دور الأب فی توفیر الأمن للطفل

0

دور الأب فی توفیر الأمن للطفل
الدکتور علی القائمی
 
یحمل الطفل غالباً انطباعاً عن والده بأنه الأقوى والأعلم والأقدر فی محیط الأسره، وهو الذی یصدر الأوامر والنواهی ویواجه مختلف الأحداث.
فالطفل یذکر عادهً ما یحتاجه لوالدیه حتى یقوما بتوفیره، لکنه یلجأ إلى أبیه ویعتبره مدیناً له فی توفیر أمنه. فهو قد شاهد عده مرات کیف أن جمیع أفراد الأسره یلجأون إلى الأب عند الحالات الصعبه والظروف الحساسه، ولا یعتقد – عملیاً- بوجود من هو أکثر کفاءه أو قدره منه.
 
تأثیر الأمن على النمو:
ویحتاج الطفل بشده إلى الأمن فی کل أقسامه، فهو یحتاج إلى الأمن فی المجال الاقتصادی، والانضباط لدى مواجهته لمختلف الحوادث، والأمن الفکری والعاطفی وغیر ذلک.
ولا یمکن أن یتم نموّ الطفل إلاّ فی محیط الأسره الآمِن، ویصدق هذا حتى على النموّ الجسمی أیضاً.
إذ سیتوقف نموّ الجسم فیما لو انعدم الأمن بالمقدار الکافی کما أشارت إلى ذلک مختلف الدراسات والبحوث. ویتسم مثل هؤلاء الأطفال بأجساد هزیله وأجسام نحیله ونحیفه، وأنهم ینظرون إلى عالم الوجود بنظرات موحشه، ویحملون انطباعاً لا یمکن معه الاعتماد على أی إنسان أبداً، ویشعرون بأن الظلام والبرق والرعد یهددهم ولا ملجأ لهم سوى الآباء الذین یمکنهم أن یحموهم ویطردوا عنهم الخوف، وهذا الإحساس ضروری لنموّ الطفل جسدیاً وعاطفیاً وخُلُقیاً.
 
الوظائف فی هذا الطریق:
لذا یمکن القول إنّ وظیفه الأب لا تقتصر على توفیر نفقات الأسره وما تحتاج إلیه من المأکل والملبس فقط، بل علیه إضافه إلى ذلک أن یتواجد بین أفراد أسرته، وذلک التواجد مهم لتوفیر الأمن لهم.
ویمکن وصف الأب فی محیط أسرته کالبطل الذی ینجز جمیع المهمات، ویعوّض جمیع النواقص.
إذ ما فائده توفیر الحاجات فیما لو لم یتمکن الأب من توفیر الأمن إلى جانبها، حیث إن الطفل سیفقد قابلیه الاستفاده من تلک الحاجات.
کما یعتبر الأب الرابط بین البیت وخارجه، ویمکن للحوادث التی تطرأ خارج البیت أن تأخذ طریقها إلى داخل البیت فتزرع الخوف والقلق فی قلوب أفراد الأسره، ولا یتمکن سوى الأب أن یهدِّئ من روع الأفراد ویحثّهم على الصبر والاستقامه.
مَنْ الذی یُدخل الاطمئنان إلى قلب الطفل عندما تمرض أمّه؟
مَنْ الذی یُشجّع الطفل ویدافع عنه عندما یشعر بالخوف من الناس أو من زملائه وأصدقائه فی المدرسه فیزیل عنه هذا الکابوس ویدفعه لأن یتقدم فی حیاته؟
 
خطر فقدان الأمن:
لابدّ من توفیر المقدمات التی یطلبها تحقیق الأمن، وینبغی على الأب أن یقوم بدوره فی هذا المجال بأحسن شکل.
وقد قلنا سابقاً بأن فقدان الأمن یؤثّر سلباً على نموّ الطفل فی مختلف المجالات، وسیکون عاجزاً عن أداء دوره فی المجتمع وعن أن یکون عضواً فعّالاً فیه.
فقد أظهرت الدراسات العدیده التی أجریت بهذا الشأن أن فقدان الأمن یقلّل من الشهیه للطعام، ویصیب الطفل بعسر الهضم والهزال والمرض أخیراً، کما أنه یؤدی أیضاً إلى إیجاد الخوف والاضطراب عند الطفل مما یجعله جاهزاً لممارسه بعض التصرّفات المرفوضه کالادعاءات الکاذبه والشقاوه والعصیان، وبعض الاضطرابات السلوکیه الأخرى.
وقد کشفت الدراسات أیضاً بأن الأطفال الذین لا یشعرون بالأمن إلى جانب آبائهم یتصفون بالنفاق والخوف والصمت والهدوء والکآبه أحیاناً، أو یصابون بعقد نفسیه فی أحیان أخرى، وینصاعون إلى القوانین دون نقاش ویکونون بالنتیجه أفراداً غیر أسویاء.
وأشارت دراسه أخرى إلى أن الطفل الذی یشعر بحاجته إلى الأمن یلجأ بلا شک إلى شخص أو أشخاص آخرین فیما لو قصّر والده فی هذا المجال، وسوف یبتعد فی الحقیقه عن عائلته وأسرته وینفصل عنها، وهذا یشکّل بحدِّ ذاته الأساس للعدید من المفاسد (الأخلاقیه) والسلوکیه التی یصاب بها الطفل.
وسوف ینظر إلى والده یائسا منه لأنه یحمل عنه انطباعاً بأنه ضعیف وغیر منضبط.
 
الأب هو الملاذ:
فالأب هو ملاذ الأسره وحامیها، ویجب علیه أن یترجم هذا المفهوم عملیاً لأطفاله، لأن الأولاد بحاجه إلى دعمه وحمایته فی جمیع أمورهم، وسوف یشعرون بالیأس فیما لو أدرکوا بأن الأب عاجز عن تحقیق ذلک.
فینبغی على الأب أن یتصرّف فی محیط أسرته بصوره تسمح للطفل بأن یرتمی فی أحضانه متى ما أدرکه الخطر، وأن یشعر بالاستقرار عندما یکون إلى جانب أبیه، وهذا من ضروریات نموّ الطفل وسلامته.
لذا حریّ بالأب أن یکون شجاعاً جریئاً ومقاوماً لمختلف الحوادث، فالأب الذی یعتریه الخوف والاضطراب عندما ینظر إلى مشهد مخیف أو تواجهه مشکله معینه لا یمکنه أن یوفّر الأمن لطفله، ویجب علیه أن لا یکشف عن اضطرابه أمام طفله أبداً.
فالطفل یحتاج إلى أب شجاع وقوی یقف إلى جانبه فی الأزمات والمشاکل، ویکون قادراً على ممارسه وظیفته ومسؤولیته فی توفیر الأمن والاستقرار النفسی والخُلُقی، وهذا من حاجات الطفل الضروریه حتى فی السنوات الأولى من عمره.
 
الأمن فی الأسره:
البیت هو المکان الآمِن والملاذ لجمیع أفراد الأسره عندما تواجههم المشاکل.
وإنه لذنب عظیم قیام الأب بتشجیع أولاده للهروب من البیت من خلال تصرفاته السیئه وشعورهم بفقدان الأمن، وسبب ذلک هو عدم وعی الأب لمسؤولیته.
فالأب هو الذی یرفع معنویات أفراد أسرته ویکون ملاذاً لأطفاله فی الشدائد، ویوفّر لهم الأجواء الملائمه للحرکه والنشاط.
ویمکن لعامل الأمن أن یساهم فی تفعیل النشاط الفکری للطفل وتوجیهه نحو مجالات مفیده، ودفعه إلى الأمام دائماً.
وحریّ بالأب أن یتصرّف وفق سلوک بیّن حتى یکون الولد قادراًَ على العیش مرفوع الرأس ومفتخراً، إذ لا یکفی الشعور بالجرأه والشجاعه لوحده عندما یصاب الطفل بحالات الخوف والاضطراب.
وأخیراً فإنّ الطفل لا یمکنه التقدّم والتحلّی بالصدق والأمانه إلاّ فی ظل المحیط الآمِن للأسره.

Leave A Reply

Your email address will not be published.