صفقات خاسره وأخرى رابحه

0

إنّ أفضل ما یجتهد العبد فی القیام به فی الدنیا هو عقد صفقات رابحه مع الله تعالى یسعد بها حین یلقاها مسطّره فی صحیفه أعماله یوم القیامه، ولکن قد یزل العبد أو یضل، وتبوء صفقته بالبوار والخسران، وعندها یندم حین لا ینفع الندم. فما الصفقات الرابحه وتلک الخاسره؟ وکیف تکون الصفقه رابحه؟
۱- الریاء بالأعمال:

مَن یعمل الصالحات وأعمال البر لا یقصد بها وجه الله، وإنّما یعملها لیراه الناس أو لتُنشر وتُعلم فیثنی الناس علیه خیراً، هذا شخص أجهد نفسه بلا طائل، ووقع فی أمرین خطیرین، الأوّل: أنّه یرائی بعمله الناس وهذا شرک أصغر، والثانی: أنّه لن یجد فی صحیفته إلا وزراً، بمراءاته الناس، فتلک إذن صفقه خاسره.
وأمّا الصفقه الرابحه ففی إخلاص العمل لله تعالى قدر الطاقه، فإن أثنى الناس علیه خیراً، فهذا من عاجل بشرى المؤمن، وإن لم یثنوا فیکفیه ثناء الله تعالى وثوابه.

۲- إرضاء الناس بسخط الله:

قد یسعى الإنسان إلى إرضاء غیره طلباً لحاجه عندهم أو استدامه لمودتهم أو لینال إعجابهم أو لیمدح عندهم، ولو کان ذلک بمعصیه الله، فقد یُسهل لهم الحصول على ما لیس من حقهم، أو یُوجد لهم المخارج والحیل لظلم الآخرین وانتقاص حقوقهم، وقد یشارک من أجل ذلک فی أمر یعلم أنّه حرام، فتلک صفقات خاسره، إذ کیف یطلب رضا المخلوق بسخط الخالق؟ وهذا کما هان علیه أمر ربه سیهون هو على الناس، وسیذوق، عاجلاً أو آجلاً، ما لم یکن یتوقعه.
وأمّا الصفقه الرابحه، ففی أن یقدم الإنسان رضا الله قبل کل شیء، فالسعید من أصلح ما بینه وبین الله، ومن أصلح ما بینه وبین الله، أصلح الله ما بینه وبین الخلق.

۳- عدم تقدیم المشوره على وجهها الصحیح:

قد یکون ذلک مجامله للغیر، أو طلباً لمصلحه عندهم، أو انتقاماً من طالب المشوره وتغریراً به، وکلها صفقات خاسره. فقد قال رسول الله (ص): "المستشار مؤتَمن"، وقال: "مَن استشاره أخوه المسلم فأشار علیه بغیر رشد فقد خانه".
وأمّا الصفقه الرابحه ففی إخلاص النصیحه، والصدق فی المشوره، وألا یشیر الإنسان إلا فی ما یعلم، وفی ما یحسن.

۴- شهاده الزور بمقابل أو بغیر مقابل:

وهی من أشد أنواع الکذب قبحاً وحرمه، إذ تترتب علیها مظالم، وتضیع بها حقوق، ولا یجنی شاهد الزور إلا الخیبه والندامه، ولذلک کانت من أسوأ الصفقات، ومن أکبر الکبائر، قال رسول الله (ص): "ألا أنبئکم بأکبر الکبائر؟". قلنا: بلى یا رسول الله، قال: "الإشراک بالله، وعقوق الوالدین – وکان متکئاً فجلس – فقال: ألا وقول الزور وشهاده الزور، ألا وقول الزور وشهاده الزور".
وأمّا الصفقه الرابحه: ففی قوله تعالى فی (الآیه ۲ من سوره الطلاق) (.. وَأَقِیمُوا الشَّهَادَهَ لِلَّهِ ذَلِکُمْ یُوعَظُ بِهِ مَنْ کَانَ یُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا).

 
۵- تشویه سمعه الآخرین تحصیلاً لغرض من الأغراض:

وهذا أمر عظیم، یحصل غالباً عند المنافسه على أمر ما. فقد یظن بعض ضعاف النفوس أنّه لن یحصل على غرضه، أو لن یروج لنفسه أو لشرکته، مثلاً، أو یظهر إجادته فی عمله.. إلا على حساب الآخرین، وقد تظن بعض النساء أنّها لن تروج لسوق بناتها أو قریباتها فی الزواج مثلاً إلا بانتقاص الأخریات وذکر ما یطعن فیهنّ أو یقلل من قدرهن صراحهً أو إشارهً. وهؤلاء قد یحصل لهم ما أرادوا، ولکن هل هذا خیر لهم؟ کلا. یقول الله تبارک وتعالى فی (الآیه ۱۵ من سوره النور): (.. وَتَحْسَبُونَهُ هَیِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِیمٌ)، ویقول رسول الله (ص): ".. وإنّ العبد لیتکلم بالکلمه من سخط الله لا یلقی لها بالاً، یهوی بها فی جهنم".
 وأما الصفقه الرابحه: ففی قوله (ص): "مَن کان یؤمن بالله والیوم الآخر فلیقل خیراً أو لیصمت.

۶- إظهار الفتاه زینتها طلباً للزواج:

وذلک بأن تخرج الفتاه عن حشمتها فتُظهر ما یدعو إلى النظر إلیها، مثل کشف شعرها أمام الأجانب، أو تزیین وجهها، أو أن تلبس الثیاب القصیره التی تبدی ما أمِرَت بستره من بدنها أمامهم، أو أن تلبس ما یشف عما تحته، أو ما یصف من الثیاب الضیقه، أو أن تخرج متعطره بما تظهر رائحته، قد تفعل ذلک بعض الفتیات من نفسها أو بتوجیه من أمّها أو غیرها، خاصه عند تأخرها فی الزواج، ظناً منهنّ أن ذلک یعجل بزواجها. نعم، قد یکون ذلک سبباً لزواجها، ولکنّه لا یعجله، لأنّ الزواج رزق، والرزق مکتوب عند الله تعالى، لا یتقدم ولا یتأخر، وسیأتی الفتاه ما قُدر لها، فلا تطلب ما عند الله بمعصیته، وإلا کانت صفقتها خاسره.
وأما الصفقه الرابحه ففی طلب برکه الله ورزقه بطاعته، وبکثره دعائه، وألا تنقض الفتاه العهد الذی بینها وبین الله تعالى، وبالمبادره إلى التوبه، فتلک هی الصفقه الرابحه.

یقول رسول الله (ص): "إنّ الروح الأمین – یعنی جبریل (ع) – نفث فی روعی: أنّه لن تموت نفس حتى تستوفی رزقها، فاتقوا الله وأجملوا فی الطلب، ولا یحملنکم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصی الله، فإنّه لا یدرک ما عند الله إلا بطاعته". ومعنى نَفَثَ فی روعی: أی ألقى فی قلبی وألهمنی.

۷- إفساد المرأه المرأه على زوجها لتُطلق فتتزوج بغیره:
قال رسول الله (ص): "لیس منا من خَبّبَ امرأه على زوجها" رواه أبو داود وأحمد. وخَبّبَ، یعنی أفسد وخدع. ویکون ذلک بإفساد العلاقه بین المرأه وزوجها، أو تحسین الطلاق لها من قبل امرأه أو من قبل رجل لیتزوجها أو یزوجها لغیره أو لغیر ذلک من الأمور، فهذا من الکبائر، وقد نهى الشرع أن یخطب الرجل على خطبه أخیه، فکیف بمن یفسد امرأته؟ فتلک إذن صفقه خاسره.
وأما الصفقه الرابحه ففی قوله عزّ وجلّ فی (سوره النساء الآیه ۱۱۴): (لا خَیْرَ فِی کَثِیرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَهٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَیْنَ النَّاسِ وَمَنْ یَفْعَلْ ذَلِکَ ابْتِغَاءَ مَرْضَات اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِیهِ أَجْرًا عَظِیمًا).

 8- ظلم الضعفاء والمساکین، ومن لا ناصر لهم من الناس:

قد یظلم الإنسان عاملاً أو خادماً أو یتیماً أو زوجه أو أرمله أو مسکیناً فی نفسه أو ماله أو غیر ذلک، اعتماداً على عدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم ورد الظلم عنهم. والظلم على أی وجه محرم، وأقبح أنواعه ظلم من لیس له ناصر إلا الله، ومن لا یجد حیله إلا أن یفوض أمره فی من ظلمه إلى الله.

ومن الثلاثه الذین یتولى الله سبحانه وتعالى مخاصمتهم یوم القیامه نیابه عمن ظلموهم "رجل استأجر أجیراً فاستوفى منه ولم یوفه". ویقول رسول الله (ص): "ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو کلفَه فوق طاقته أو أخذ منه شیئاً بغیر طیب نفس، فأنا حجیجه یوم القیامه". فکیف بالأجیر والعامل المسلم؟ والمعاهد: هو الذمی من أهل الکتاب، والمستأمن فی بلاد المسلمین. فقد أخطأ إذن من غره ضعف الضعفاء، وعرض نفسه لسهام دعواتهم، واستعدى على نفسه رب العالمین بظلمهم، وتلک صفقات خاسره.
وأما الصفقه الرابحه ففی توفیتهم حقهم، والتماس صالح دعواتهم، ونصره الله وعونه بإکرامهم. فهذه بعض الصفقات الخاسره وما یقابلها من الرابحه، تنبیهاً وتذکیراً لأنفسنا ولإخواننا، فنسأل الله أن یُجنّبنا الخسرانَ، وأن نکون من الرابحین فی الدنیا والآخره.

Leave A Reply

Your email address will not be published.