خطر التحریف فی النصوص الدینیه

0

ینتقد القرآن الکریم أولئک الذین یحرفون الکلم عن موضعه، ویشمل التحریف قسمین:
 الأول التلاعب فی الحدیث أو التألیف حذفاً أو إضافه، الأمر الذی یؤدی إلى اختلاف فی المعنى، حیث لم تسلم الکتب القدیمه من أیادی بعض الخونه دساً وتحریفاً، ولقد طال ذلک حتى دواوین الشعر مما یؤدی إلى إثاره المتاعب أمام الباحثین ویمکن إطلاق (التحریف اللفظی) على هذا النوع.
أما القسم الآخر من التحریف فهو (التحریف المعنوی) أی بقاء الألفاظ فی أماکنها والعبارات فی سبکها، ولکن التحریف هنا ینطلق من التأویل وممارسه نوع من التعسف فی التفسیر.
فالمنطق کصنعه یتضمن ما یسمى بالمغالطه، وهناک ثلاثه عشر نوعاً من المغالطه یتمکن المرء من خلالها خداع الآخرین، فمن یتقن هذه الصنعه لابد وأن یکون فی مأمن من آثارها، مثلما یلم الطبیب بمختلف الأمراض فیکون فی حیطه منها.
لقد کان عمار بن یاسر من کبار الصحابه الأجلاء. شهد فی مکه بأم عینیه تعذیب والدیه حتى الموت، وقد تعرض رضوان الله علیه للتعذیب حتى کاد أن یموت هو الآخر. وعندما هاجر إلى المدینه اشترک فی بناء المسجد المعروف الیوم بمسجد النبی، وکان یعمل بهمه ونشاط والعرق یتصبب من جسده. وفی تلک الظروف قال النبی أمام جمع من أصحابه: عمار تقتله الفئه الباغیه. وحدیث الرسول هذا أشار إلى الآیه الکریمه فی قوله تعالى: ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِی تَبْغِی حَتَّى تَفِیءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ ) . الحجرات/ ۹٫
ولقد کان هذا الحدیث فی الحقیقه رساله موجهه للمسلمین کی یکونوا على یقظه تامه. وأصبح عمار مقیاساً وأساساً ینظر إلیه المسلمون فی تقییم الأمور، وتمر الأعوام وتندلع حرب صفین، وإذا بالإمام علی علیه السلام ومعه کبار الصحابه ومعهم عمار بن یاسر فی جبهه، ومعاویه ومعه الغوغاء من أهل الشام فی جبهه أخرى. وإذا بمعاویه یمارس نوعاً من التحریف المعنوی ویخدع أهل الشام بعد استشهاد عمار قائلاً: إن قاتل عمار هو علی وأصحابه الذین جاءوا به إلى الحرب فعلق أحد الحضور قائلاً: وإذن فقاتل حمزه هو النبی الذی جاء بحمزه إلى حرب أحد. وبالرغم من تفاهه هذا الاستدلال فقد خُدِعَ به الشامیون.
ینبغی أن یکون المسلمون یقظین تجاه النصوص الدینیه وحمایتها من التحریف فی اللفظ والمعنى. إن القرآن الکریم لا یمکن تحریفه على صعید اللفظ أبداً ـ حذفاً أو إضافه ـ ولکن الخطر هو فی التأویل والتفسیر. وعلى المسلمین المحافظه علیه إذا أرادوا أن یحافظوا على أنفسهم.
أثر الذنب ومعاشره الأشرار فی أسوداد القلب
ورد فی الحدیث: "ما من شیء أفسد للقلب من خطیئه. إن القلب لیواقع الخطیئه به حتى تقلب علیه فیصیر أعلاه أسفله" کما ورد فی أحادیث اخرى أن النفس کالصفحه البیضاء فإذا أذنب الإنسان ذنباً ظهرت نقطه سوداء فإن ندم واستغفر اختفت وإن استمر فی ارتکاب الذنوب توسعت تلک النقطه السوداء؛ فإن لم یتدارک نفسه تغلب المساحه السوداء، وحینها لا یبقى هناک من أمل فی عودته إلى جاده الصواب.
ویشیر الحدیث إلى الآیه الکریمه ( کَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا کَانُوا یَکْسِبُونَ ) . المطففین/۱۴٫
لیس العمل السیئ وحده الذی یؤثر فی اسوداد القلب، بل هناک عوامل أخرى تؤثر على القلب سلباً وإیجاباً من بینها المحیط والبیئه والمعاشره، فتأثیر المعاشره واضح جداً سواء على صعید الخیر أم الشر. إن من یعتقد بانتفاء أثر المعاشره یغالط نفسه، ذلک أن الروح الآدمیه شفافه سریعه التأثیر حیث تجری التحولات داخل النفس دون شعور أو وعی لعدم ظهور الآثار المباشره على الإنسان کما هو الحال فی البدن، وللأسف لا توجد وسیله لمعرفه ذلک لکی یمکن مثلاً أن یزن نفسه، وهل أصبحت روحه مثقله مثلاً أم خفیفه.
یقول أمیر المؤمنین علی علیه السلام: "واعلموا أن یسیر الریاء شرک ومجالسه أهل الهوى منساه للإیمان". وهذه العباره تکشف مدى تأثیر المعاشره على روح الإنسان وعلى شعله الإیمان فی القلب حیث تخبو شیئاً فشیئاً.
وإضافه إلى ذلک توجد عوامل أخرى تؤثر فی اسوداد القلب سنبحثها فی المستقبل بإذن الله.
وخلاصه الموضوع أن الإنسان لا یمکنه الوصول إلى الکمال دون إراده منه، فتهذیب النفس للوصول بها إلى مدارج الکمال له أرضیته فی روح الإنسان. قال تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَکَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) . الشمس/ ۹ ـ ۱۰٫
فالروح الإنسانیه التی تنطوی على هذا الاستعداد فی التکامل هی روح حیه یمکنها النمو إذا ما توفرت لها الظروف المناسبه، ولهذا عبر القرآن عن الکافرین بأنهم موتى لفقدانهم ذلک الاستعداد فی إشاره رائعه. قال تعالى: ( لِیُنذِرَ مَن کَانَ حَیًّا وَیَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْکَافِرِینَ)  یس: آیه ۷۰٫
والقرآن لیس شعراً، لیس خیالاً لکی یمکن تجاوزه. القرآن کتاب حقائق یسلط الأضواء ویکشف ما خفی عن بصیره الإنسان. الإنسان فی نظر القرآن کائن حی متى وجد فی أعماقه الاستعداد للرقی والتکامل فی طریق الصلاح، فإذا انتفى هذا الجانب انتفت صفه الحیاه فی داخله کالبذره التی لا یمکن لها أن تنمو، ولذا فإن الخطاب موجه لمن فی أعماقه بذور الخیر والتکامل، وهو دعوه إلى النمو فی طریق الکمال.
المجاملات الکاذبه
عندما تقع عین الطفل على شیء کأن یکون لعبه أو طعاماً فإنه سرعان ما یظهر رغبه فی ذلک، وإذا ما شعر بالحزن لسبب ما فإنه ینخرط فی البکاء فوراً. غیر أن الکبار ومراعاه للعادات والأعراف، وعلى أساس حفظ ما یسمى بالشأنیه، فإنهم ینطوون على عواطفهم وأحاسیسهم بالکبت، فقد یصر المضیف مثلاً على ضیوفه فی تناول الطعام ولکن الضیوف ومع رغبتهم یمتنعون عن ذلک.
لقد ورد فی التاریخ أن رسول الله، وفی لیله عرسه بعائشه تناول قدراً من الحلیب الذی أحضرته عائشه ثم قدم الإناء إلى أم سلمه التی امتنعت مظهره عدم رغبتها فقال الرسول ما معناه: أتجمعین الکذب بالجوع، وتساءلت أم سلمى وهل یسمى ذلک کذباً لو أعرض الإنسان عن تناول شیء من الطعام مجامله أو حیاءً؟ فأجاب الرسول: نعم!
العاطفه والحب والأحاسیس کلها أمور ضروریه، وإذا أصبحت الحیاه عاریه من العواطف کانت جافه ومیته وخالیه من کل روح، ومن ضرورات العاطفه إبرازها لکی تقوم بدورها، فقد کان رسول الله یوصی بأن یبرز المرء حبه لأخیه وصدیقه لکی تمتن العلاقه بینهما، وإذا کانت المجامله تنهض على هذا الأساس من إظهار الحب والعاطفه والإحساس فما أحلاهما! غیر أن الأمم التی لا تتمتع برقی أخلاقی واجتماعی تعانی من المجاملات الکاذبه، فمثلاً لو أراد شخصان دخول غرفه أو مغادرتها فإنهما ینفقان وقتاً طویلاً فی من یدخل منهما أولاً فی حین أن رغبه کل منهم تقدیم نفسه على الآخر. أو ما یقوم به البعض حین یدعو أصدقاءه إلى ولیمه من تصنع وتکلف، وهو فی الواقع شکل من أشکال النفاق. والنفاق من مختصات البشر، وإذا وجد لدى الحیوانات فهو على درجات خفیفه، أمام الإنسان فی هذا المضمار.
الإنسان المخادع والماکر هو فی الواقع استغلال سیئ للطاقات البشریه فی الرق والتکامل. إن إظهار الإنسان غیر ما یبطن یجد له من المبررات المعقوله فی بعض الأحیان، فقد یجد المرء نفسه مضطراً لإخفاء عقیدته فی ظروف قاهره، کما ینبغی للإنسان أن یخفی مشاعره الخاصه بالفرح أمام المنکوبین والمحزونین، وفی مقابل ذلک یستحب للإنسان أن یکون هشاً بشاً حتى وإن کان محزوناً لأمر من الأمور، علیه أن لا یعکس ذلک على وجهه، وهذا من حسن المعاشره. إن ما ذکرنا هو من خصال الإنسان الحمیده التی تنشأ عن إحساس فطری یمکن أن ینقلب إلى صور من النفاق والخدیعه حسب إراده الإنسان.
إننا نلاحظ ومع الأسف، الکثیر من الناس ممن یعتبرون النفاق والمکر والخدیعه "شطاره" فی حین یعتبرون الصدق والصراحه، ومع الأسف أیضاً، غلظه! کل ذلک انطلاقاً من اعتقادهم الخاطئ بأن الحیاه إنما تسیر بالنفاق والمکر والخدیعه، غافلین عن الله وأن الله هو خیر الماکرین وأن المکر مع الله هو الخسران المبین.
وعن مصیر ذلک هو الخسران، بینما تکون العاقبه للمتقین، أولئک الذین تنهض حیاتهم على الصدق والحق والاستقامه، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمین.

Leave A Reply

Your email address will not be published.