العباده والتنظیم الاجتماعی
– الجانب الأخلاقی:
إهتمت الرساله الإسلامیه بشکل أساس بالأخلاق وتربیه الضمیر والوجدان الإنسانی الحی الذی یوجّه الإنسان نحو الاستقامه، وفعل الخیر واحترام حقوق الآخرین والإحساس بآلامهم، والعطف علیهم، والاهتمام بهم، لتنضج المعانی الإنسانیه فی نفسه، ولتکتمل إنسانیته.
وقد دعى القرآن الکریم إلى الأخلاق الفاضله فی آیات عدیده، ورفع مقام هذه الدعوه عندما خاطب الرسول محمداً (ص) بقوله:
(وَإِنَّکَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِیمٍ) (القلم/ ۴).
وبتعریفه بالأنبیاء بقوله: (وَأَوْحَیْنَا إِلَیْهِمْ فِعْلَ الْخَیْرَاتِ) (الأنبیاء/ ۷۳).
واعتبر الرسول محمّد (ص) کمال الأخلاق معبّراً عن کمال الإیمان فی النفس الإنسانیه. فقد رُویَ عنه قوله: "أکمل المؤمنین إیماناً أحسنهم خُلقاً".
بل واعتبر من مهامه الرسالیه الأساسیه هو إکمال الجانب الأخلاقی عند الإنسان. فقال (ص):
"إنّما بُعث لأتمِّم مکارم الأخلاق".
وقوله: "خیرٌ من الخیرِ مُعطیه، وشرٌّ من الشر فاعله".
کما حرّم الغیبه والغش والکذب والخیانه والحقد وأمثالها من رذائل الأخلاق، ولقد دعى الإسلام إلى مکارم الأخلاق کالصدق والأمانه والاخلاص والعدل والرحمه والعفو عن المسیء والإیثار وحبر الخیر للجمیع وحسن المعاشره… إلخ.
– الجانب العبادی:
قال تعالى: (إِنَّنِی أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِی وَأَقِمِ الصَّلاهَ لِذِکْرِی) (طه/ ۱۴).
وکما وضع الإسلام أسس الاعتقاد وقام بمعالجه شؤون الفکر وتثبیت الأسس النفسیه والأخلاقیه السلیمه فی أعماق الضمیر والوجدان الإنسانی، قام أیضاً بتنظیم الحیاه البشریه وعلاقه الإنسان بخالقه ونفسه وأسرته ومجتمعه..
فحدّد له العبادات، کالصلاه والصوم والحج والدعاء والنذر وقراءه القرآن… إلخ، لیعلن عن عبودیته وإخلاصه لله خالق الکون العظیم، ولیحرر نفسه من عبودیه الشهوات والطواغیت.
إهتم بالطهاره من النجاسات؛ کالبول والغائط والدم والمنی والمیته الخنزیر والکلب… إلخ، وإعتبرها شرطاً فی العبادات.. فشرع الغسل والوضوء أو التیمم عند العجز عن الغسل والوضوء.. کشرط فی أداء بعض العبادات کالصلاه مثلاً.
– الرعایه البدنیه والنفسیه:
قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللَّهِ الَّتِی أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّیِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ…) (الأعراف/ ۳۲).
وقال: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (الأعراف/ ۳۳).
وقال: (فَاسْتَقِمْ کَمَا أُمِرْتَ…) (هود/ ۱۱۲).
وقال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِکْرِی فَإِنَّ لَهُ مَعِیشَهً ضَنْکًا) (طه/ ۱۲۴).
لقد وضع الإسلام القوانین اللازمه لحمایه الصحه والجسد ورعایته من الأمراض والقاذورات والحفاظ على الأناقه والجمال.. فحرّم الخمور والزنا واللواط وأکل المیته وشرب الدم ولحم الخنزیر والإسراف فی الطعام والشراب، لیحفظ صحه الإنسان وقواه الجسدیه والنفسیه، کما دعا إلى الأناقه والجمال بقوله:
قال رسول الله (ص): "إنّ الله جمیل یحبّ الجمال، ویحب أن یرى أثر النعمه على عبده".
کما دعا إلى الریاضه والفتوه بنص القرآن الکریم:
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّهٍ) (الأنفال/ ۶۰).
ویقول الرسول (ص): "علّموا أولادکم السباحه والرمایه".
لیربّی الإنسان القوی السلیم الجسم، الذی یستطیع التمتع بالحیاه کما أراد الله، کما یربّی الإنسان السلیم العقل والأخلاق.. لتتم سعاده الإنسان وراحته.
– تکریم الإنسان:
ولقد إعتنى الإسلام بالفرد وبحقوقه وحریته وکرامته الشخصیه ذکراً کان أو أنثى، فقال تعالى: (وَلَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِی آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّیِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى کَثِیرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِیلا) (الإسراء/ ۷۰).
وقال جلّ شأنه: (یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ) (الحجرات/ ۱۳).
– النظام الاجتماعی:
الإسلام رساله إجتماعیه هدفها بناء مجتمع تعاونی متماسک یتساوى أفراده فی الحقوق والواجبات، ویرتبطون بروابط الود والمحبه والتعاون..
قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ…) (المائده/ ۲).
وقال الرسول (ص): "مثل المؤمنین فی توادهم وتراحمهم وتعاطفهم کمثل الجسد إذا إشتکى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
ولقد إعتنى بالعلاقات الاجتماعیه فی الأسره والمجتمع وإعتبر الأسره أساس البناء الاجتماعی.
– بناء الأسره:
وتشکل الأسره فی نظر الإسلام القاعده الأساسیه فی بناء المجتمع، لذلک إهتم ببناء وتنظیم العلاقات بین الزوج والزوجه والأبناء والآباء، واعتبر العلاقه بینهما قائمه على أساس الود والرحمه والحب والاحترام المتبادل، قال تعالى: (وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْکُنُوا إِلَیْهَا وَجَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّهً وَرَحْمَهً…) (الروم/ ۲۱).
وقال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء/ ۱۹).
وقال أیضاً: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِی عَلَیْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقره/ ۲۲۸).
ووضح الرسول محمد (ص) أهمیه الزواج والأسره فقال: "ما بنی بناء فی الإسلام أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من التزویج".
وقال: "من تزوج فقد أحرز نصف دینه، فلیتق الله فی النصف الآخر".
وقال: "من أخلاق الأنبیاء (ص) حب النساء".
وهکذا أرسى قواعد العلاقه بین الزوج والزوجه على أساس الحب والود والاحترام المتبادل.. وأوجب لها النفقه الکامله على الزوج، نفقه الطعام واللباس والزینه والسکن والعلاج… إلخ، بقدر استطاعته وظروفه المالیه.
قال تعالى فی النفقه على الزوجه:
(لِیُنْفِقْ ذُو سَعَهٍ مِنْ سَعَتِهِ) (الطلاق/ ۷).
وکما إعتنى الإسلام ببناء تلک الروابط الوثیقه بین الزوج وزوجته، أقام مثل تلک العلاقات الأخلاقیه والقانونیه بین الأبوین وأبنائهم..
قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّکَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِیَّاهُ وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء/ ۲۳).
وقال تعالى: (أَنِ اشْکُرْ لِی وَلِوَالِدَیْکَ إِلَیَّ الْمَصِیرُ) (لقمان/ ۱۴).
وروی عن رسول الله (ص) قوله: "نظر الولد إلى والدیه حبّاً لهما عباده".
وأمر الآباء بحب الأبناء والعطف علیهم وتربیتهم والنفقه علیهم، فقد قال تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَکُمْ وَأَهْلِیکُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَهُ…) (التحریم/ ۶).
وورد عن الرسول الکریم (ص) قوله: "أحبّوا الصبیان وارحموهم، وإذا وعدتموهم شیئاً ففوا لهم، لا یدرون الا أنکم ترزقونهم".
وکما أوجب على الآباء النفقه على الأبناء الصغار لأنّهم عاجزین عن النفقه على أنفسهم، أوجب على الأبناء النفقه أیضاً على آبائهم حین العجز عن النفقه على أنفسهم.
– حقوق الجار:
ولکی یربط الأسره بالأُسر الأخرى، ویشید العلاقات داخل البنیه الاجتماعیه على أساس متین، أوصى بالجار، وبحسن العلاقه معه، ورعایه حقوقه: فقد قال رسول الله محمد (ص): "ما زال جبریل یوصینی بالجار حتى ظننت أنّه سیورثه".
وقال (ص): "مَن کان یؤمن بالله والیوم الآخر فلیحسن إلى جاره، ومن کان یؤمن بالله والیوم الآخر فلیکرم ضیفه، ومن کان یؤمن بالله والیوم الآخر فلیقل خیراً أو لیصمت".
– النظام السیاسی:
ولقد نظّم الإسلام بعد ذلک المجتمع تنظیماً دقیقاً.. نظم شؤونه السیاسیه والاقتصادیه والقضائیه والاصلاحیه والعسکریه والأمنیه… إلخ.
ففی مجال تنظیم السیاسه والحکم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُکُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَکَمْتُمْ بَیْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْکُمُوا بِالْعَدْلِ…) (النساء/ ۵۸).
وقال الرسول محمد (ص): ".. فالأمیر الذی على الناس راع، وهو مسؤول عن رعیته، کلکم راع ومسؤول عن رعیته".