دروس من حیاه یوسف (ع)

0

{قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَکَ اللّهُ عَلَیْنَا وَإِن کُنَّا لَخَاطِئِینَ}.. بمجرد أن اعترفوا بالخطیئه نرى أن أجواء الرحمه تحفهم جمیعاً.. وهذا هو أسلوب تعامل رب العالمین مع أولیائه.. ففی بطن الحوت قال یونس (ع) : {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَیْهِ فَنَادَى فِی الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَکَ إِنِّی کُنتُ مِنَ الظَّالِمِینَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّیْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَکَذَلِکَ نُنجِی الْمُۆْمِنِینَ}.. وهنا کذلک نلاحظ المغفره، فیلاحظ أنه فی کل مراحل حیاه إخوه یوسف، لم ینقطع ارتباطهم بالله عز وجل: فهم یقسمون بالله فی بعض الأماکن، وفی سیاق سوره یوسف، لم یُرى من کلمات أخوه یوسف، ما یدل على کفرهم.. ولهذا فإن الله عز وجل یغفر الذنوب جمیعاً، إلا أن یُشرک به.. فما قاموا به لیس بالأمر الهین، وهو إلقاء صبی بریء فی الجب، بنیه القتل، وهو ابن نبی، وهو نبی فی طریقه إلى الدعوه!.. ولکن الله عز وجل غفر لهم حیث {قَالَ لاَ تَثْرَیبَ عَلَیْکُمُ الْیَوْمَ یَغْفِرُ اللّهُ لَکُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِینَ}.
وعلیه، فإذا کان الله عز وجل یغفر هذا الذنب العظیم، بمجرد استغفارٍ واعترافٍ بالخطیئه!.. فکیف بباقی الذنوب التی هی دون هذا الذنب العظیم؟.. فهذا درسٌ لنا جمیعاً أن لا نیأس من رحمه الله عز وجل.. فکما هو معلوم أن قوام التوبه أمران: الندم على ما مضى –أی الإعتراف بالخطیئه- والعزم على عدم العود.. فما أسهله من طریق!.. إن البعض یعقّد عملیه التوبه، فیفوّت التوبه على النادمین.. بینما یجب أن نقول لهم: ما علیک إلا الندامه، والعزم على عدم العود، وإذا کانت هناک تبعات: دنیویه، أو عبادیه قضائیه، أو مالیه، إلى آخره.. یجب القیام بها بالإضافه إلى التوبه.
{اذْهَبُواْ بِقَمِیصِی هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِی یَأْتِ بَصِیرًا وَأْتُونِی بِأَهْلِکُمْ أَجْمَعِینَ}.. {اذْهَبُواْ بِقَمِیصِی}.. إن هذا الکلام هو کلام سیدنا یوسف علیه السلام، وإنما خصّ قمیصه بالذکر، لأن لهذا القمیص خصوصیه، وهی الملاصقه لبدن هذا النبی، الذی کان من المخلَصین.. أی أن الإنسان إذا دخل فی دائره الجذب الإلهی، أصبح من شۆون المولى.. وبتعبیر العلماء: أصبحت له شرافه انتسابیه مضاعفه إلى الله عز وجل.. فکل موجود منتسب إلى الله عز وجل انتساب الخالقیه والمخلوقیه، ولکن بعض الناس بالإضافه إلى صفه المخلوقیه، فإن لهم صفه العابدیه، والخضوع لله سبحانه وتعالى.. عندئذ تصبح شۆون هذا الإنسان من شۆون الله سبحانه وتعالى.. إن المهد الذی وضع فیه موسى (ع) من شۆون الله، {إِنَّ آیَهَ مُلْکِهِ أَن یَأْتِیَکُمُ التَّابُوتُ فِیهِ سَکِینَهٌ مِّن رَّبِّکُمْ}.. وکذلک آثار النبی -صلى الله علیه وآله وسلم- فإن هذه الحجاره التی فی جبال مکه، لها صفه المخلوقیه، ولکن عندما نُحتت هذه الحجاره، وأصبحت عباره عن لبنات لبناء الکعبه، أصبحت من شۆون الله عز وجل، وهکذا.
فإذن، إن المعصوم أو النبی صحیح أن روحه روحٌ مقدسه، ولکن هذا التقدس فی الروح، یسری إلى الوجود المادی لذلک المعصوم.. فلا یمکن أن ندعی بأن قبر النبی کباقی القبور، وبأن جثمانه الشریف کباقی الأجسام التی تموت فی هذه الدنیا.. فللأمور المادیه المحیطه بذلک المعصوم انتسابٌ إلى الله عز وجل.. وهذا المعنى کان مرتکزاً حتى فی أذهان المذاهب.. وقد جاء أبو حنیفه إلى الإمام الصادق (ع) لیسمع منه، وخرج الصادق یتوکأ على عصاً، فقال له أبو حنیفه: یا بن رسول الله!.. ما بلغتَ من السن ما تحتاج معه إلى العصا، قال: هو کذلک، ولکنها عصا رسول الله أردت التبرّک بها.. فوثب أبو حنیفه إلیه وقال له: أُقبّلها یا بن رسول الله؟.. فحسر الصادق (ع) عن ذراعه وقال له: والله لقد علمتَ أنّ هذا بَشَرُ رسول الله (ص)، وأنّ هذا من شعره، فما قبّلته وتقبّل عصا!..
وبالتالی، فإن القرآن الکریم یعودنا من خلال آیه: {اذْهَبُواْ بِقَمِیصِی هَـذَا} على هذا النمط من التفکیر.. أی أن الأمور المادیه المنتسبه إلى الله سبحانه وتعالى ولأولیائه لها خواص.. وکذلک السامری الذی أخذ قبضه من أثر الرسول فعمل ما عمل.
یلاحظ من خلال الآیه أن یعقوب علیه السلام، له ما له من الکرامه عند الله عز وجل {إِنِّی لَأَجِدُ رِیحَ یُوسُفَ}.. حیث أن الله سبحانه وتعالى عرفه بتعریف الغیب ذلک.
{فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِیرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِیرًا}.. بمجرد أن أُلقی ذلک القمیص الذی یحمل هذه الخصوصیه -أی الانتساب إلى هذا النبی العظیم- ارتد بصیراً مرهً أخرى.
{قَالُواْ یَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا کُنَّا خَاطِئِینَ}.. لقد عاودوا التوبه، هم تابوا ویوسف علیه الاسلام بشرهم بالتوبه، ومع ذلک أحبوا التوبه من لسان الغیر.. وقد ورد فی الحدیث الشریف: (أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى (ع): یا موسى!.. ادعنی على لسانٍ لم تعصنی به، فقال: أنّى لی بذلک؟.. فقال: ادعنی على لسان غیرک).. فلا بأس أن یستغفر الإنسان وخاصهً من کبار الذنوب، ویطلب من ذوی الوجاهه عند الله عز وجل أن یستغفر له أیضاً.. ومن المناسب أیضاً أن نتوجه بهذه العباره بعد المعاصی، إلى ذلک الذی هو أبو هذه الأمه -(أنا وعلی أبوا هذه الأمه)- فنستغفر ربنا، ثم نخاطب إمامانا صلوات الله علیه بهذا الخطاب: {یَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا کُنَّا خَاطِئِینَ}.. فلو قیل: بأن هذا هو الشرک، فیکون الرد: بأن هذه آیه من کتاب الله عز وجل، فأولاد یعقوب مرتبطون بیعقوب ارتباطاً جسدیاً مادیاً، ونحن مرتبطون ارتباطاً معنویاً، فالموجبات أعظم.. أی أن الالتجاء إلى أبینا المعنوی، أقوى فلسفهً، وأقوى إقتناعاً من هذا المورد.. ومن الملاحظ أن یعقوب لم یستنکف، لأنهم عندما قالوا: {إِنَّا کُنَّا خَاطِئِینَ} فقد اعترفوا بتاریخهم وما جرى علیهم.. ویعقوب بحسب الظاهر فی هذه الآیه لم ینقل منه عتاباً بلیغاً وتقریعاً، بل {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَکُمْ رَبِّیَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ}.
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى یُوسُفَ آوَى إِلَیْهِ أَبَوَیْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِینَ * وَرَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا}.. فقد میّز الأبوین عن باقی إخوانه حیث {وَرَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلَى الْعَرْشِ}.

Leave A Reply

Your email address will not be published.