آثار الخوف من الموت

0

إنّ أولیاء الله یحبّون الموت ویشتاقون إلیه، خصوصاً إذا کان الموت قتلاً فی سبیل الله ودفاعاً عن المقدسات، لذلک یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام): (..هَیْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَیَّا وَالّتی وَاللَّهِ لَابْنُ أبی طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْیِ أمّه…).
ویقول الإمام الحسین (علیه السلام): (أنّی لا أرى الموت إلا سعاده والحیاه مع الظالمین إلا برما). ویقول (علیه السلام) وهو یصف أصحابه : یستأنسون بالمنیه دون استئناس الطفل بمحالب أمّه).

أمّا کثیر من الناس یخافون من الموت، بل یخافون حتّى من إسمه، والسبب یرجع إلى عدّه أسباب:

أولاً: لأنّهم لم یصلوا إلى أن یکون من أولیاء الله، ومن أحبّائه فلقد صرّح القرآن الکریم بأنّ أولیائه وأحبائه یتمنون الموت ویشتاقون إلیه، ولا یتعلّقون بالدنیا ویحرصون علیها، قال تعالى مخاطباً الیهود: (قُلْ یَا أیّها الَّذِینَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّکُمْ أَوْلِیَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن کُنتُمْ صَادِقِین).

فالآیه الکریمه تقول: لو أنّکم کنتم أحباء الله لتمنیتم الموت ویقول فی آیه أخرى (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَیَاهٍ وَمِنَ الَّذِینَ أَشْرَکُواْ یَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ یُعَمَّرُ أَلْفَ سنّه وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن یُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِیرٌ بِمَا یَعْمَلُونَ).

السبب الثانی: هو عدم الإیمان بالحیاه ما بعد الموت وینظرون إلى الموت ما هو إلا انتقال من الحیاه إلى حاله العدم، والإنسان یکره العدم ویحبّ الحیاه وهذا ما نراه فی الکفار والمشرکین الذین ینکرون یوم القیامه (وَقَالُوا مَا هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا الدُّنْیَا نَمُوتُ وَنَحْیَا وَمَا یُهْلِکُنَا إِلَّا الدَّهْرُ).

وقال تعالى: (قَالَ مَنْ یُحْیِی الْعِظَامَ وَهِیَ رَمِیمٌ * قُلْ یُحْیِیهَا الَّذِی أَنشَأَهَا أوّل مَرَّهٍ وَهُوَ بکلّ خَلْقٍ عَلِیمٌ)، حیث ذکر المفسرون أنّه: جاء أبی بن أبی خلف أو العاص بن وائل إلى النبی (صلى الله وعلیه وآله وسلم) فأخذ عظماً بالیاً من حائط ففته ثمّ قال، إذا کنا عظاماً ورفاتاً إنّا لمبعوثون خلقاً؟ فأنزل الله: (قَالَ مَنْ یُحْیِی الْعِظَامَ وَهِیَ رَمِیمٌ * قُلْ یُحْیِیهَا الَّذِی أَنشَأَهَا أوّل مَرَّهٍ وَهُوَ بکلّ خَلْقٍ عَلِیمٌ).

السبب الثالث: وهو عدم التصدیق بالحیاه الآخره تصدیقاً حقیقیاً، فقد ترى بعض الناس یؤمنون بیوم الحساب وبعالم الآخره وبما عند الله، ولکن لم یصل هذا الإیمان إلى التصدیق الحقیقی؛ ولهذا عندما یرى الإنسان ذلک بطلب من الله العوده إلى الحیاه حتّى یعمل قال تعالى: حتّى إذا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ ربِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّی أَعْمَلُ صَالِحاً فِیمَا تَرَکْتُ کَلَّا أنّها کَلِمَهٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى یَوْمِ یُبْعَثُون).

والسبب الرابع: الذی جعل الإنسان یخاف من الموت هو تعلق الإنسان بالدنیا أکثر من اللازم، بحیث یرى الموت هو الشیء الذی یفصله عن محبوبه ومعشوقه وهی الدنیا، فإذا تعلّق قلب الإنسان بالدنیا فلا یکاد یفارقها أبداً، ویتعلق بها و یکره کلّ من أراد زواله عنها، ومن أهمّ الأمور الّتی تحیل بینه وبین معشوقه هو الموت؛ لذلک قال رجل: یا أبا ذر ما لنا نکره الموت قال: (لأنّکم عمّرتم الدنیا أخربتم الآخره فتکرهون أن تنقلون من عمران إلى خراب).

السبب الخامس: هو کثره السیئات وقله الحسنات فی صحیفه الأعمال، هو السبب وراء الخوف من الموت فقد ورد أنّ رجلاً أتى رسول الله (صلى الله وعلیه وآله وسلم) وقال: یا رسول الله ما بالی لا أحبّ الموت؟ فقال (صلى الله وعلیه وآله وسلم): (لک مال؟ قال: نعم، قال (صلى الله وعلیه وآله وسلم): قدمته؟ قال: لا قال: فمن ثمه لا تحبّ الموت).

ومن هنا یطرح سؤال ما هی آثار الخوف من الموت؟

أولاً: عدم الدفاع عن الحقّ، أمّا إذا کان لا یخاف من الموت فإنّه یقدم على ذلک وینصر الحقّ ویدافع عنه، ولهذا نرى أنّ من أهمّ الأسباب الّتی جعلت الکثیر من الناس یعرفون الإمام الحسین (علیه السلام) ولکن تخلّفوا عن نصرته هو الخوف من الموت وکراهیه الخروج من هذه الحیاه الدنیا، ولهذا ترى عبید الله بن الحرّ الجُعفی الذی التقى بالحسین (علیه السلام) وطلب منه الإمام النصره، واعترف عبید الله بن الحرّ الجُعفی بأنّ الإمام الحسین (علیه السلام) على الحقّ ؛ لکن أجابه أنّ نفسی لا تطاوعنی على الموت، وقدّم فرسه وسلاحه إلى الإمام، فقال له الإمام: (إذا بخلت علینا بنفسک لا حاجه لنا بمالک وتلا الآیه المبارکه (وَمَا کُنتُ مُتَّخِذَ المضلّین عَضُداً).

وهذا ما نراه فی الأمّه الإسلامیّه الیوم، أنّها ترزح تحت الحکام الظالمین العملاء، والاحتلال الغربی والهیمنه الغربیه على الشعوب الإسلامیه بکل أبعادها، ولکن الخوف من الموت یمنعها من مواجهته هؤلاء واسترجاع حقوقهم المغصوبه والمهدوره.

ثانیاً: من آثار الخوف من الموت ترک الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، الذی هو أهمّ الواجبات؛ خصوصاً فی الأمور الّتی یجب فیها الحفاظ على بیضه الإسلام، وأنّ ترک الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر یؤدّی إلى إلحاق ضرر کبیر فی الإسلام، کما فعل الإمام الحسین (علیه السلام) حیث خرج على یزید وحکومه بنی أمیّه، من أجل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، وقد استلزم هذا الواجب هذه التضحیه الکبیره، وفی زمن الإمام الحسین (علیه السلام) شخصیات إسلامیه تعرف یزید وحکومه بنی أمیّه وضررها على الإسلام، ولکن خوفاً من الموت وتعلقاً بالدنیا ترکت هذا الواجب.

ثالثاً: ومن آثار الخوف من الموت أنّ الإنسان تصل به المرحله أنّه یرى أنّ أعراض المسلمین تنتهک، وأموالهم تأخذ ومقدّساتهم تهتک، ومع ذلک لا یحرّک ساکناً؛ خوفاً من الموت والقتل.

رابعاً: ومن آثار الخوف من الموت أنّه إذا ابتلیت به أمّه من الأمم تصبح أمّه میّته خاویه یتحکّم فیها الطغاه والظالمون کیف شاءوا.

ولذلک ترى أنّ القرآن الکریم یحثّ على إشعال روح التضحیه والفداء والإقدام فی أروح وضمیر المسلمین؛ وذلک یثنی ثناءً عظیماً على المجاهدین فی سبیل الله قال تعالى: (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِینَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِینَ دَرَجَهً وَکُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِینَ عَلَى الْقَاعِدِینَ أَجْراً عَظِیماً).

وقال رسول الله (صلى الله وعلیه وآله وسلم): (خیر الناس رجل حبس نفسه فی سبیل الله یجاهد أعداءه یلتمس الموت أو القتل). وقال أمیر المؤمنین (علیه السلام): (أمّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجنّه فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّهِ أَوْلِیَائِهِ وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِینَهُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِیقَهُ فَمَنْ تَرَکَهُ رَغْبَهً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ وَدُیِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَهِ).
وقال رسول الله (صلى الله وعلیه وآله وسلم): (…إنّ الله أعزّ أمّتی بسنابک خیلها ومراکز رماحها).

والنتیجه إن الخوف من الموت وترک الجهاد فی سبیل الله آثار کبیره ومن أهمها ما ذکرناها، بینما الإسلام، أراد من الإنسان المؤمن، أن یکون مقداماً شجاعاً، لا یخاف من الموت، وإنّما عنده الموت فی سبیل الله کالعسل أو أحلى من العسل.

Leave A Reply

Your email address will not be published.