ثمار التوبه.. المغفره والرحمه
قال تعالى فی (سوره الزمر، الآیه ۵۳): (قُلْ یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ)، وعن أنس بن مالک رضی الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) یقول: "قال الله: یا ابن آدم إنک ما دعوتنی ورجوتنی غفرت لک على ما کان فیک ولا أبالی، یا ابن آدم لو بلغت ذنوبک عنان السماء ثمّ استغفرتنی غفرت لک ولا أبالی، یا ابن آدم إنک لو أتیتنی بقراب الأرض خطایا ثمّ لقیتنی لا تشرک بی شیئاً لأتیتک بقرابها مغفره".
خلق الله تعالى الإنسان ضعیفاً، ومن لوازم ضعفه أنّه ینسى ویسهو، یغفل ویغفو، یضعف ویقصر، ویغلبه الشیطان فیعصی. ولهذا شرع الله عزّ وجلّ التوبه وجعلها مفتاحاً لباب المغفره حتى یلج العبد التائب فی رحمه ربه متى ما تاب وأناب.
عن أهمیه التوبه وأثرها فی محو ذنوب العبد التائب، والواجب على التائب بعد توبته، تتحدث فی هذا الموضوع السیده إیمان إسماعیل، المدیره التنفیذیه لجمعیه المرأه الثقافیه العالمیه فی دبی.
وتستهل حدیثها بأنّ الحمدلله رب العالمین، غافر الذنب، وقابل التوب، شدید العقاب، ذی الطول، یبسط یده باللیل لیتوب مسیء النهار، ویبسط یده بالنهار، لیتوب مسیء اللیل، وینادی، هل من تائب فأتوب علیه؟ هل من مستغفِر فأغفر له؟
من فضل الله عزّ وجلّ على الإنسان أن فتح له باب الرحمه والمغفره، وجعل التائب من الذنب کمن لا ذنب له، وحذَّر ابن آدم من أن یکون ممن یؤخرون التوبه ویطول بهم الأمل حتى یرجعوا إلى الآخره بغیر عمل.
وحتى تکون توبه العبد مقبوله، فهناک أعمال واجبه مصاحبه للتوبه وجَّهنا نبینا الکریم (ص) نحو التقید والالتزام بها، حتى لا تصبح التوبه مجرد قول باللسان.
فبعد أن تکتمل شروط التوبه من إقلاع عن المعصیه وندم على فعلها وعزم على عدم العوده لها أبداً، یصبح على التائب أن یجتهد فی درء الحسنه بالسیئه، ویکون ذلک باللسان والقلب والجوارح. فهو یجدُّ فی التفکیر عن ذنبه بالاستغفار والتضرع إلى الله تعالى سائلاً العفو والمغفره. والاستغفار یکون بالقلب واللسان معاً ولیس باللسان فقط، قال بعض السلف: الاستغفار باللسان توبه الکذابین.
لکن إذا ما أضیف إلى استغفار اللسان تضرع القلب وابتهاله إلى الله تعالى فی سؤال المغفره، عن صدق وإراده وخلوص نیه ورغبه، فهذه حسنه تصلح لأن تدفع السیئه. قال (ص): "ما أصرَّ من استغفر ولو عاد فی الیوم سبعین مرّه"، وقال أحد السلف: "العجب ممن یهلک ومعه النجاه. فقیل: وما هی؟ قال الاستغفار".
وعلى التائب أن یوطِّن نفسه على الأعمال والخصال الصالحه المکفره للذنوب، ومن هذه الخصال مسامحه الناس والعفو عن زلاتهم، قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِینَ) (الأعراف/ ۱۹۹)، وکذلک أن یضمر فی قلبه الخیرات للمسلمین ویعزم على التزام الطاعات والعبادات، فیشغل جوارحه بعمل الطاعات والصدقات وأنواع العبادات، ویعمد إلى بدنه فیصرف طاقته فی طاعه الله وتحری الحلال. وبالجمله فعلیه أن یحاسب نفسه کل یوم ویتذکر جمع سیئاته الماضیه، ویجتهد فی دفعها بالحسنات.
– عبادات تکفر الذنوب:
على التائب أن یُکثر من العباده تقرباً لله عزّ وجلّ، ومن ألوان العبادات التی أخبرنا المصطفى (ص) أنها مکفره للذنوب:
الوضوء: قال (ص): "من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطایاه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره".
المشی إلى المسجد: قال (ص): "من راح إلى مسجد الجماعه فخطوه تمحو سیئه وخطوه تکتب له حسنه، ذاهباً وراجعاً".
الصلوات الخمس: قال (ص): "أرأیتم لو أن نهراً بباب أحدکم یغتسل فیه کل یوم خمس مرات، هل یبقى من درنه – أی من وسخه – شیء؟" قالوا: لا یبقى من درنه شیء. قال: "فکذلک مثل الصلوات الخمس یمحو الله بهن الخطایا".
صلاه اللیل: قال (ص): "علیکم بقیام اللیل، فإنّه دأب الصالحین قبلکم ومقربه لکم إلى ربکم وکفره للسیئات ومنهاه عن الإثم ومطرده للداء عن الجسد".
الصدقه النافله: وهی من الطاعات المکفره للذنوب، وهی ما کانت غیر الفریضه، قال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِیَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَیْرٌ لَکُمْ وَیُکَفِّرُ عَنْکُمْ مِنْ سَیِّئَاتِکُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیرٌ) (البقره/ ۲۷۱).
– من ثمرات التوبه:
عندما تصدُق توبه العبد وتتکامل أرکانها، فإنّها تثمر رحمات ومغفره وأجراً عظیماً من الله عزّ وجلّ. فمن ثمار التوبه تکفیر السیئات حتى یصیر کمن لا ذنب له، قال (ص): "التائب من الذنب کمن لا ذنب له".
ومن ثمارها تبدیل السیئات حسنات، قال تعالى: (یُبَدِّلُ اللَّهُ سَیِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان/ ۷۰)، جاء رجل هرم إلى الرسول (ص) وقال: أرأیت، رجل یعمل الذنوب کلها فلم یترک صغیره ولا کبیره إلّا أتاها، فهل لذلک من توبه؟ فقال الرسول (ص): "فهل أسلمت؟". قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلّا الله وأنک رسول الله. فقال (ص): "تفعل الخیرات وتترک السیئات فیجعلهنّ الله لک خیرات کلهنّ" قال: وغدراتی وفجراتی؟ قال (ص): "نعم".
وتثمر التوبه النصوح حُبَّ الله سبحانه وتعالى لعبده التائب، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ التَّوَّابِینَ وَیُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِینَ)، وفرح الله تعالى بتوبه عبده، قال (ص): "لله أشد فرحاً بتوبه عبده حین یتوب إلیه، من أحدکم کان على راحلته بأرض فلاه فانفلتت منه وعلیها طعامه وشرابه فآیس منها، فأتى شجره فاضطجع فی ظلها وقد آیس من راحلته، فبینما هو کذلک إذا هو بها قائمه عنده، فأخذ بخطامها ثمّ قال من شده الفرح: اللّهمّ أنت عبدی وأنا ربک. أخطأ من شده الفرح".
وإنّ الملائکه یدعون للتائبین، قال تعالى: (الَّذِینَ یَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ یُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَیُؤْمِنُونَ بِهِ وَیَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِینَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ کُلَّ شَیْءٍ رَحْمَهً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِینَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِیلَکَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِیمِ) (غافر/ ۷). وهذه واحده من أرجى الآیات فی کتاب الله، قال فیها أحد السلف: إن مَلَکاً واحداً لو سأل الله تعالى أن یغفر لجمیع المؤمنین لغفر لهم، کیف وجمیع الملائکه، وحمله العرش یستغفرون للمؤمنین؟ وقال خلف بن هشام: کنت أقرأ على سلیم بن عیسى، فلما بلغت هذه الآیه (وَیَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِینَ آمَنُوا)، بکى ثمّ قال: یا خلف ما أکرم المؤمن على الله، نائماً على فراشه، والملائکه یستغفرون له.
ومع ما ذکرنا فعلى المسلم أن یضع فی ذهنه أن لا یجزم بقبول التوبه فیرکن إلى نفسه ویطلق لها العنان فتغویه وتحمله على ارتکاب ما یغضب الله تعالى، بل یجب علیه أن یکون فی حفاظ مستمر على توبته وخشیه مستمره علیها من النقض.