الموت

0

وردت فی المصادر الاسلامیه تعابیر مختلفه فیما یخص الموت و طبیعته و کل تعبیر یحکی جهه معینه و یلحظ جانباً من جوانب هذه الحقیقه، و قبل البحث فی الآیات و الروایات و کمقدمه للبحث نلقی نظرهً على أقوال بعض من فلاسفه الإسلام:
یقول ابن سینا: الموت هو أن تترک النفس الإنسانیه آلاتها و وسائلها التی کانت تستعملها و المراد بهذه الآلات و الوسائل هو الأعضاء و الجوارح التی تشکل بمجموعها البدن، و لیس للموت حقیقه وراء ذلک.[۱]
و بین المرحوم ملا صدرا ذلک بالقول: الموت هو فراق الروح للبدن، حیث تصل النفس عن طریق الحرکه الجوهریه إلى مرتبه لا تحتاج معها إلى الآلات و الوسائل المتمثله بأعضاء الجسم. فالبدن بمثابه السفینه التی ترکبها النفس فی سفرها الى الله قاطعهً صحراء الأجسام و بحر الأرواح و عندما تتجاوز هذه المرحله فإنها لم تعد بحاجه إلى البدن، و من هنا یأتی الموت، و لیس سبب عروضه هو نهایه القوى الطبیعیه أو نهایه الحراره الغریزیه، أو أمور أخرى کما یتخیل الأطباء، بل الموت أمر طبیعی للنفس، و هو أمر فیه خیرها و کمالها، و ما کان فیه خیرها و کمالها فهو حق لها، فالموت حق للنفس إذاً.[۲] و على هذا الصعید یقال فی الأبحاث العقلیه أن الموت: مفارقه النفس للبدن بانقطاع تعلقها التدبیری[۳]. و على کل حال فقد حاول فلاسفه الإسلام و من خلال الآیات و الروایات أن یبینوا و یفسروا حقیقه الموت، و لذلک نسعى و من خلال الرجوع إلى الآیات و الروایات أن نتعرف على جوانب هذه الرحله و نتزود من هذا الزاد المبارک:
۱ـ یرى القرآن فی بعض الأحیان أن الموت هو فقدان الحیاه و آثارها کالشعور و الإراده و بالطبع أن فقدان الحیاه انما یصح فی الأشیاء التی یمکن أن توصف بالحیاه و من شأنها أن تکون حیه. قال تعالى: "وَ کُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْیَاکُمْ ثُمَّ یُمِیتُکُمْ"[4].
و عند ما یصف الله تعالى الأصنام یقول: "أَمْوَاتٌ غَیْرُ أَحْیَاءٍ"[5] أی أنها لا تملک الاستعداد للحیاه.
فالموت بمعنى فقدان الحیاه فإذا ما نسب إلى الإنسان فإنه یعنی أن الإنسان مرکب من روح و بدن و حیث أن البدن یفقد الحیاه بعد أن یجدها أمکن القول بأن الموت یعرض على الإنسان، و إلا فلم یأت فی القرآن بأن الروح تتصف بالموت کما أنه لم یأت ذلک فیما یخص الملائکه.[۶]
۲ـ ومن جمله ما عبر به القرآن عن الموت تعبیر "توفَّى"[7] و هو مأخوذ من ماده "وفی" التی تطلق على استیفاء الشیء و أخذه من دون نقیصه، فیقال: "توفیت المال" أی أخذته دون أی نقیصه، و قد ورد هذا التعبیر فی ۱۴ آیه فی القرآن الکریم و فیه بیان لمجموعه من الحقائق منها:
أولاً: إن للإنسان بعداً غیر مادی، و إن هذا البعد لا یفنى و لا ینعدم و إنه یستوفى و یؤخذ من دون أی نقص من قبل المأمورین الإلهیین فإنهم یقبضون هذا البعد الروحی و هذا البعد هو الذی عبرت عنه بعض الآیات و الروایات بالروح أو النفس و من خلال هذا البعد الإلهی الروحی سوف ینتقل الإنسان إلى حیاه جدیده بعد الموت.
و ثانیاً: إن شخصیه الإنسان لا تتقوم بالبدن و توابعه و أجزائه، لأن البدن ینهدم و یتلاشى تدریجیاً[۸]، و إنه لا ینتقل و لا یتحول إلى مکان ما، و المؤید الآخر فی هذا الأمر هو: أنه نسب إلى الإنسان فی هذه الآیات مجموعه من الأعمال الحیاتیه بعد الموت، کالتکلم مع الملائکه، و تمنی بعض الأشیاء و إرادتها، و من الواضح جداً أن ذلک یدل على أن حقیقه الإنسان لا تنحصر بهذا الجسد الفاقد للحس و الشعور، و الا لا معنى لنسبه بعض الأعمال له کالتحدث مع الملائکه… و إن شخصیه الإنسان الواقعیه هی التی استوفیت من قبل ملک الموت[۹]، و علیه فیجب القول: إن الموت هو وفاه لا فوت[۱۰]، فعلى هذا الاساس الموت أمر وجودی قابل للخلق و لهذا اعتبر القرآن الموت مخلوقاً[۱۱]، فقد جاء فی سوره الزمر الآیه ۴۲: "اللَّهُ یَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِهَا وَ الَّتِی لَمْ تَمُتْ فِی مَنَامِهَا فَیُمْسِکُ الَّتی‏ قَضى‏ عَلَیْهَا الْمَوْتَ وَ یُرْسِلُ الْأُخْرى‏ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى " و الضمیر فی "موتها" و "منامها" و إن کان عائداً فی الظاهر على الأنفس إلا أنه فی واقع الأمر یشیر إلى الأجسام الإنسانیه، لأن البدن هو الذی یموت لا الروح، فالموت إذن نوم طویل، و النوم موت مؤقت.
و بعباره أخرى: إنه لیس هناک من کبیر فرق بین النوم و الموت، فالنوم هو وفاه ناقصه، و معنى ذلک أن الروح تعطى إذناً بالعوده إلى البدن مرهً أخرى.[۱۲] ویمکن الاستفاده کذلک من الآیتین "60 و ۶۱" من سوره الواقعه أن الموت هو انتقال من منزل إلى منزل آخر و استبدال خلق بخلق آخر و إنه لم یکن انعداماً و فناءً[۱۳]، و بالنتیجه یمکننا القول: إن الموت هو ولاده ثانیه.
و قد قال رسول الإسلام الأعظم(ص) فی هذا الشأن: "ما خلقتم للفناء، بل خلقتم للبقاء، و إنما تنقلون من دار إلى دار".[14]
و قد وصف الإمام علی(ع) الموت بهذا المعنى فقال: " الموت مفارقه دار الفناء و الانتقال إلى دار البقاء"[15]. و قد وصف الإمام الحسین(ع) الموت بوصف جمیل حیث شبهه بأنه جسر و قنطره یعبر من خلاله الإنسان المؤمن فیتجاوز المصاعب و المصائب إلى الجنه و نعیمها.[۱۶]
و أما فیما یخص القول هل بالإمکان تأجیل الموت و تأخیره فمن الممکن القول:
أشارت النصوص الإسلامیه إلى نوعین من الأجل[۱۷]: یقول القرآن "ُوَ الَّذِی خَلَقَکُمْ مِنْ طِینٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ"[18].
یعنی أن للإنسان أجلا مبهما[۱۹] و أجلا مسمى و معین عند الله لا یحصل فیه التغییر و التبدل، و الشاهد على ذلک کلمه "عنده" و"مَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ".[20]و هذا هو الأجل المحتوم الذی أشیر له فی الآیه ۴۹ من سوره یونس فی قوله: "إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا یَسْتَأْخِرُونَ سَاعَهً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ".
و لا بد من التوجه إلى أن نسبه الأجل المسمى إلى الأجل غیر المسمى هی نسبه المطلق المنجّز إلى المشروط المعلّق، فمن الممکن أن لا یتحقق المشروط المعلق لعدم تحقق شرطه خلافاً للمطلق المنجّز الذی لا سبیل إلى عدم تحققه.
و عند ما نضم ما تقدم إلى الآیه ۳۹ من سوره الرعد فی قوله تعالى: "یَمْحُو اللَّهُ مَا یَشَاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْکِتَابِ" نحصل على الآتی: إن الأجل مسمى هو الشیء المثبت فی "أم الکتاب" و إن غیر المسمى هو المکتوب فی لوح المحو و الإثبات.
أم الکتاب ینطبق على الحوادث الثابته فی العین ای الحوادث من جهه استنادها الى الاسباب العامه التی لا تتخلف عن تاثیرها، و لوح المحو و الإثبات قابل للانطباق على الحوادث من جهه استنادها الى الأسباب الناقصه التی ربما نسمیها بالمقتضیات التی یمکن اقترانها بموانع تمنع من تأثیرها. و ان الاجل غیر المسمى و المسمى ربما توافقا و ربما تخالفا و الواقع حینئذ هو الأجل المسمى البته[۲۱].
و على کل حال فالأجل المعلق هو الأجل الذی له قابلیه التأخیر، و هو الذی تحول دون وقوعه الموانع، و لذلک عند ما نقرأ فی الروایات أن القیام بالعمل الفلانی یطیل عمر الإنسان فإنه إشاره إلى هذا المعنى و هو أن العمل المذکور یمنع من وقوع الأجل المعلق.
فقد جاء فی الروایه: یعیش الناس بإحسانهم أکثر مما یعیشون بأعمارهم و یموتون بذنوبهم أکثر مما یموتون بآجالهم.[۲۲]
و قد یبین فی بعض الأحیان أن الصدقه تمنع الأجل المعلق[۲۳] و تطیل من عمر الإنسان، و فی بعض الأحیان تذکر صله الرحم بعنوان أنها تطیل عمر الإنسان[۲۴] و یمکن أن تراجع المصادر المتعلقه بالموضوع من أجل الإطلاع الکافی و المعرفه الأوسع و التی تذکر المسأله تحت العناوین التالیه ما یدفع الأجل المعلق أو ما یزید فی العمر.[۲۵]

[۱] رسائل الشیخ الرئیس، رساله الشفاء من خوف الموت ص ۳۴۰ ـ ۳۴۵٫
[۲] الأسفار: ج ۹، ص ۲۳۸٫
[۳] إذا انقطع ارتباط النفس بالبدن بکیفیه لا تدبر فیها النفس البدن فذلک هو ما یسمى بالموت.
[۴] البقره: ۲۸٫
[۵] النحل: ۲۱٫
[۶] انظر المیزان: ج ۱۴ ، ۲۸۶٫
[۷] النحل: ۳۲، الأنفال: ۵۰، الأنعام: ۶۰، الزمر: ۴۲٫
[۸] جاء فی سوره الأنعام "و الذی یتوفاکم…" فلفظ "کم" هو نفس مایعبر عنه بلفظ" انا" و انه ثابت دائما.
[۹] انظر مجموعه آثار شهید مطهری" مجموعه آثار الشهید المطهری": ج ۲، ص ۵۰۳ – ۵۱۱٫
[۱۰] انظر تفسیر موضوعی قرآن "التفسیر الموضوعی للقرآن" تألیف آیه الله جوادی آملی، ج ۳ ص ۳۸۸ – ۳۹۷ و ج ۲ ص ۴۹۷ – ۵۰۹٫
[۱۱] "الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَیَاهَ" الملک ۱ ، ۲ یراجع بیام قرآن ج ۵ ص ۴۳۰ و ما بعدها.
[۱۲] انظر بیام قرآن"رساله القرآن"، ج ۵، ص ۴۳۳٫
[۱۳] انظر المیزان: ج ۱۹ ص ۱۳۳ و ج ۲۰ ص ۳۵۶٫
[۱۴] البحار: ج ۶ ص ۲۴۹٫
[۱۵] و فی توضیح آخر یقول: "خذوا من ممرکم لمقرکم" نهج البلاغه صبحی الصالح ص ۴۹۳) و الدنیا دار ممر و الآخره دار مقر و ستساقون فی حال احتضارکم إلى الآخره : "إِلَى رَبِّکَ یَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ" القیامه : ۲۶ـ ۳۰٫
[۱۶] البحار: ج ۶ص ۱۵۴؛ معانی الأخبار، ۲۷۴؛ میزان الحکمه ج ۹ ص ۲۳۴" فما الموت إلا قنطره تعبر بکم عن البؤس و الضراء إلى الجنان الواسعه".
[۱۷] انظر بحار الأنوار ج ۵ ص ۱۳۹٫
[۱۸] الأنعام: ۲٫
[۱۹] (أجلاً) نکره تفید الأبهام.
[۲۰] النحل: ۹۶ "و ما عند الله باق".
[۲۱] انظر: المیزان: ج ۷ ص ۸ إلى ۱۰٫
[۲۲] مجلسی، بحار الأنوار: ج ۵، ص ۱۴۰ ؛ میزان الحکمه ج ۱ ص ۳۰٫
[۲۳] ری شهری، میزان الحکمه، ج ۱ ص ۳۰٫
[۲۴] همان، باب صله الرحم ۱۴۶۴ و باب ۱۴۶۷٫
[۲۵] همان، ج ۶ ص ۵۴۹ باب ۲۹۳۲٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.