کیف نتجاوز القطیعه الاجتماعیه؟

0

 
إن القرآنَ الکریم یؤسسُ إلى کیانِ الأمهِ الواحده، وإلى کیانِ المجتمعِ الواحد من خلال صبغه التقوى، فالحفاظ على کیان الأمه الواحده لا یکون إلا من خلال الإیمان والتقوى، التی تبعث الإنسان إلى الوحده الإیمانیه، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّهً وَاحِدَهً وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاتَّقُونِ* فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَیْنَهُمْ زُبُرًا کُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَیْهِمْ فَرِحُونَ* فَذَرْهُمْ فِی غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِینٍ ﴾.
إن المجتمعات فی داخل الأمه تاره تکون متواصله متلاقیه، وتاره تعیش حاله من القطیعه، وهکذا الجماعات فی داخل المجتمع الواحد تاره تکون متواصله متلاقیه تعیش الأخوه الإیمانیه، وتاره تعیش التقاطع والتدابر والتفرق، وهنا یبرز السؤال: ما هی أهمیه التواصل الاجتماعی؟
إن أهمیه التواصل الاجتماعی تنبع من حاجه الأمه ومن حاجه المجتمعات إلى الکیان الواحد، فتواصل المجتمعات یحقق الأمه الواحده، وتواصل الجماعات فی داخل المجتمع یحقق المجتمع الواحد، وحینما تعیش المجتمعات عزله عن المجتمعات الأخرى تنثلمُ وحدهُ الأمه، وحینما تعیش الجماعات فی داخل المجتمع قطیعه وعزله عن بقیه الجماعات تنثلم وحده المجتمع.
ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن یربط المؤمنین بعلاقه الأخوه الإیمانیه حتى یکونوا کیاناً واحداً وجسداً واحداً یعمل على إقامه دین الله وتجسید قیم الرساله، مضافاً إلى ذلک المؤمنون بحاجه إلى التواصل من أجل خدمه الأهداف المشترکه، فلا شک أن هناک أهدافاً مشترکه تجمع جمیع الفئات والشرائح الاجتماعیه، من تیارات دینیه وجماعات ونخب مثقفه، وتحقیق هذه الأهداف لا یکون إلا بعد أن نتواصل، وأن نمد أیدینا إلى بعضنا البعض.
والقطیعه الاجتماعیه بین التیارات والجماعات الدینیه لها مجموعه من الأضرار والآثار السلبیه منها:
أولاً: ظهور التوترات: فالمجتمع الذی یعیش حاله من القطیعه والتدابر، فهو یعیش حاله من التوجس وعدم الثقه فی الطرف الآخر، والمجتمع الذی یعیش حاله من التوجس وعدم الثقه بین أفراده سرعان من تنشأ فیه التوترات، وسرعان ما تنشأ فیه الصراعات.
ثانیاً: تکریس العداء: فاستمرار القطیعه الاجتماعیه بین التیارات والجماعات الدینیه یکرس حاله العداء، فتنشأ بین الجماعات حواجز نفسیه کبیره من الصعب تجاوزها.
ثالثاً: إفراغ الساحه للمتطرفین: حیث أن الساحه الاجتماعیه والدینیه لا تخلو من متطرفین ومن جهات متطرفه تستهوی الصراعات والعداوات، فحتى لو لم تکن هناک عداوات، إلا أن قله التواصل والتلاقی بین التیارات وبین الجهات یفتح الباب للمتطرفین لکی یبثوا العداوات والحزازات بین المؤمنین.
وهنا نتساءل: ما هی أسباب القطیعه؟
هنا نذکر مجموعه من الأسباب:
أولاً: الغرور: إن أحد العوامل الأساسیه التی تؤدی إلى تصدع النسیج الاجتماعی والدینی: هو حاله الغرور التی تعیشها الجماعات، فکل جماعه وکل انتماء یعیش الاغترار بما لدیه من رجال وأفکار وأعمال، والآیه القرآنیه تعبر بالفرح ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَیْنَهُمْ زُبُرًا کُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَیْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ أی أن عامل الفرح والاغترار بالذات هو الذی یؤدی إلى حاله الانقسام والتحزب، لأن الذی یعیش حاله الغرور والفرح والاعتداد بالذات، لا یعترف للآخرین بفضل أو قیمه، بل یؤدی ذلک إلى حاله التهمیش والاستنقاص من الآخرین.
ثانیاً: عدم امتلاک القدره على التعامل مع الاختلافات: البعض یجعل من اختلاف الآراء سبباً للتقاطع والتدابر، وإثاره الأجواء السلبیه بین المؤمنین، مما یعکر من حاله الود ویعمق حاله القطیعه والتدابر فی النسیج الاجتماعی.
ثالثاً: المواقف اللامسؤوله: إن أحد العراقیل التی تحجب المجتمع عن التواصل وتؤدی إلى القطیعه هی المواقف اللامسؤوله والمتشنجه التی تصدر من البعض، مما یوسع الهّوه بین الفئات والشرائح الاجتماعیه.
إن التطور الهائل الذی حدث فی وسائل الاتصالات ومن خلال شبکه الانترنت کان ینبغی أن یحدث خطوات إلى الأمام على صعید التواصل الاجتماعی، إلا أننا بدلاً من نجعل من وسائل الاتصال وسیله للتواصل جعلنا منها وسیله للتقاطع والتدابر.
رابعاً: غیاب القیم والأخلاقیات الاجتماعیه: إن أحد الأسباب والعوامل التی تؤدی إلى القطیعه غیاب القیم والأخلاقیات الاجتماعیه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَهٌ ﴾، وجاء فی الحدیث عن محمد بن علی (علیه السلام): «إنما شیعه علی المتباذلون فی ولایتنا، المتحابون فی مودتنا، المتزاورون لإحیاء أمرنا، إن غضبوا لم یظلموا، وإن رضوا لم یسرفوا، برکه لمن جاوروا، وسلم لمن خالطوا».
وأخیراً: کیف نتجاوز حاله القطیعه ونؤسس إلى حاله التواصل والتلاقی؟
الأمر الأول: المبادره فی التواصل: فالمبادره فی التواصل عنصر مهم جداً فی کسر الجلید الذی یسیطر على العلاقات الاجتماعیه، کثیرون من الناس قد لا یحملون ضغائن وأحقاد على الجهات الأخرى إلا أنهم قد لا یحملون فی داخلهم روح المبادره فی التواصل، وکسر حاجز القطیعه، وهنا لا بد على التأکید على مسأله غایه فی الأهمیه، وهی ضروره التواصل على مستوى الرموز الدینیه، لأن عدم التواصل بین الرموز الدینیه حتى لو لم یکن یعبر عن موقف نفسی اتجاه الآخر، إلا أن له دورٌ سلبی على المستوى الاجتماعی.
الأمر الثانی: أن نبث ثقافه التواصل ونحارب ثقافه القطیعه.
الأمر الثالث: بث ثقافه الاحترام: فلا بد من بث ثقافه الاحترام بین أوساط المتدینین، ومع الأسف الأوساط الدینیه والاجتماعیه دخلت فی منحدر خطیر، تغیب فیه الأخلاق، ویغیب فی الاحترام للأطراف الأخرى، فتجد أن التسفیه والتسقیط والنیل من الرموز الدینیه والاستهزاء بالآخرین أصبح أمراً طبیعیاً جداً.
الأمر الرابع: التعامل مع الاختلافات بوعی ومسؤولیه:
إن الاختلاف فی الآراء أمرٌ طبیعی، إلا أننا تاره نتعامل مع هذه الاختلافات من خلال الوعی والمسؤولیه فنقلص من التأثیر السلبی للاختلافات.
بعض الناس مع الأسف یجعل من الدین ماده للعصبیات والخلافات والتحزبات، مما یسبب القطیعه والتدابر، وفی الحقیقه إن الدین الذی یتخذه البعض لإثاره الخلافات بین الناس لیس دین الله أبدا، ولهذا یقول سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِینَ فَرَّقُواْ دِینَهُمْ وَکَانُواْ شِیَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِی شَیْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ یُنَبِّئُهُم بِمَا کَانُواْ یَفْعَلُونَ ﴾ فالدین هو خط واحد وانتماء واحد تنصهر فیه کل الانتماءات والولاءات الفرعیه. وهذا من عناصر القوه التی تمیز بها هذا الدین. ومع الأسف أصبحنا کما لو کنا فی جزر متفرقه، وهذا ما ینبذه القرآن أشد النبذ، قال تعالى: ﴿ وَلا تَکُونُوا مِنَ الْمُشْرِکِینَ* مِنَ الَّذِینَ فَرَّقُوا دِینَهُمْ وَکَانُوا شِیَعًا کُلُّ ﴾ إلى أضیق حد ممکن، وتاره أخرى نضخم هذه الاختلافات ونجعل منها جبلاً لا یمکن تجاوزه، ولا شک أن تضخیم الاختلافات یمنع من حاله التواصل، أما تقلیص رقعه الاختلاف، یساعد على حاله التواصل، ورد عن أمیر المؤمنین (علیه السلام) قال: «علیکم بالتواصل والموافقه، وإیاکم والمقاطعه والمهاجره» ﴿ حِزْبٍ بِمَا لَدَیْهِمْ فَرِحُونَ ﴾.
 
أهل البیت (علیهم السلام) واسطه الفیض الإلهی
قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى* وَآثَرَ الْحَیَاهَ الدُّنْیَا* فَإِنَّ الْجَحِیمَ هِیَ الْمَأْوَى*وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّهَ هِیَ الْمَأْوَى ﴾ عباد الله اتقوا الله واحذروا من مقامِ الله ومن عظیمِ حسابِه فی الآخره، فإن الإنسان ما لم یلتفت إلى الحقائقِ العُظمى فی الآخره لن یتمکن من السیطره على الأهواء.
إن تربیه الله لهذا الکون عمّت کل مکان وکل أفق، وکما تتجلى ربوبیهُ الله على الصعید التکوینی وفی عالم الخلیقه، کذلک تتجلى ربوبیه الله فی تربیه الإنسان الروحیه والمعنویه، إن التربیه هی إیصال الشیء إلى کماله، والله سبحانه أرسلَ الرُسل والأنبیاء، ونصبَ الأئمهَ من أجلِ تربیهِ الإنسانِ وإیصالِه إلى کماله الذی أرادُه الله له. والله سبحانه خلق الإنسان فی أحسن تقویم حتى یکون قادراً ومؤهلاً لصعود مراتب الکمال، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِینَ* إِلاَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ ﴾.
إن الله أراد للإنسان الکمال فاصطفى بعض عباده واصطنعهم لدینه لیربوا عباده على القیم والفضائل. حیث اصطفى الله سبحانه بعلمه الأزلی الرسل والأنبیاء والأوصیاء، ثم اصطنعهم لیکونوا أدلاء على دینه ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ یَا مُوسَى* وَاصْطَنَعْتُکَ لِنَفْسِی ﴾ قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَیْتُ عَلَیْکَ مَحَبَّهً مِّنِّی وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَیْنِی ﴾.
والأئمه من أهل البیت (علیهم السلام) هم صنائع الله سبحانه، حیث شملهم الله بلطفه وعنایته وربوبیته حتى أوصلهم إلى أعلى مراتب الکمال الإنسانی، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا ﴾[۲] وهذه الرحمه التی خصها الله لأصفیائه جعلها باباً لرحمه بقیه عباده وتربیتهم وإیصالهم إلى کمالهم، أی أن تربیه الله للأئمه الأطهار کانت مقدمه لتربیه المؤمنین، فقد أراد الله سبحانه أن یجعلهم واسطه الفیض الإلهی، وقد جاء فی نهج البلاغه: «نحن صنائع الله، والناس بعد صنائع لنا» فأهل البیت (علیهم السلام) هم صنیعه الله، حیث اصطنعهم الله لنفسه، لیکونوا أدلاء علیه، ولیقودوا الإنسانیه إلى الله سبحانه.
فإذا کان الأئمه (علیهم السلام) هم واسطه الفیض والرحمه الإلهیه، فکیف ربى الأئمه (علیه السلام) شیعتهم؟
إن الأئمه (علیه السلام) کرسوا فی واقع شیعتهم، بأن التشیع لهم حقیقه ولیس مظهر، سلوکٌ ولیس إدعاء.
ولهذا تجد أن الأئمه (علیهم السلام) دائماً وأبداً کانوا یضعون معاییر من خلالها یعرف الإنسان مدى صدق انتسابه إلى التشیع من عدمه، وقد کان الأئمه (علیه السلام) یتعاهدون أصحابهم ویربونهم حتى یصلوا إلى مرتبه التشیع الحقیقیه، التی یکون فیها الإنسان سائراً على دربهم، والأئمه (علیهم السلام) کانوا المثال الأبرز فی تجسید الإسلام فربوا شیعتهم على کل القیم الدینیه، الروحیه والاجتماعیه، والسیاسیه، وغیر ذلک، حتى جعلوا منهم قیادات صلبه تذوب من أجل الإسلام.
إلا أن کل عملیه تربویه هی بحاجه إلى عنصرین أساسیین: وجود الجهه التی یتربى الإنسان فیها، ووجود إراده وقرار حاسم عند الإنسان یختار من خلاله الارتباط بالجهه المربیه.
فالإنسان بحاجه إلى قرار حاسم یختار من خلاله الارتباط الحقیقی بأهل البیت (علیهم السلام)، کما هو بحاجه إلى قناه توصله بأهل البیت (علیهم السلام)، حیث یجب علیه أن یرتبط بالعلم وبالعلماء الربانیین السائرین على طریق أهل البیت (علیهم السلام).

Leave A Reply

Your email address will not be published.