الصبر منظور إسلامی
الحاجه إلى الصبر :
یداوم المسلمون، فى شتى ارجاء المعموره، على البحث عن الحقیقه والفهم والحکمه لیحصلوا على اکبر قدر من المعرفه عن دینهم: الاسلام، ولکنهم احیانا ینحرفون عن هذا الهدف ویقعون ضحیه لرغبات الدنیا وشرورها، ویعوقهم الافتقار الى معرفه الاسلام من تحقیق ذواتهم، بوصفهم مسلمین حقیقیین. والمطلوب هو آلیه تجعلهم یطمئنون او یتاکدون من ان ایمانهم کامل وسلیم. ان هذه الالیه المطلوبه للربط بین الجوانب الفکریه المبدئیه (اصول الدین) والجوانب التطبیقیه العملیه (فروع الدین) فى الاسلام تتمثل فى الصبر .
وفیما عدا لفظ الجلاله، لم تکن لایه کلمه او مفهوم اثر درامى على حیاتنا الیومیه مثل الصبر. ان الصبر مشتق من احدى صفات اللّه، وهو الذى یمکننا من تحقیق اغراضنا فى الحیاه ومن دونه نصبح مثل بدو رحل یهیمون فى الصحراء باحثین عن الماء لارواء عطشهم، من دون ان یدرکوا انه مدفون تحت اقدامهم .
تعریف الصبر :
لیس من السهل ترجمه مفهوم الصبر الى اللغه الانجلیزیه اذ ان له صفات عدیده. فبالاضافه الى معناه الشائع والمعروف، یدل الصبر على الثبات والتحمل والمثابره وضبط النفس والصمود .
اننا نتلمس معنى الصبر فى اجتناب الناس للشر، واطاعتهم لاوامر اللّه، وفى التمسک بعقیدتهم والامتناع عن الشکوى من اى نائبه او سوء یصیبهم. ان افضل مثال على الصبر نجده ماثلا فى موقف الافراد الذین یواجهون المصائب والظروف المعاکسه، ویحافظون على صبرهم واضعین ثقتهم باللّه سبحانه وتعالى .
العروه الوثـقى :
ان الفعل (صبر) یعنى ربط او اوثق، والذى نقوم بربطه هنا هو ضعفنا وسلوکنا غیر العقلانى الذى یمکن ان یلوث شخصیتنا الاسلامیه او یحط من قدرها او حتى یحطمها. ونحن نقوم باحکام وثاق هذه النواقص من خلال السیطره على افکارنا ورغباتنا .
ویتخذ هذا الوثاق معنى آخر، وهو موضوع هذا البحث، اذ ان الصبر رباط بین اصول الدین وفروعه کما سنرى لاحقا .
ان اصول الدین ثلاثه وهى:
۱ الایمان باللّه .
۲ الایمان بالانبیاء .
۳ الایمان بالحیاه الاخره .
اما الاعتقاد بوحدانیه اللّه وعدله، وبالملائکه، وبالامامه (اى خلافه النبى محمد(ص))، وبالکتب السماویه فهو مستمد من هذه الاصول الثلاثه، فعلى سبیل المثال: ان الکتب السماویه انزلت على الانبیاء بوساطه الوحى، والانبیاء بدورهم ینقلون الوحى الالهى الى البشریه .
اما فروع الدین فهى عدیده، منها:
۱ الصلاه .
۲ الصیام .
۳ الزکاه .
۴ الحج .
۵ الجهاد .
تعریف الإسلام :
اعتمادا على هذین العنصرین الاساسیین للدین، نستطیع التوصل الى تعریف للاسلام، وقد عرف الامام على -وهو ابن عم النبى وزوج ابنته فاطمه الزهراء وخلیفه المسلمین- الاسلام ببراعه ودقه فائقتین، عندما وصفه بانه التسلیم، والتسلیم هو الیقین، والیقین هو الایمان، والایمان هو القبول، والقبول هو الالتزام، والالتزام هو العمل .
واعتبر نفسى طالبا من طلاب علم الامام على، ومهتدیا بهدى ثوابته وعظاته، وانطلاقا من ذلک فقد حاولت تفسیر تعریفه باضافه مصطلحات هى: الاتجاه، والتحمل، والسلوک، والصبر لیصبح التعریف کما یلى:
ان الاسلام هو الاتجاه «الصحیح»، ذروته التحمل والتحمل هو التسلیم، والتسلیم هو الیقین، والیقین هو الایمان، والایمان هو القبول، والقبول هو الالتزام، والالتزام هو العمل، والعمل هو السلوک وجوهر هذا السلوک هو الصبر .
أهمیه الیقین :
ان للیقین، فى تعریف الاسلام، معنى خاصا، وتوجد ثلاثه مستویات للیقین وهى کما یلى:
۱ علم الیقین .
۲ عین الیقین .
۳ حق الیقین .
ویقول اللّه سبحانه وتعالى: (ثم کلا سوف تعلمون× کلا لو تعلمون علم الیقین × لترون الجحیم × ثم لترونها عین الیقین)«التکاثر: ۴-۷»ویقول: (وانه لحق الیقین)«الحاقه: ۵۱»، ولنلق نظره فاحصه على امثله من مستویات الیقین هذه .
معرفه الیقین بفضل المعرفه یتوصل الفرد الى الیقین العقلى، فالعقل والمعلومات یقوداننا الى المعرفه، فمثلا عندما نشاهد الغیوم نعتقد یقینا بانه ربما سیسقط المطر، وکذلک عندما نشاهد دخانا نتیقن بوجود نار. والصبر ایضا مصدر للمعرفه .
ادراک الیقین بعد مشاهده المطر، او النار، نکون قد بلغنا مرحله اثبات الیقین .
ومثال آخر على ذلک هو العقاب، فاذا لم نستعمل عقولنا باتجاه الاعمال الصالحه فاننا سندرک ونرى العقاب واقعا ویقینا، وهو الجحیم لا محاله، لذا یجب ان نتقبل کلمات اللّه ونستوعبها ونسیر على هداها، فنبحث عن الصراط المستقیم بوساطه المعرفه، ونحصل على الفهم والحکمه من خلال الوحى الالهى المنزل .
حق الیقین ان الحقیقه بحد ذاتها یقین، وهنا، وعند ذروه الیقین لن یواجهنى شک او خطا فى الادراک والمعرفه، بل یوجد نوع من الاتحاد الروحى والفعلى بین العارف وموضوع المعرفه.و بالنسبه لمثالنا السابق فان المطر والنار لن یکونا فقط مرئیین -اى موجودین- وانما ایضا محسوسین فنستطیع ان نلمس المطر ونشعر بدفء النار. اما بالنسبه للحیاه الاخره فان الدلیل على وجودها هو الحق، والحق منتصر ولا یعلى علیه، ولبلوغ هذه الذروه من الیقین، اى یقین الحق، یجب على الفرد ان یمتلک القدره على الاستقبال وفهم الحقیقه، وان یکون خالیا من الذنوب، ومن الرغبات الدنیویه ومن الاهواء والمیول، وهذا المستوى من الیقین هو اعلى المستویات التى یستطیع البشر بلوغها .
یتطلب الوصول الى اى من هذه المستویات الثلاثه للیقین قدرا کبیرا من الصبر، وهذا لا یتحقق بصوره تلقائیه، لانه یستدعى قدرا کبیرا من الجهد والترکیز، فکما یقول الرسول محمد(ص)، فان الیقین هو الایمان الکامل .
وبفضل الصبر الذى یحظى برضا اللّه تعالى ینتقل الفرد بسرعه من مستوى الى آخر من الیقین، وهو اکثر من معجزه، اذ ان هناک حاجه مستمره للصبر فى اوقات العسر والیسر. ولنضرب مثلا: انسان محاط بالمصائب حتى ان حیاته وشرفه وسمعته فى مهب الریح، ولا یعرف خلاصا لذلک، کما ان احلامه وآماله قد تلاشت بامر الهى على سبیل الاختیار او الفتنه، وباختصار فانه عدیم الحیله وسط مخاطر هائله، فى مثل هذه الحاله یجب علیه ان لا ییاس او یتراجع کالجبان او یتحول عن الایمان بل علیه ان یتحمل ویثابر، وهذا هو الصبر الذى یقود الى الاخلاص للّه .
شروط التسلیم :
قبل ان یسلم المرء علیه ان یکتسب الاتجاه او الاطار الفکرى والعقائدى الذى یمکنه من حمل رایه الاسلام، وبذلک تتوضح الموشرات الاخرى لتعریف الاسلام. فعندما یکون لدینا الاتجاه او الاستعداد للصبر بوصفنا مسلمین، ونترجم افعالنا وصبرنا فى شکل سلوکیات وتصرفات یقتدى بها، فاننا بذلک نعرف الاسلام تعریفا عملیا یتصف بالثبات والوضوح .
وهکذا یصبح الصبر جانبا مهما من جوانب حیاتنا الیومیه .
وباختصار فان الصبر یسمو الى ما یسمى بالتقوى ومعرفه اللّه، وبالتالى تکون کل افعالنا قربانا للّه، اى نتقرب بها الى اللّه. ولکن من دون الصبر لا یکون وضعنا افضل من سفینه تائهه فى عرض البحر لا تعرف باى اتجاه تبحر، فالصبر هو البوصله التى توجهنا وتقودنا الى الطریق القویم، ومن دونه یضعف ایمان الفرد، کما ان مفهوم التوحید لن یکون واضحا لدیه، وستکون الکتب السماویه مجرد مراجع، والملائکه ادلاء، والانبیاء لیسوا سوى حاملى رسائل، والمعاد لیس اکثر من مجال مادى ذى ابعاد، کما انه من دون الصبر تضعف فروع الدین فتصبح الصلاه مجرد کلمات، والصیام مجرد قید زمنى والحج لیس اکثر من طقوس، والصدقه عطفا، والجهاد رد فعل .
الصبر: الحس الخفی :
للانسان خمس حواس هى: الشم، الذوق، اللمس، السمع، والنظر، ویوجد حس اضافى، وهو الحس الخفى او الصبر. ونحن لا نعیر اهتماما کبیرا للحواس الاخرى الا اذا تعرضت للعطب لکن حس الصبر ضمنى، ویحتاج اظهاره الى جهد کبیر .
یمیل البشر الى الیاس بسرعه وکذلک الى التکاسل والضجر، فهم یفتقرون الى الصفه التى تمکنهم من الوصول الى قدراتهم الکامله بشرا اسویاء، وبالتالى نراهم ینکصون ویتراجعون بسرعه، بینما قد لا یتطلب بلوغ هذا الاحساس الخفى، اى الصبر، سوى بذل جهد اضافى قلیل، والانسان الضعیف لا یقدم على المحاوله، ولا یثابر فى وجه الکسل لانه یشعر بان الجهد المتواصل لن یودى الا الى الفشل، لان من السهل علیه ان یستسلم ولا یبذل جهدا .
غالبا ما یردد الناس بان على المرء ان لا یستسلم قبل استنفاد کل الاحتمالات، ومع ذلک فان من الممکن استنفاد الفرص القلیله بسرعه، فعندما تکون الموونه التى تزود بها قلیله فانها سرعان ما تنفد ولا یتبقى لدیه ما یمکنه من الاستمرار. ویعود ضعف المثابره الى الافتقار الى الاستعداد ولیس الى عدم وجود الرغبه. ان الاستعداد المطلوب هنا هو التزود بالمعرفه والفهم والحکمه الاسلامیه، کما ان المهم تطبیق مبادى الاسلام وتعالیمه تطبیقا تاما، واذا کان الفرد متهیئا ولدیه التصمیم والثقه بالنجاح فانه سیثابر حتى ینجح فى ابراز حس الصبر .
الفضائل فی الإسلام :
ان الصبر هو الاساس لاربع فضائل اساسیه فى الاسلام، وهى: الایمان والاعمال الصالحه والشرف والحقیقه. : (والعصر × ان الانسان لفى خسر × الا الذین آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)«العصر/۱-۳» .
ویروى ان الرسول(ص) قال ان هذه السوره المکونه من ۱۴ کلمه تحتوى على ثلث معانى القرآن، وهى الفضائل الاربعه فى الاسلام. ان الشرف هو الاطراء الذى یوجه للفضیله، والشرف هو ایضا الاعتراف بالایمان وبالاعمال الصالحه والحق والصبر .
وعندما نحترم الاخرین فان الاحترام والشرف لا ینبعان منهم، ولکن منا ایضا، ومن تلک الفضائل التى تزخر بها حیاتهم وسیرتهم، وهکذا نکتسب نحن وایاهم الاحترام والشرف .
ویحثنا الشرف على ان نقتدى بهم، فى اوقات العسر والیسر، وفى المناسبات الجلیله وکذلک فى الاوقات العادیه التى لا یراها او یشهدها احد، اما متى یجب ان یتحقق ذلک؟ فالجواب هو الان، اذ لیس هناک وقت افضل من الوقت الحاضر للایمان والاعمال الصالحه والحق والصبر .
الوحده فی الإسلام :
تواجهنا، فى المجتمعات الحاضره، تحدیات ومخاطر من الذین یریدون تدمیر الاسلام، ومن خلال الوحده التى تقبل بالتعددیه نستطیع استعمال درع الصبر لافشال الفتن والتهدیدات ونقاط الضعف والشهوه والخوف .
(واصبر وما صبرک الا باللّه ولا تحزن علیهم ولا تک فى ضیق مما یمکرون)«النحل-۱۲۷» .
ویزید الصبر متانه حبل اللّه الممدود الى الناس والذى یربط بین المسلمین ویوحدهم: (واعتصموا بحبل اللّه جمیعا ولا تفرقوا)«آل عمران/۱۰۳» .
ان هذه الرابطه تکمن فى الصبر، فالمسلمون یتوحدون فى سعیهم وراء هدف مشترک الا وهو عباده اللّه، وبوجود الصبر تصبح الوحده ممکنه. ونلاحظ ان کلمه (الصبر) تسبق اعمده الاسلام، وکذلک المفاهیم التى تشکل قاعده الدین، فعلى سبیل المثال، نلاحظ اقتران الصبر بالصلاه، والصبر بالجهاد، والصبر بالایمان، والصبر بالسلوان. وتتاکد اهمیه الصبر فى تقدمه على هذه الامور التى اقترن بها، فمثلا ما فائده السلوان فى مناسبات الحزن اذا لم یکن للسلوان صبر؟ وکیف یتسنى للمومن ان یدافع عن دین الاسلام اذا لم تکن روح الجهاد فیه قد ترجمت الى الصبر، اى الى التحمل والثبات .
الدرجه العلیا من الصبر :
یتم بلوغ ذروه الصبر عندما یتشبع الانسان بها. یقول اللّه فى محکم کتابه الکریم: (فاصبر صبرا جمیلا)«المعارج/۵» .
کما ان الوصول الى اعلى درجات الحسن یعنى ایضا بلوغ اعلى درجات الکمال، ولا یستطیع الکثیرون بلوغ هذه الدرجه من الصبر-والتى یمکن تسمیتها بالصبر على الصبر- ولکنها تبقى هدفا نسعى الى تحقیقه، وبالاضافه الى الانبیاء الذین بلغوا هذه الدرجه فقد بلغها ایضا شهداء الاسلام واتباعه العظماء، امثال یاسر وزوجته سمیه وابنهما عمار، وکذلک المقداد وابو ذر الغفارى وسلمان الفارسى، ونجد فى حیاتهم امثله على الصبر المرتبط بالمصائب والمصاعب والفتن، فالبشر معرضون لاوقات عسیره، ولا یوجد غیر الصبر ما یحملنا الى بر الامان عبر المتاعب والمصائب .
اننا یجب ان ندرک بانه فى الاوقات العسیره یهبط، وبقدره اللّه، نور فى قلوب احباء اللّه، وهو السکینه التى تثبتهم على الصبر .
والمومن الحقیقى لا یتوقف ولا یتخاذل، بل یتقدم الى الامام فى الاوقات العصیبه مستسلما لاراده اللّه بشکل تام. ویعلمنا اللّه ان المعاناه التى تتعرض لها هى وسائل لاکمال معرفتنا من خلال التجربه، کما ان الیقین المطلق للمعرفه یتم بلوغه من خلال التجربه .
مفهوم الصبر فی الإسلام :
یتضمن مفهوم الصبر، فى الاسلام، عنصر العمل. وهو، بالنسبه للمسلمین، مفهوم غیر خامل، بل نشط وفعال، اذ انه یحث على العمل والاداء الجید، وهذا یقاس بالمدى الزمنى للتحمل والمثابره فى وجه الصعوبات والمصائب .
ویتحقق الصبر فى الاسلام من خلال بذل الجهد، وهذا الجهد لا یتولد تلقائیا وانما یتطلب الکثیر من الترکیز والسیطره على النفس. یجب علینا ان نجاهد فى سبیل الاسلام، وهذا یتحقق من خلال جهود حقیقیه ومنسقه یبذلها کل واحد منا، فیجب ان نجتهد لنصل الى الصبر لانه مفتاح الفرج .
الصبر: إطار منهجی :
یقتضى هذا المفهوم ان نعتمد منهجیه تبدا بتعریف للاسلام، یتضمن، اضافه الى الایمان والشرائع والفضائل، امورا اخرى ینبغى ان تعطى اهمیه خاصه، وهى: مفاهیم الاتجاهات، او الاستعدادات والسلوک، لانها عناصر حیویه تهیىء المسلم وتوجهه نحو بلوغ الصبر. اما کیف تتم هدایه الفرد فذلک منوط بقدرته على السعى الى المعرفه، باستعمال قوى النفس الروحیه فى خضوعها الى اراده اللّه وعملها من اجل الحصول على برکاته.