل، فکلّ مدبَّج أقران ولا عکس.
وإن روى عمّن دونه فی السنّ أو فی اللُقَى أو فی المقدار فهو النوع المسمّى بروایه الأکابر عن الأصاغر، کروایه الصحابی عن التابعی ونحو ذلک، ومن هذا القسم روایه الآباء عن الأبناء والواقع کثیراً فی الخارج عکس ذلک.
ومن الأوّل روایه العبّاس بن عبد المطّلب عن ابنه الفضل أنّ النبیّ جمع بین الصلاتین بالمزدلفه (۲۸)، وفی الثانی قد تقع روایه الأبناء عن الآباء وقد تقع روایتهم عن الأجداد فی مرتبه واحده أو أزیدَ وقد یقع التسلسل بأربعهَ عَشَرَ أباً.
وإن اشترک اثنان عن شیخ وتقدّم موت أحدهما على الآخر، فهو النوع المسمّى بالسابق واللاحق.
والرواه ان اتّفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم واختلف أشخاصهم ـ سواء اتّفق فی ذلک اثنان منها أو أکثرُ ـ فهو النوع الذی یقال له: المتّفق والمفترق أی المتّفق فی الاسم والمفترق فی الشخص.
وفائده معرفته الإحتراز عن أن یُظنّ الشخصان شخصاً واحداً. وذلک کروایه الشیخ ومن سبقه من المشایخ عن أحمد بن محمّد عند الإطلاق؛ فإنّ هذا الاسم مشترک بین جماعه: منهم أحمد بن محمّد بن عیسى، وأحمد بن محمّد بن خالد، وأحمد بن محمّد بن أبی نصر، وأحمد بن محمّد بن الولید، وجماعهٌ أُخرى من أفاضل أصحابنا فی تلک العصر. وفائده تلک المعرفه إنّما تظهر عند اشتراکهم فی الاسم واختلافهم فی الوثاقه وعدمها، وعند الإشتراک فی المقامین لا تظهر الثمره. وقد أشرنا إلى طرق تلک المعرفه فی تمییز المشترکات.
وإن اتّفقت الأسماء خطّاً واختُلفت نطقاً فهو النوع الذی یسمّى بالمؤتلف والمختلف، ومن أجل عدم معرفته یقع التصحیف فی الأسماء، وذلک کجریر ـ بإعجام الأوّل وإهمال الأخیر ـ وحریز بالعکس، فالأوّل جریر بن عبد اللّه‏ البجلی صحابی، والآخَرُ حریز بن عبد اللّه‏ السجستانی یروی عن الصادق، فاسم أبیهما واحد واسمهما مؤتلف، والمایز بینهما الطبقه، وکبرید ـ بالموحّده والمهمله ـ ابن معاویه العجلی من أصحاب الباقرعلیه ‏السلام والصادق علیه ‏السلام، ویزید ـ بالمثنّاه والمعجمه ـ المشترک بین الثقه والضعیف ونحو ذلک.
وقد یقع الإئتلاف والإختلاف فی النسبه والصنعه، کالهمدانی ـ بسکون الثانی وإهمال الثالث ـ نسبهً إلى قبیله، والهمذانی ـ بفتح الثانی وإعجام الثالث ـ نسبهً إلى بلد معروف، والحنّاط ـ بالمهمله والنون ـ والخیّاط ـ بالمعجمه من فوقُ والمثنّاه من تحتُ ـ ونحو ذلک.
وإن اتّفقت الأسماء خطّاً ونطقاً واختلفت الآباء نطقاً مع ائتلافهما أو بالعکس فهو النوع الذی یقال له: المتشابه، کمحمّد بن عَقیل النیسابوری ـ بفتح العین ـ  ومحمّد بن عُقیل بضمّها إلى غیر ذلک من الاصطلاحات.
هذا ما یسّر اللّه‏ تعالى لنا نظمَه فی سلک التحریر من الإشاره إلى بعض فوائد علم الرجال ومصطلحات علم الدرایه، وله الحمد على ذلک، جعله اللّه‏ تعالى خالصاً لوجهه الکریم، ونَفَعَنا وإخواننا به.
وقد وقع الفراغ منه فی یوم الأربعاء ثانیَ عَشَرَ شوّال من شهور سنه ثمانیه وخمسین بعد ألف ومائتین من الهجره فی القریب من حائر مولانا أبی عبد اللّه‏ الحسینعلیه ‏السلام فی أسوء الأحوال من حیث الدنیا؛ لاضطراب أهل البلد من توجّه نجیب پاشا إلى بلدهم، وخوفهم على أنفسهم وعیالهم وأموالهم، وعلوّ الأسعار، وانسداد باب الاقتراض، وعدم وجدان المُؤْنه، والابتلاء بکثره العیال، ولعدم المسکن، وشدّه مطالبه الدیّانین، وغیر ذلک، فرّج اللّه‏ تعالى عنّا جمیع تلک الکُرَب وأحسنها من حیثُ الآخره؛ للتلازم غالباً بین التلبّس بتلک الکرب، وبین کمال التوجّه إلیه تعالى.
وفّقنا اللّه‏ تعالى لکمال التوجّه إلیه فی حال البؤس والرخاء بعزّه مَن لُذنا إلى جِواره وأقاریبه المکرمین صاعداً ونازلاً ومساویاً، ولا یسلّطْ علینا مَن لا یرحمنا من شیاطین الإنس والجنّ، ولا یجعلْنا من الغافلین، آمینَ یاربّ العالمین.
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
۱٫ لیس «لا عبره» فی «ألف». 
۲٫ رجال ابن داود: ۲۲۷ و۲۲۸٫ 
۳٫  الکافی ۱: ۵۲ / ۵٫ 
۴٫ الرعایه فی علم الدرایه: ۲۴۰٫
۵٫ أی أنّ القراءه على الشیخ أقوى من السماع. 
۶٫ حج (۲۲): ۵٫
۷٫ الأنبیاء (۲۱): ۳۰٫
۸٫ تدریب الراوی: ۱۳۱٫
۹٫ الرعایه فی علم الدرایه: ۲۶۲ ـ ۲۶۳٫ 
۱۰٫ أی إنّ السماع أرجحُ. 
۱۱٫ أی إجازه غیر معیّن لغیر معیّن. 
۱۲٫ الرعایه فی علم الدرایه: ۲۶۷٫ 
۱۳٫ الرعایه فی علم الدرایه: ۲۷۱٫ 
۱۴٫ فی «ج»: «فی مثل مملوکاته». 
۱۵٫ الکافی ۱: ۵۲ / ۶٫ 
۱۶٫ الحاوی للفتاوی: ۱۹ ـ ۲۰؛ الرعایه فی علم الدرایه: ۲۹۰٫ 
۱۷٫ أی یرویه الموصی.
۱۸٫ تدریب الراوی: ۱۴۹ ـ ۱۵۰٫ 
۱۹٫ معالم الدین وملاذ المجتهدین: ۲۱۲٫ 
۲۰٫ مرّ فی ص ۲۱۲ ـ ۲۲۴٫ 
۲۱٫ الرعایه فی علم الدرایه: ۳۰۴ ـ ۳۰۵٫ 
۲۲٫ الکافی ۱: ۵۱ / ۲٫
۲۳٫ لأنّ التعبیر بالعجمی له للاضطرار فالاحتیاج إلى تفهیمه لا یکون موجباً لجوازها بالعربیّه فکیف یکون أولى ؟ ! «منه». 
۲۴٫ الکافی ۱: ۴۰۳ / ۱٫ 
۲۵٫ المصدر ۱: ۵۲ / ۱۳٫
۲۶٫ الرعایه فی علم الدرایه: ۳۴۴٫ 
۲۷٫ الرعایه فی علم الدرایه: ۳۴۵٫ 
۲۸٫ المصدر: ۳۵۵٫ 

Leave A Reply

Your email address will not be published.