من أسالیب التربیه والإصلاح
الوصیه بالتقوى فی الشأن التربوی
عباد الله! أوصیکم ونفسی بتقوى الله. ومن التقوى أن یُحسن الإنسانُ القیامَ بما کلفه الله عز وجل به، وقد ورد عن النبی (صلى الله وعلیه وآله): کلکم راع وکلکم مسؤول عن رعیته»[1] . کثیر منا والأکثر، ونسأل الله عز وجل أن یکون الباقون أیضاً کذلک، یحمل أمانه تربیه الولد أو تربیه التلمیذ أو تربیه الصدیق والصاحب, أو القیام بشأن تربوی بأشکال مختلفه. والعملیه التربویه لا یتقنها کل الناس وإنما یجیدها ویتقنها مَن تفقه فی دینه إذا أراد لعمله التربوی أن یکون عملاً دینیاًّ یقربه إلى الله عز وجل، ویکون سبباً لنیل مرضاته سبحانه وتعالى.
لذلک سیکون الحدیث عن «أسالیب التربیه والإصلاح».
***
یقول الله عز وجل، فی سیاق حدیثنا الذی کنا نتحدث عنه فی سوره إبراهیم، ﴿ أَلَمْ یَأْتِکُمْ نَبَأُ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ، قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِینَ مِنْ بَعْدِهِمْ، لا یَعْلَمُهُمْ إِلاّ اللهُ. جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَیِّنَاتِ، فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ، وَقَالُوا: إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ، وَإِنَّا لَفِی شَکٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَیْهِ مُرِیبٍ ﴾ [إبراهیم/۹]. هذه الحدیث ساقه الله عز وجل، وحکاه على لسان نبیه موسى فی تجربته أو فی فعله التربوی لقومه؛ حیث منَّ الله عز وجل على بنی إسرائیل بنِعَم جعلتهم فی صداره الأمم، حتى أن القرآن الکریم وصفهم بأنهم أفضل الناس، هذا المعنى ورد فیهم فی هذا السیاق.
الحدیث أقدم له بمقدمتین اثنتین:
أ – تفاوت الأفکار
المقدمه الأولى هی: أن الأفکار التی تلقى على مسامع الناس تتفاوت
۱ – من حیث السطحیه والعمق، هنالک بعض الأفکار سطحیه یستوعبها کل الناس، وهناک أفکار عمیقه یجهد المتخصصون فی فهمها فیعجز فریق ویوفق إلى ذلک فریق آخر.
۲ – کذلک أیضاً من حیث الأثر على الفرد والمجتمع، فهناک بعض الأفکار تکون ذات تأثیر بسیط وفی حدود ضیقه، لکن هناک أفکاراً إذا طرحت على الناس یتعدى تأثیرها الأفراد إلى الجماعات، بل إلى المجتمعات إن لم نقل على مستوى الناس أجمعین، کما جاء فی القرآن الکریم ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاکَ إِلاّ رَحْمَهً لِلْعَالَمِینَ ﴾ [الأنبیاء/۱۰۷]. النبی (صلى الله وعلیه وآله) مبعوث إلى الناس کافه، لذلک یجب أن نتعامل مع ما جاء على لسان الرسول على أنه یحمل هذا الحجم, هذه الأهمیه, وهذا التأثیر.
۳ – وهناک أیضا فرق ثالث؛ وهو أن الأفکار تتفاوت على مستوى صیاغه الحاضر والمستقبل؛ إذ أن بعض الأفکار تؤثر على مدى منظور أو على مدى متوسط، لکنها لا تصل فی حدود تأثیرها إلى ما هو أبعد من ذلک، یعنی کما جاء فی القرآن عن بعض الأمم أو عن بعض الشرائح الاجتماعیه ﴿ یَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَهِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم/۷]، وفی الأدعیه نقول – ما مضمونه – نستعیذ بالله عز وجل أن یکون هم الإنسان الدنیا أو مبلغ علمنا، لا ینبغی للإنسان إذا کان طموحاً وعبداً صالحا لله أن یکون مبلغ علمه الدنیا هذا أمر معیب.
ب – تفاوت الناس
المقدمه الثانیه: الناس یتفاوتون فی التعامل مع الأفکار من حیث الفهم والاستیعاب، ومن حیث التطبیق والتجسید:
۱ – فهناک مَن یؤمن بالفکره
۲ – وهناک مَن یتراخى عن الإیمان بها وعن الاستیعاب
۳ – بل هناک من یطور تعامله السلبی مع الأفکار إلى درجه الکفر والجحود.
وقد مرّ معنا أن موسى قد خاطب قومه بالقول ﴿ إِنْ تَکْفُرُوا، أَنْتُمْ وَمَنْ فِی الأَرْضِ جَمِیعاً، فَإِنَّ اللهَ لَغَنِیٌّ حَمِیدٌ ﴾ [إبراهیم/۸]، یعنی الدین الإسلامی والدیانات إذا جاءت تخاطب الناس لیس لأن الله یحتاج إلى الناس أن یؤمنوا به إن آمنوا فهو لمصلحتهم، وإن التزموا فهو فی مصلحتهم، أما إن لم یؤمنوا ولم یلتزموا فإن ملک الله لا ینقص منه شئٌ.
هنا یمکن أن ننوِّع الناس فی التعامل مع الأفکار بشکل عام وفیما یرتبط بالمسائل الدینیه التربویه إلى ثلاث فرق:
الفرقه الأولى: فرقه الجاحدین والمحاربین. ولا یقف هؤلاء عند عدم الإیمان بالفکره، بل یتجاوزون هذا الحد إلى حد الجحود وهو أنهم یعرفونها ثم ینکرونها ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا، وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ﴾ [النمل/۱۴]، یتطور جحودهم إلى درجه الجحد والبغض النفسانی والمحاربه. والآیه أشارت وسأشیر إلى أن الآیه الشریفه مورد البحث تناولت هذا الفریق من الناس.
الفریق الثانی: المنکر وغیر القابل، وهو لیس جاحداً ولیس محارباً ولکن ینکر الفکره ولا یتقبلها.
وهناک فریق ثالث یتأرجح لیس هو بمؤمن بها بحد الجزم ولا هو کافر بها بحد الجزم، وهم أهل الشک والارتیاب.
هذه صفات وفئات الناس فی التعامل مع الأفکار بعد هاتین المقدمتین أدخل فی مسألتین أشارت إلیهما الآیه الشریفه:
المسأله الأولى: الغایه من نـزول القرآن
لمَ أنزل الله عز وجل القرآن على الناس؟ یعنی دور القرآن فی عالم التکوین وعالم الناس ما هو؟
إنه "الهدایه "! الله یصف القرآن ﴿ هَذَا بَیَانٌ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران/۱۳۸]، لیس بیاناً لفئه دون فئه کلُّ الناس مخاطبون بالقرآن الکریم وهو على درجه عالیه من الوضوح﴿ لِیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَیِّنَهٍ، وَیَحْیَا مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَهٍ ﴾ [الأنفال/۴۲].
ولیس کل الناس یستفیدون من القرآن الکریم. نعم، هو بیان للناس أجمعین لکن هل یستثمره کل الناس؟
لحسن حظ المتقین أنهم وحدهم القادرون على أن یستثمروا القرآن الکریم أحسن استثمار ﴿ الم. ذَلِکَ الْکِتَابُ. لا رَیْبَ فِیهِ. هُدًى لِلْمُتَّقِینَ ﴾ [البقره/۲]، أو فی نص آخر، إتماماً للآیه السابقه ﴿ هَذَا مَوْعِظَهٌ لِلْمُتَّقِیْنَ ﴾ [آلأ عمران/۱۳۸]. أما غیر المتقین فلا یهتدون ولا یتعظون بالقران الکریم، لیس نقصاً فی القرآن إنما نقص فیهم ﴿ وَالَّذِینَ جَاهَدُوا فِینَا لَنَهْدِیَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنکبوت/۶۹]، أما الذین لا یجاهدون فی الله فلا.
یرید للناس أن یهتدوا لکن هنالک من یرفض وهنالک من یقبل ﴿ وَقُلِ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّکُمْ، فَمَنْ شَاءَ فَلْیُؤْمِنْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْیَکْفُرْ ﴾ [الکهف/۲۹]، بل یواسی عز وجل نبیه بقوله ﴿ إِنَّکَ لا تَهْدِی مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَکِنَّ اللهَ یَهْدِی مَنْ یَشَاءُ ﴾ [القصص/۵۶]. صراع الأفکار بین الناس سنه الحیاه لا یعیبک ولا یعیبنی ولا یعیب أی أحد أن تُطرح فکره؛ لأن الأنبیاء سبقونا فی هذا قوبلت هذه الفکره بالقبول من فریق، وبالرفض من فریق، وبالحیره والشک والارتیاب من فریق ثالث. ولا نستطیع فرض الدیانات والأفکار لا یمکن أن تفرض على الناس فرضاً ﴿ لا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ ﴾ [البقره/۲۵۶]. الأنبیاء دورهم ﴿ الْبَلاغُ الْمُبِینُ؟! ﴾ [النحل/۳۵] فقط.
فی هذا الباب لاحظوا القران کیف یصف نفسه ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ یَهْدِی لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ ﴾ یعنی یوضح معالم الصراط المستقیم، لکن من الذی یستثمر القرءان الکریم على مستوى النتیجه، ﴿ وَیُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِینَ الَّذِینَ یَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً کَبِیراً ﴾ [الإسراء/۹]. أما الذین لا یؤمنون على مستوى التطبیق ولا یهتدون على مستوى العمل فهؤلاء لا بشاره لهم، لا أجر لهم عند الله عز وجل، لأن الله عز وجل إنما یثیب الإنسان على العمل الصالح ﴿ وَقُلْ: اعْمَلُوا، فَسَیَرَى اللهُ عَمَلَکُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبه/۱۰۵]، ﴿ إِنَّمَا یَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر/۲۸].
ذکرى میلاد الحوراء زینب (علیها السلام)
نثیر هذا البحث فی صیاغتنا للقرآن، وخصوصاً أننا فی محاسن التوفیقات والصدف أن هذا الیوم ذکرى میلاد سیدتنا زینب (علیها السلام)، حیث یصادف الیوم الخامس من الشهر الخامس ذکرى میلادها.
زینب (علیها السلام) لیست من الأنبیاء ولا من الأئمه، لأن بعض الناس عندما تحدثهم عن نموذج صالح قال أین نحن من هؤلاء؟! هؤلاء أنبیاء! هؤلاء أئمه حظوا بتربیه خاصه!! زینب (علیها السلام) لیست من الأنبیاء ولیست إماماً، لکنها استثمرت ما آتاها الله عز وجل من تلک البیئه الصالحه؛ حتى کانت بطله کربلاء وشریکه الحسین التی لا نـزال نتفیأ ظلال برکاتها ونفحات الرحمن فیها، حیث میزت لنا بین الإسلام الأصیل والإسلام الدخیل، میزت لنا الخیر عن الشر، الحق عن الباطل، الحسن عن القبیح، والله عز وجل یقول ﴿ وَأَمَّا مَا یَنْفَعُ النَّاسَ، فَیَمْکُثُ فِی الأَرْضِ ﴾ [الرعد/۱۷]، أما غیره فهو زبد. لا یستطیع الکذابون ولا المفترون أن یکذبوا على الناس طوال الوقت، قد یکون لهم صولهٌ، قد یکون لهم جوله، ولکن الحق هو الذی سیثبت. تلک هی سنه الله عز وجل.
هذا دور القرآن، ونموذج من النماذج الصالحه زینب (علیها السلام).
المسأله الثانیه أطراف العملیه التربویه
ما المطلوب أو ما الذی ینبغی أن نلاحظه فی العمل التربوی؟
أولاً هناک اطراف ثلاثه:
الطرف الأول: المربی
الأب، الأم، المعلم، المدیر، الحاکم، المسؤول، کل إنسان تحته جماعه یفترض أنه مربی.
والطرف الثانی: المتربی
والطرف الثالث: الماده التربویه، أو الأدوات التربویه التی ینبغی أن تُلاحظ فی هذا الجانب.
لاحظوا فی المربی قدوتنا فی هذا الباب رسول الله (صلى الله وعلیه وآله)، الذی وصفه الحق سبحانه بقوله ﴿ وَإِنَّکَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِیمٍ ﴾ [القلم/۴]، ووصفه فی مورد ثانٍ ﴿ وَلَوْ کُنْتَ فَظًّا غَلِیظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِکَ ﴾ [آل عمران/۱۵۹]. بالعبوس والتجهم ولیِّ الذراع لا تستطیع أن تقرِّب الناس إلیک، إنما تستطیع أن تقرب الناس بالصدق والمحبه التی لا تستطیع أن تفتعلها ولا تستطیع أن تمثل هذا الدور، لأن الناس سیکتشفونک الیوم أو غداً أنک صادق فی ما تقول أو أن وراء الاکمه ما وراءها. تتظاهر بأنک من الصادقین! لا! هذی تحتاج إلى ثبات، تحتاج الى إیمان. لذلک ینبغی للإنسان أن یستثمر مثل هذه الفرص.
یقول الله عز وجل عن المربی رسول الله (صلى الله وعلیه وآله)؛ کأی نبی من الأنبیاء، دور النبی والمربی ما هو؟
لیس أن تفرض التربیه ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِینُ ﴾ [النور/۵۴]. أنت کأب، أنت کأمٍّ، أنت کمدیر، أنت کمسؤول، علیک أن تُحسن إیصال ما ترید إیصاله من الماده التربویه، ترید أن تنهى عن شیءٍ انهَ عنه بشکل واضح، لا یکونن فی الأمر لبسٌ لأن الطرف الآخر إذا اختلطت علیه الأمور سیکون معذورا إذا نفَّذ ومعذوراً إذا لم ینفذ، سیقول: أمرک لم یکن أمراً صریحاً. ونهیک أیضاً ینبغی أن یکون صریحاً.
وإذا احتجت إلى أن تبین الأسباب والعلل والحِکَم فاعمل ما جاء فی القرآن الکریم الله عز وجل یقول ﴿ یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا!، کَمَا کُتِبَ عَلَى الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ، لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقره/۱۸۳]. الله عز وجل فلسف لنا الصیام وأمثال الصیام ﴿ إِنَّ الصَّلاهَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْکَرِ ﴾ [العنکبوت/۴۵]. نحتاج أن نبین الأسباب والخلفیات فی کثیر من الموارد.
ویقول عز وجل مخاطباً رسوله الکریم وبالتالی هو خطاب لنا ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِیلِ رَبِّکَ، بِالْحِکْمَهِ، وَالْمَوْعِظَهِ الْحَسَنَهِ، وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل/۱۲۵] إلى آخر الآیه. ویقول فی ما روی عنه (صلى الله وعلیه وآله): إنا معاشر الانبیاء أُمرنا أن نکلم الناس على قدر عقولهم»[2] . تُلقی شیئاً على الناس لا یستوعبونه ستکون أنت المُلام ولن یکونوا هم المُلامِین، وإذا کان أمراً لا یفقهه الناس لیس من الحکمه أن یُلقى على مسامع الناس لا یفقهون التعامل، لذلک الفقهاء لهم خطابان اثنان:
۱ – خطاب نتائج، یُدوَّن فی الرسائل العملیه.
۲ – خطاب استدلالات، لا ینشر بین الناس.
هذه الرساله العملیه التی دوَّنها الفقیه هی حصیله جهد سنین، أنت – غیر المتخصص – إلى أی درجه من حقک تقول: أیها الفقیه أنا أرید أن أعرف على ماذا استندت فی هذه الفتوى. لک هذا الحق! لکن اذا کنت غیر مؤهل أن تستوعب هذا المعنى، لا یستطیع الفقیه أن یشرح لک!
یقال أن الشیخ الأنصاری «رحمه الله» کان یلقی درسه وأثار فی درسه مصطلح أسماه مصطلح «الحکومه»، وهو أن یغلِب دلیلٌ دلیلاً آخر، بحیث تکون قدره هذا الدلیل أوسع من الدلیل الآخر فیضیق موضوعه أو یوسع موضوعه. وهو مصطلح جدید مبتکر من الشیخ الأنصاری، مَن سبق الشیخ الأنصاری لم یکونوا یعرفون مصطلح الحکومه وماذا یریده. کان أحد الأساتذه أکبر سناًّ وأقدم وأشهر کان حاضراً فی الدرس فی ذلک الیوم کان عنده شغل، فلما قضی العمل، قال أنا انتظر فی المسجد حتى یأتی وقت الدرس، فاستمع إلى إلقاءات هذا الشیخ الشاب، شیخ جدید، فسمع مصطلح «الحکومه» فسأله ماذا ترید بمصطلح «الحکومه»؟ قال: لا أستطیع أن أشرح لک، تحتاج إلى أن تحضر درسی سته أشهر حتى أشرح لک مصطلح «الحکومه».
هذا یُخاطَب من عالم، ولیس عالما یخاطِب عامیاًّ لیس متخصصا.
لذلک نحتاج إلى أن نحافظ على التخصصات فی حدود معینه، وأیضاً نخاطب الناس على قدر عقولهم.
۱ – آثار مصر کانت موجوده فی مصر أو لم تکن موجوده؟! والمصریون عایشوا الأهرام والمقابر التی حول الأهرام خمسه الآف سنه، مَن الذی جاء ونقَّب عن الآثار؟! المصری أو الفرنسی أو البلجیکی أو الألمانی؟! هی تحت الناس.
۲ – نفطنا والذی نعیش من فوقه وجلب علینا ما جلب من النعم والنقم على حد سواء، نحن الذین اکتشف النفط؟! لا! الذی اکتشف النفط الأجانبُ، وبالتالی هو تحت أقدامنا لکن لم تبصره عیوننا، لم تسمعه آذاننا، لم نحفر کی نجده.
فقد یکون هناک حقائق بالأرض لا تکتشفها أنت، یکتشفها أهلها، عدم إبصارک لهذا المعنى وعدم ادراکک لا یعنی أن هذا الشئ غیر موجود، وکما یقال فی ألسنه الفقهاء: عدم الوجدان لا یدل على عدم الوجود» قصور فیک أنک لم تر. والمسأله فیها تفصیل لا أرید الدخول فیه.
أما المتربی، وهو الطرف الثانی، فإن الله عز وجل یعطینا قانوناً أساسیاًّ، الشخص الذی ترید تربیته إذا لم یکن لدیه الاستعداد أن ینصت لما تقول فلا تجهد نفسک عبثاً ﴿ إِنَّ اللهَ لا یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد/۱۱]، والآیه الأخرى ﴿ إِنَّکَ لا تَهْدِی مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَکِنَّ اللهَ یَهْدِی مَنْ یَشَاءُ ﴾ [القصص/۵۶]، إذا کان الطرف الآخر، وعندنا فی المثل الشعبی یقولون اللی یسمع القلب مو الأذن. فعلاً إذا کان الشخص ویروى عن رسول الله (صلى الله وعلیه وآله): حبک الشیء یعمی ویصم»«3». إذا أحببتَ إنساناً سمعتَهُ وإذا کرهتَه لا تستطیع أن تسمعه، لأن المسأله هی لیست أصواتاً تصل إلى مسامعک، وإنما هی تفاعل وعملیه معقده، تحسن الظن فی الطرف الآخر، تثق فی الطرف الآخر، تطمئن إلیه.
لذلک فی الأعمال العدوانیه بین الدول ما الذی یفعله هؤلاء وأولئک؟ یحرِّض کلُّ طرفٍ شعبَهُ على الطرف الآخر، فإذا ما کره هذا الشعبُ الطرفَ الآخرَ لا ینفع الدعایات التی یدفعها إلى الوسط الآخر لأنه غیر محبوب لأنه غیر موثوق.
وهکذا فی الفعل التربوی الآیه الشریفه، وهی ماده التطبیق وأرید أن أصل إلیها بشکل مستعجل وأذکر خمسه موارد جاءت فی الآیه الشریفه:
المورد الأول: استثمار الوضع النفسی للناس
والإنسان الذی ترید أن تتولى تربیته أحیانا بالتقریع وأحیانا بالاستحیاء؛ کما جاء فی الآیه الشریفه. ماذا یقول موسى (علیه السلام) لقومه ﴿ أَلَمْ یَأْتِکُمْ نَبَأُ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ، قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِینَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾. کأنه یخاطبهم: أما تستحون؟! أما مرَّ علیکم تاریخ الأمم الذین سبق وقرأتم تاریخهم وتعرَّفتم على تاریخهم، وکیف أهلکهم الله عز وجل لما تمردوا على الأنبیاء. هذا نسمیه «استفهام استنکاری» یعنی استحیاء، نحرک فیهم حاله الحیاء.
المورد الثانی: توظیف المعرفه التاریخیه
لا حاجه إلى أن تبتدئ دائماً من الصفر. إذا کان لدى مَن تکلمه خلفیات مسبقه عن المسأله ابن علیها ماذا فعل موسى (علیه السلام) ﴿ أَلَمْ یَأْتِکُمْ نَبَأُ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ ﴾. یعرف أنهم یعرفون بعض الشأن فی ما یرتبط بالأقوام السابقین بنى علیها حتى لا یبتدئ من الصفر معهم.
المورد الثالث: الترغیب والترهیب
تحتاج أحیاناً کما یقال هذه الأیام العصا والجزره، یحتاج الإنسان أن یستخدم هاتین اللغتین حسب الطرف المعین.
وأؤکد لیس هناک وصفه تربویه یتفق علیها کل الناس، لأن الناس مثل البصمه یختلف کل إنسان عن الطرف الآخر، إخوان فی بیت واحد لکن تخاطِب هذا بلغه وتخاطب الطرف الآخر بلغه أخرى، الله عز وجل خلق الناس أطواراً. الترغیب والترهیب ما هو؟ موسى ماذا استفاد فی الآیه الشریفه؟
قوم نوح أهلکهم الله بسبب تمردهم وأنجى الله نوحا ومن معه، قوم عاد، وقوم ثمود، أی قوم هود وصالح، ویعلم بنی إسرائیل أن الأقوام الثلاثه أهلکهم الله بسبب تمردهم على الله؛ خصوصاً أنهم [بنو إسرائیل] فی بیئه توحیدیه یعرفون أن هنالک خالقاً، لیسوا ملاحده لم یکونوا مشرکین، کانوا أصحاب بیئه توحیدیه، لکن وقعوا فی هذا الذی وقعوا فیه.
المورد الرابع: التأکید على الاختیار الإنسانی
موسى «علیه أفضل الصلاه والسلام» خاطب قومه لیس على أساس السلطه؛ أن یفرض علیهم الإیمان أو یفرض علیهم شیئاً آخر، لا. وإنما أراد أن یثوِّر ویحرک دواخلهم من أجل أن یختاروا الإیمان وما یترتب علیه من السعاده دون الکفر وما یترتب علیه من الضرر لاحظوا ماذا قال الآیه الشریفه ﴿ فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ ﴾. هؤلاء الأقوام الثلاثه؛ قوم نوح وعاد وثمود، کیف قابلوا الأنبیاء؟
کانوا یستهزئون على نوح، ولذلک الآیه تقول ﴿ فَلْیَضْحَکُوا قَلِیلاً، وَلْیَبْکُوا کَثِیراً ﴾ [التوبه/۸۲]. نوح مؤیدٌ من الله، عمل بما فرض الله علیه أن یعمل، قنع الناس أو لم یقنعوا هذا لیس مهماً. ثم أنقذ الله نوحاً ومن معه.
هذه تقول ﴿ فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ ﴾، ولعله إشاره إلى:
أ – ما یفعله الناس؛ أنا لا أتکلم، یعنی لن أجیبک على ما تقول، وکأن هذا الذی یتکلم به لا یستحق أن یُرَد علیه.
ب – أو تجاوز ذلک إلى حد ﴿ فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ ﴾، الضمیر الأول إلى المشرکین یعود والضمیر الثانی یعود إلى الأنبیاء، أی أن هؤلاء لم یقفوا عند حدود الإنکار وعدم القبول، بل مارسوا مع الأنبیاء «الإسکاتَ» لا یحق لک أن تتکلم ﴿ فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ ﴾، أی أیدی المشرکین وأفواه الأنبیاء لیمنعوهم من أن ینطقوا کلمه الحق، ثم أضافوا ﴿ إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾، لا تجهدوا أنفسکم لن نقبل ما جئتم به، أما تسمعون الأدله والبراهین؟ قالوا: لا، لسنا مستعدین أن نسمع ما جئتم به ﴿ إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ، وَإِنَّا لَفِی شَکٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَیْهِ مُرِیبٍ ﴾.
المورد الخامس: التخلف المعرفی والأخلاقی
الأمر الخامس والأخیر هو أن الآیه الشریفه أشارت إلى آفتین اثنتین، إذا ابتلی بهما الناس سینعکس ذلک سلبیاًّ على الفعل التربوی:
۱ – الرذائل الأخلاقیه، ومنها سوء الظن. إذا ساء ظنک بأحد لن تتلقى ما یلقیه على مسامعک تلقیا حسنا، أنت سیء الظن فیه لا تثق فی ما یقول، لا تصدقه فی ما یقول، وهکذا فعلوا مع الأنبیاء، ماذا قالت الآیه؟ ﴿ وَإِنَّا لَفِی شَکٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَیْهِ مُرِیبٍ ﴾، هنا ریبه، أنت متهم یا من تدعی أنک نبی! أنت بالنسبه لنا وضعک مریب.
هذه الرذائل الأخلاقیه وکیف تؤثر تدفع بالإنسان إلى درجه الکفر.
۲ – الأمر الثانی التخلف الفکری والمعرفی ﴿ وَإِنَّا لَفِی شَکٍّ ﴾ هو فی حاله شک, ثم بنى موقفه الفکری والعقائدی على أساس الشک, لو صدق ما جاء به الأنبیاء بنحو الیقین ولم یکفر به بنحو الیقین ﴿ وَإِنَّا لَفِی شَکٍّ ﴾, إنک لست على یقین لأن ما جاء به الأنبیاء باطلٌ حتى یؤدی بک الحال إلى الکفر.
العقل ماذا یقول للإنسان الشاک؟ أن یکف عن المحاربه، یحتاط, یتوقف إلى أن یتبین, قال تعالى:﴿ قُلْ: هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ، إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِینَ! ﴾ [النمل/۶۴].
العدل والإنصاف
ثم تنتقل الآیه الشریفه إلى کیف أن الأنبیاء جاؤوا بالبراهین, ولذلک فإن الحجه تقرع بالحجه, الحجه لا تقابل بالشک والتزویر والاستعجال, بعد أن نوفر الظروف لهذا الطرف ولهذا الطرف ظرفاً متکافئاً موضوعیاًّ حتى لا نقع مثل ما وقعت به الأخوه اللبنانیون, أربع سنوات یعیشون فی کذبه, تصوروا کذبه على مرأى ومسمع من الناس, أربع سنوات لا تعنی أصحاب القضاء وأصحاب الإعلام والضمیر الحر لیست أمراً سهلاً, أدخلوک السجن واعتقلت أربع سنین, شُوِّهت شخصیتُک, اتهمتَ بما اتهمت به ثم تفضل اخرج من السجن فقط!! یعنی أربع سنوات من السجن والتشویه والتأجیج والتهییج على الناس، ثم من الذی یفرج عنهم؟ الذی یفرج عنهم الأوروبی المفترض به أنه العدو، أما القاضی ابن البلده الذی یفترض به أنه أعدل، هذا هو الذی یجور فی حقه.
ولذلک الناس فعلا تحتاج إلى عداله حقیقیه, ولذلک یبقى العدل والإنصاف مطلبان یسعى إلیهما الناس, لا یهم حین ذاک أن الذی یحقق لک العدل قریب منک أو غریب عنک.
نسأل الله عز وجل أن نکون وإیاکم ممن یستمع القول فیتبع أحسنه. اللهم صل على محمد وآل محمد, اللهم انصر الإسلام والمسلمین واخذل الکفار والمنافقین، اللهم شاف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر دیننا ودنیانا، وعجل لولیک الفرج والنصر والعافیه، وصلى الله على محمد وآله الطاهرین.
ـــــــــــــــــــــ
[۱] عوالی اللئالئ، ج ۱ ص ۱۲۹٫
[۲] أصول الکافی، کتاب العقل والجهل، الحدیث ۱۵٫
[۳] من لا یحضره الفقیه، الحدیث ۵۸۱۴٫