الصبر والشکر.. منفعه وإحسان

0

 
وسُمع شیخه "ابن تیمیه" یقول: "کان صبر یوسف عن مطاوعه امرأه العزیز على شأنها أکمل من صبره على إلقاء إخوته له فی الجب وبیعه وتفریقهم بینه وبین أبیه، فإن هذه أمور جرت علیه بغیر اختیاره لا کسب له فیها، لیس للعبد فیها حیله غیر الصبر، وأما صبره على المعصیه فصبر اختیار ورضا ومحاربه للنفس".. وکذلک کان صبر إسماعیل الذبیح وصبر أبیه علیهما السلام على تنفیذ أمر الله أکمل من صبر یعقوب على فقد یوسف.
وسمعه یقول: "أمر الله سبحانه فی کتابه بالصبر الجمیل والصفح الجمیل والهجر الجمیل.. الصبر الجمیل هو الذی لا شکوى فیه، والصفح الجمیل هو الذی لا عتاب معه، والهجر الجمیل هو الذی لا أذى معه".
والشکوى إلى الله لا تنافی الصبر، فإن یعقوب علیه السلام وعد بالصبر الجمیل، وإنما ینافی الصبر شکوى الله، لا الشکوى إلى الله.
صبرٌ بالله: الاستعانه به ورؤیته أنه المصبِّر، (وَاصبِرْ وَمَا صَبْرُکَ إلا بالله) (النحل/ ۱۲۶)، یعنی إن لم یصبرک هو لم تصبر.
صبرٌ لله: الباعث للمسلم على الصبر محبه الله والتقرب إلیه، لا لإظهاره قوه النفس والاستحماد إلى الخلق.
صبرٌ مع الله: دوران العبد مع مراد الله الدینی منه، ومع الأحکام الدینیه، صابراً نفسه معها، یتوجه معها أینما توجهت رکائبها.. فقد جعل نفسه وقفاً على أوامره ومحابه.. وهو صبر الصدیقین.
وقیل: "الصبر بالله بقاء، ولله غناء، ومع الله وفاء، وفی الله بلاء، وعن الله جفاء".
ومن الناس من یدّعی محبه الله وحین یمتحنهم بالمکاره ینخلعون عن حقیقه المحبه ولا یثبت معه إلا الصابرون.. وقد تبیَّن بذلک أن أعظمهم محبه أشدهم صبراً، ولهذا وصف الله بالصبر خاصه أولیائه وأحبابه، فقال عن حبیبه أیوب (ع): (إنّا وجدناهُ صابِراً نِّعْمَ العَبْدُ إنّهُ أوّابٌ) (ص/ ۴۴)، ثمّ أثنى علیه، فقال: "نعم العبد إنه أواب".
أمّا الصبر فی المحن على أذى الظالمین وعند النوازل والبلاء، فإنّ العبد یستجلب الصبر ویستعین علیه بالآتی:
– ملاحظه حسن الجزاء.
– انتظار الفرج.
– تهوین البلیه بأمرین؛ أولهما: أن یعد نعم الله وأیادیه عنده، فإن عجز عن عدها وأیس من حصرها هان علیه ما هو فیه من البلاء، ورآه بالنسبه إلى أیادی الله کقطره فی بحر.. وثانیهما: تذکر سوالف النعم (فی الماضی).
وسُئل الشافعی: أیها أفضل الصبر أم المحنه أم التمکین؟ فقال یرحمه الله: "التمکین درجه الأنبیاء، ولا یکون التمکین إلا بعد المحنه، فإذا امتُحن صبر وإذا صبر مُکِّن؛ ألا ترى أن الله عزّ وجلّ امتحن إبراهیم علیه السلام ثمّ مکَّنه، وامتحن موسى (ع) ثمّ مکَّنه، وامتحن أیوب (ع) ثمّ مکَّنه، وامتحن سلیمان (ع) ثمّ مکَّنه وآتاه ملکاً، والتمکین أفضل الدرجات، قال الله عزّ وجلّ: (وکَذلک مکّنّا لِیُوسُفَ فی الأرضِ) (یوسف/ ۵۶)، وأیوب (ع) بعد المحنه العظیمه مُکِّن، قال الله تعالى: (وَآتَیْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَهً مِنْ عِنْدِنَا وَذِکْرَى لِلْعَابِدِینَ) (الأنبیاء/ ۸۴).

 

– خمس قواعد:
وجناح الشکر نصف الإیمان.. فالإیمان نصفان: نصف شکر، ونصف صبر.
وتظهر على العبد آثار نعمه الله، على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبه، وعلى جوارحه انقیاداً وطاعه.
والشکر کما یقول "ابن القیم" مبنیٌّ على حمس قواعد: خضوع الشاکر للمشکور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه علیه بها، وألا یستعملها فیما یکره.
فمن عظمت علیه نِعَم الله وجب علیه أن یتلقاها بعظیم الشکر، لاسیما أنبیاءه وصفوته من خلقه الذین اختارهم، وخشیهُ العباد لله على قدر علمهم به.

 – سجود الشکر:

هل جربت سجده الشکر تأسیاً بالرسول؟ ففی الحدیث "أنّ النبی (ص) أتاه أمر فسُرَّ به فخر لله ساجداً"، قال الترمذی هذا حدیث حسن غریب، وقال المنذری: وقد جاء حدیث سجده الشکر من حدیث البراء بإسناد صحیح، ومن حدیث کعب بن مالک.
– منفعه وإحسان:
وفی شکر المسلم انتفاعٌ له هو، فمنفعه الشکر ترجع إلى العبد دنیا وآخره لا إلى الله.. (وَمَن یَشْکُرْ فإنّما یَشْکُر لِنَفسِه) (لقمان/ ۱۲)، فشکر العبد إحسان منه إلى نفسه، لا أنه مکافئ به لنعم الرب، فالرب تعالى لا یستطیع أحدٌ أن یکافئ نعمه أبداً، ولا أقلها ولا أدناها.. فلا یستطیع أحدٌ أن یحصی ثناءً علیه، وقد أحسن الله إلى عبده بنعمه، وأحسن إلیه بأن أوزعه شکرها، فشکرُه نعمه من الله تحتاج لشکر آخر.. وهکذا.
والعجیب أن من تمام نعمه سبحانه، وعظیم کرمه وجوده، أن یُنعم علینا ثمّ یوزعنا شکر النعمه، ویرضى عنا ثمّ یعید إلینا منفعه شکرنا، ویجعله سبباً لتوالی نعمه واتصالها إلینا، والزیاده على ذلک منها: (وإنّ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ) (الزمر/ ۷).

Leave A Reply

Your email address will not be published.