صلاه الطواف ومکانها

0

الحمد لله رب العالمین، والصلاه والسلام على خیر خلقه محمد وآله الطاهرین.
أما بعد، فهذه رساله وضعتها فی مکان صلاه الطواف، الّذی صار موضع بحث ونقاش عند الزحام، فنقول:
صلاه الطواف ومکانها
اتّفق الفقهاء على وجوب رکعتین بعد الطواف فی العمره والحجّ إلاّ ما یحکی عن الشافعی فی أحد قولیه.( [۳۰۶]) والکلام فی المقام فی مکانها عند الزحام وغیره. والأصل فی ذلک قوله سبحانه: ( واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهیمَ مُصلّىً ) أی اتّخذوا من مقام إبراهیم موضع صلاه تصلّون فیه. والمعروف حسب النصوص والروایات وکلمات العلماء أنّ المقام ـ الّذی هو موضع وقوف إبراهیم (علیه السلام) عند بنائه للبیت ـ هو صخره على شکل مکعب متساوی الأضلاع، وطول الضلع ذراع واحد بذراع الید، أی ما یساوی ۵۰ سانتیمتراً تقریباً، وهذا المقدار لا یتسع لأداء الصلاه، لأنّ ما یشغله المصلّی المستوی الخلقه ـ عاده ـ من المساحه الکافیه لوقوفه ورکوعه وسجوده وجلوسه هو ۵۰ سم عرضاً فی ۱۰۰ سم طولاً، وأین هذا من مساحه الحجر؟( [۳۰۷]) فیقع الکلام فی تفسیر الآیه وسوف یوافیک معناه.
إنّ تعبیر المحقّق: «یجب أن یصلّی رکعتی الطواف فی المقام» أثار بحثاً بین الشُّراح قال فی «المدارک»: إنّه غیر جیّد، أمّا لو قلنا بأنّ المقام نفس العمود الصخری فواضح، وأمّا إن أُرید به مجموع البناء الّذی حوله فلأنّه لا یتعیّن وقوع الصلاه فیه قطعاً. (۲) وقریب منه فی «المستند».( [308])
یرد على الاحتمال الثانی: أنّ البناء کان أمراً مستحدثاً ولم یکن فی عصر الرسول حین نزول الآیه حتّى تفسر به. وقد أُزیل فی السنین الأخیره وکان موجوداً إلى أوائل العقد الثامن من القرن الرابع عشر، أعنی: سنه ۱۳۸۱ هـ ، وقد صلّیت فیه مراراً.
وقد وافقه صاحب الجواهر فقال: إنّ تعبیر بعض الفقهاء بالصلاه فی المقام مجاز تسمیه لما حول المقام باسمه، إذ القطع بأنّ الصخره الّتی فیها أثر قدمی إبراهیم لا یصلّى علیها. (۴)
ثمّ إنّ بعض المفسرین من أهل السنّه حاول حفظ ظهور الآیه وهو انّ کون الصلاه فی المقام حقیقه فقال: المراد من مقام إبراهیم هو عرفه والمزدلفه والجمار، لأنّه قام فی هذه المواضع وسعى فیها، وعن النخعی الحرم کلّه مقام إبراهیم.( [۳۰۹])
واحتمل بعضهم أنّ المراد من المقام هو المسجد الحرام، ولکنّه محجوج بفعل النبی حیث إنّه بعد ما طاف سبعه أشواط أتى إلى المقام فصلاّهما، وتلا قوله تعالى: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهیمَ مُصَلّىً ) ، فأفهم الناس أنّ هذه الآیه أمر بهذه الصلاه وهنا مکانها.( [۳۱۰])
وفی صحیح مسلم بسنده عن جابر فی بیان حج النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) : حتّى إذا أتینا البیت معه استلم الرکن ثلاثاً فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهیم وقرأ ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهیمَ مُصَلّىً ) .( [۳۱۱])
توضیح مفاد الآیه
المهم هو توضیح مفاد الآیه فهناک فرق بین قولنا: «فاتّخذوا مقام إبراهیم مصلّى» و قوله: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهیمَ مُصَلّىً ) . وإنّما یلزم المحال عند الجمود على ظاهر الأوّل، لعدم التمکّن من الصلاه فی المقام الّذی هو الصخره.
وأمّا الثانی فقد ذکروا فی الجار «من» احتمالات من کونها للتبعیض، أو بمعنى فی، أو للابتداء، أو بمعنى عند. والأولى الرجوع إلى الآیات الّتی ورد فیها هذا النوع من الترکیب حتّى یتعیّن أحد الاحتمالات.
قال سبحانه: ( وَأَوْحى رَبُّکَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذی مِنَ الْجِبالِ بُیُوتاً ) .( [۳۱۲])
وقال سبحانه: ( تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً ) .( [۳۱۳])
هذا کلّه فی مورد المکان، وأمّا فی غیره فمثل قوله سبحانه:
( لاتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِکَ نَصِیباً مَفْرُوضاً ) . (۲)
( ولاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِیّاً ) .( [۳۱۴])
( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَکَراً وَرِزْقاً ) . (۴)
ومثّل فی «الجواهر» وقال: «اتّخذت من فلان صدیقاً ناصحاً، ووهب الله لی من فلان أخاً مشفقاً».( [315])
ترى فی هذه الموارد أنّ شیئاً عامّاً یؤخذ منه جزء لغرض، فالنحل تتخذ من الجبال جزءاً بصفه البیت، أو أنّهم کانوا یتّخذون من سهول الأرض قصوراً، أو أنّ الشیطان یتّخذ من عباد الله نصیباً، إلى غیر ذلک.
فإذا کان هذا ظاهر هذه التراکیب، فالآیه منزّله على هذا النمط من الکلام، فیراد من المقام ما یجاوره ویقاربه تسمیه لما حول المقام باسمه، ضروره أنّ المقام لا یتبعض لأخذ المصلّى منه، فعلى الطائف أن یأخذ جزءاً من هذا المقام المجازیّ مصلّىً یصلّی فیه، وإطلاق الآیه یعمّ الخلف وما حوله من الیمین والیسار. ولا یختصّ مفاده بالخلف، لأنّ المقام حسب ما استظهرناه هو المکان المتّسع قرب المقام الحقیقی، المسوِّغ لتسمیه ذلک المکان مقاماً أیضاً، فالموضوع هو الصلاه قربه.
فخرجنا بتلک النتیجه: أنّ المقام أُطلق وأُرید منه ما یجاوره ویلیه، وأنّ «من» تبعیضیه لا غیر، وسائر الاحتمالات الأُخرى غیر تامّه.
وعلى ضوء ما ذکرنا فاللازم هو التصرف فی لفظ «المقام» على ما عرفت، وأمّا التصرف فی الجار، أعنی: «من» ، وجعله تاره بمعنى«فی»، وأُخرى بمعنى «عند»، فغیر وجیه.
وذلک لأنّ مجرد جواز استعمال «من» مکان «فی» أو «عند» ـ على فرض صحّته ـ لا یسوّغ تفسیر الآیه بهما، لأنّ ماده الفعل «الأخذ» لا یتعدى لا بـ«فی» و لا بـ«عند»، ولو فرض صحه استعماله فهو استعمال شاذ، لا یحمل علیه الذکر الحکیم.
هذا هو مفاد الآیه فإن دلّت الروایات على أوسع من الآیه أو أضیق منه، نأخذه، وإلاّ فمفاد الآیه هو المتّبع.
وسیوافیک أنّ المستفاد من الروایات کفایه إتیان الصلاه قریباً من المقام. من غیر فرق بین الخلف وأحد الجانبین، فما دام یصدق على العمل کونه «عنده» فهو مسقط للفریضه، وأمّا الترکیز على کونها خلف المقام کما فی طائفه من الروایات، فالظاهر أنّه بصدد الرد على تقدیم الصلاه على المقام ولزوم تأخّرها عنه، لا بلزوم کونها خلفه لا جنبه، وهو یصدق مع إتیانها یمیناً ویساراً وخلفاً.

العناوین الوارده فی کلمات الفقهاء
إذا عرفت ذلک فلنذکر العناوین الوارده فی کلمات فقهائنا ثمّ ما هو الوارد فی لسان الروایات.
أمّا الأُولى: فقد اختلفت کلمه الفقهاء فی التعبیر عن موضع الصلاه على الشکل التالی:
۱٫ الصلاه فی المقام.
۲٫ الصلاه خلف المقام.
۳٫ الصلاه عند المقام.
أمّا الأوّل: فقد عبّر عنه کثیر من الفقهاء.
قال المحقّق فی «الشرائع»: یجب أن یصلّی رکعتی الطواف فی المقام.( [۳۱۶])
وقال العلاّمه: وتجبان ـ الرکعتان ـ فی الواجب بعده فی مقام إبراهیم (علیه السلام) حیث هو الآن ولا یجوز فی غیره. (۲)
وأمّا الثانی: أی خلف المقام، فقال ابن الجنید: رکعتا طواف الفریضه فریضه عقیبه خلف مقام إبراهیم، وکذا قال ابن أبی عقیل.( [۳۱۷])
وبذلک عبّر الشهید فی «الروضه»( [318])، والأردبیلی فی «مجمع الفائده» (2) ، والبحرانی فی «الحدائق».( [319])
وأمّا الثالث: أی عند المقام فقال ابن البراج: والصلاه ـ رکعتا الطواف ـ عند مقام إبراهیم. (۴)
والظاهر أنّ الجمیع یرشد إلى معنى واحد وهو الصلاه قرب مقام إبراهیم، ولذلک نرى أنّ الصدوق بعدما قال: ثمّ ائت مقام إبراهیم فصلّ رکعتین قال: واجعله أمامک.( [۳۲۰])
هذا کلّه ناظر إلى کلمات الفقهاء.
وأمّا النصوص الوارده فی تحدید موضع صلاه الطواف فهی على طوائف، وتتلخّص فی العناوین التالیه:
۱٫ خلف المقام.
۲٫ جعل المقام إماماً.
۳٫ فی المقام.
۴٫ عند المقام.
والظاهر رجوع العنوان الثانی إلى الأوّل فإنّ من جعل المقام إماماً، یقع خلف المقام فلیس هذا عنواناً جدیداً . ففی صحیحه معاویه بن عمار قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) : «إذا فرغت من طوافک فائت مقام إبراهیم (علیه السلام) فصلّ رکعتین واجعله إماماً».( [321]) ومعنى ذلک لا تتقدّم علیه وکن خلفه. ولا فرق بین خلفه أو یمینه ویساره ما لم یکن متقدماً علیه .
ولنقتصر بنقل ما یدلّ على لزوم الإتیان بها فی موقع خاص من هذه المواقع، على نحو ینفی فی بدء النظر جواز إتیانها فی موقع آخر، فتکون النتیجه وجود المنافاه بین الروایات. وأمّا ما یدلّ على الجواز فی بعض هذه المواقع، کفعل النبی أو الإمام الّذی لا یستفاد منه التعیّن، أو ما لا یدلّ على المطلوب، لکون الروایه فی مقام بیان أمر آخر فنترکه للقارئ الکریم.
الطائفه الأُولى: تعیّن إتیان الصلاه خلف المقام
۱٫ صحیحه معاویه بن عمار الماضیه قال:«فائت مقام إبراهیم (علیه السلام) فصلّ رکعتین، واجعله إماماً، واقرأ فی الأُولى منهما سوره التوحید ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) وفی الثانیه ( قُلْ یَا أَیُّهَا الکافِرُونَ ) ، ثمّ تشهد واحمد الله واثن علیه، وصلّ على النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) واسأله أن یتقبّل منک».( [322])
وقد مرّ أنّ مفاد الحدیث هو إتیان الصلاه خلف المقام، والأمر ظاهر فی التعیّـن، واشتمال الروایه على قسم من المندوبات لا یضرّ بظهورها فیه، إذ المتبع هو الظهور ما لم یدلّ دلیل على الخلاف.
۲٫ مرسله صفوان، عمّن حدّثه، عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال: «لیس لأحد أن یصلّی رکعتی طواف الفریضه إلاّ خلف المقام، لقول الله عزّ وجلّ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهیمَ مُصَلّىً ) ، فإن صلّیتها فی غیره فعلیک إعاده الصلاه».( [323])
ودلالتها على تعیّن إتیان الصلاه خلف المقام واضحه، وإن کانت دلاله الآیه علیه (خلف المقام)، غیر واضحه لنا.
۳٫ خبر أبی عبد الله الأبزاری قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل نسی فصلّى رکعتی طواف الفریضه فی الحِجر، قال: «یعیدهما خلف المقام، لأنّ الله تعالى یقول: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهیمَ مُصَلّىً ) عنى بذلک رکعتی طواف الفریضه».( [324])
ودلالتها على تعیّن إتیان الصلاه خلف المقام واضحه، وإن کانت دلاله الآیه علیه غیر واضحه لنا.
۴٫ معتبره سلیمان بن حفص المروزی، عن الفقیه (علیه السلام) قال: «إذا حجّ الرجل فدخل مکّه متمتّعاً فطاف بالبیت وصلّى رکعتین خلف مقام إبراهیم (علیه السلام) وسعى بن الصفا والمروه وقصّر، فقد حلّ له کلّ شیء ما خلا النساء، لأنّ علیه لتحلّه النساء طوافاً وصلاه».( [325]) ودلالته بظاهره على لزوم إتیانها خلف المقام لا غبار علیها.
۵٫ مرسل جمیل، عن بعض أصحابنا، عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال: «یصلّی الرجل رکعتی طواف الفریضه خلف المقام».( [326])
۶٫ صحیح الحلبی عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال:«إنّما نسک الّذی یقرن بین الصفا والمروه مثل نسک المفرد لیس بأفضل منه إلاّ بسیاق الهدی، وعلیه طواف بالبیت، وصلاه رکعتین خلف المقام، وسعی واحد بین الصفا والمروه، وطواف بالبیت بعد الحجّ».( [327])
ودلالته على لزوم الإتیان بها خلفه فی التمتع، لأجل اشتراک الأقسام: التمتع، والقران والإفراد فی الحکم إلاّ ما خرج.
۷٫ صحیح زراره قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) فی تعریف المتعه؟ فقال: «یهلّ بالحج فی أشهر الحج، فإذا طاف بالبیت فصلّى الرکعتین خلف المقام وسعى بین الصفا والمروه قصّر وأحل…».( [328])
فالحدیث فی مقام بیان مقدّمات حجّ التمتع، وأنّ منها الصلاه خلف المقام.
ولعلّ هذا المقدار من النصوص کاف والروایات أکثر ممّا نقلت، وإنّما ترکت بعضها لعدم وضوح دلالتها على التعیین. وسیوافیک أنّ التأکید على الصلاه خلف المقام لأجل ردّ جواز الصلاه بین البیت والمقام.فانتظر.

الطائفه الثانیه: وجوب إتیان الصلاه عند المقام
هناک روایات تدلّ على لزوم الإتیان بها «عند المقام» نذکر منها ما یلی:
۱٫ حدیث جمیل بن دراج، عن أحدهما (علیهما السلام) أنّ الجاهل فی ترک الرکعتین عند مقام إبراهیم بمنزله الناسی.( [۳۲۹])
۲٫ صحیح أبی الصباح الکنانی قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن امرأه طافت بالبیت فی حج أو عمره ثمّ حاضت قبل أن تصلّی الرکعتین؟ قال: «إذا طهرت فلتصلّ رکعتین عند مقام إبراهیم وقد قضت طوافها».( [330])
۳٫ صحیح معاویه بن عمار، عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال: «القارن لا یکون إلاّ بسیاق الهدی، وعلیه طواف بالبیت ورکعتان عند مقام إبراهیم، وسعی بین الصفا والمروه، وطواف بعد الحج، وهو طواف النساء».( [331])
۴٫ صحیحه الأُخر فی بیان ما یعتبر فی حجّ التمتع عن أبی عبد الله (علیه السلام) : «على المتمتع بالعمره إلى الحج ثلاثه أطواف ـ إلى أن قال: ـ و رکعتان عند مقام إبراهیم (علیه السلام) ».( [332])
۵٫ صحیحه الثالث قال:«المفرد للحج علیه طواف بالبیت ورکعتان عند مقام إبراهیم (علیه السلام) ».( [333])
والأحادیث الثلاثه لابن عمار، بصدد بیان أجزاء الحج بأقسامه الثلاثه: القران، والتمتع والإفراد، ومن أجزاء الحج بأقسامه الثلاثه، هی الصلاه عند المقام.
۶٫ موثّقه سماعه، عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال: «المجاور بمکه إذا دخلها بعمره فی غیر أشهر الحج ـ إلى أن قال: ـ فلیخرج إلى الجعرانه فیحرم منها، ثمّ یأتی مکّه ولا یقطع التلبیه حتّى ینظر إلى البیت، ثمّ یطوف بالبیت ویصلی الرکعتین عند مقام إبراهیم (علیه السلام) …».( [334])
إلى غیر ذلک من الأحادیث المبثوثه فی أبواب أقسام الحج والطواف.
الطائفه الثالثه: الصلاه فی المقام
وهناک ما یدلّ على أنّ المعتبر هو الصلاه فی المقام.
۱٫ صحیحه محمد بن مسلم، عن أحدهما (علیهما السلام) قال: «سُئل عن رجل طاف طواف الفریضه ولم یصل الرکعتین ـ إلى أن قال: ـ و یرجع إلى المقام فیصلّی رکعتین».( [335]) أی فیه.
۲٫ خبر أحمد بن عمر الحلاّل قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل نسی أن یصلّی رکعتی طواف الفریضه فلم یذکر حتّى أتى منى؟ قال: «یرجع إلى مقام إبراهیم فیصلّیهما».( [336]) أی فیه.
۳٫ وفی صحیح معاویه بن عمّار، عن أبی عبد الله (علیه السلام) : «إذا فرغت من طوافک فائت مقام إبراهیم فصلّ رکعتین».( [337]) أی فیه.
الجمع الدلالی بین الروایات
هذه عمده الروایات الوارده، وقد مرّ أنّ ما ذکر بلفظ «الأمام» یرید به کون المصلّـى خلف المقام، وأمّا الصنف الأخیر، الدال على الإتیان بها فی المقام، فقد مرّ أنّ الصلاه فیه غیر ممکنه فلابدّ أن یراد به حول المقام ، فلم یبق من العناوین إلاّ العنوانان التالیان:
۱٫ خلف المقام.
۲٫ عند المقام.
وأمّا الجمع بینهما فهو: أنّ التأکید على الإتیان بها خلف المقام، لغایه نفی التقدّم على المقام، کما إذا صلّى بین البیت و المقام على نحو یکون المقام خلفه، ولعلّ الإصرار على ذلک هو اشتهار أنّ المقام کان ملصقاً بالبیت ثمّ أتى به إلى المکان المعهود، فکان ذلک سبباً لإتیان الصلاه قبل المقام، فتأکید أئمه أهل البیت (علیهم السلام) على الإتیان بالصلاه وراء المقام ، کان رداً لتلک الفکره، ویشهد على هذا صحیح إبراهیم بن أبی محمود قال: قلت: للرضا (علیه السلام) : أُصلّی رکعتی طواف الفریضه خلف المقام حیث هو الساعه، أو حیث کان على عهد رسول الله، قال: «حیث هو الساعه».( [338])
وفی صحیح محمد بن مسلم: «کان الناس على عهد رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) یطوفون بالبیت والمقام وأنتم الیوم تطوفون ما بین المقام وبین البیت، فکان الحد موضع المقام الیوم».( [339])
وحاصل الکلام: کان المعروف فی عصر صدور الروایات، أنّ المقام کان ملصقاً بالبیت، وکان ذلک سبباً، لتوهم جواز الإتیان بالصلاه بین البیت والمقام الیوم، فعمد أئمّه أهل البیت برد الوهم والتأکید على إتیانها خلف المقام، وجعله أمامه لا خلفه، وعند ذلک یکون الموضوع «کون الصلاه عند المقام» أی حوله. وهو یصدق على الصلاه خلفه أو أحد جانبیه.
والحاصل: کما أنّ للآیات شأنَ نزول، کذلک للروایات أیضاً سبب صدور، وبالرجوع إلیه یرتفع الإبهام عن وجوبها.
وعلى ضوء ذلک، فیمکن أن یقال: إنّ سبب الترکیز على وقوع الصلاه خلف المقام لا لأجل اعتبار الخلفیّه فی مقابل الیمین والیسار، بل الترکیز لأجل نفی التقدّم، ولذلک أمر الإمام أن یجعل المقام إماماً، أی لا یتقدّم علیه.
فیکون الموضوع حسب الآیه والروایات «الصلاه عند المقام ولدیه» سواء کان خلف المقام أو الیمین والیسار، لکن بشرط عدم التقدّم علیه.
وأمّا على مختار الأصحاب من الترکیز على شرطیه الخلف وعدم کفایه الصلاه فی أحد الجانبین فالموضوع عندهم مرکب من أمرین:
۱٫ کون الصلاه خلف المقام.
۲٫ کون الصلاه عند المقام.
وعلى ذلک لو صدق کون الصلاه خلف المقام ولم یصدق کونها عنده، فلا یکفی ذلک، کما إذا صلّى خلف المقام لکن بعیداً عنه.
کما أنّه لو صلّى عند المقام دون خلفه، فلا یکفی، کما إذا صلّى فی أحد الجانبین: الیمین والیسار.
نعم ورد فی خبر أبی بلال المکّی، قال: رأیت أبا عبد الله (علیه السلام) طاف بالبیت ثمّ صلّى فیما بین الباب والحجر الأسود رکعتین، فقلت له: ما رأیت أحداً منکم صلّى فی هذا الموضع، فقال: «هذا المکان الّذی تیب على آدم فیه».( [340])
فلو کان المراد من الباب باب الکعبه کما هو الظاهر، لزم أن یکون الإمام صلّى الرکعتین والمقام خلفه لا أمامه.
واحتمال أنّ الإمام صلّى عند المقام محاذیاً بین الباب والحجر الأسود غیر صحیح، لأنّ هذا لا یثیر تعجّب الراوی، إذ یکون عملاً عادیّاً.
کما أنّ حمل الصلاه على التطوّع غیر صحیح، لأنّ الظاهر أنّ الإمام صلّى فی الموضع الّذی صلّى فیه لأجل طوافه بالبیت حیث قال: طاف بالبیت ثمّ صلّى فیه. فالروایه لا یُحتج بها، لأنّها معرض عنها.
اللّهمّ إلاّ أن یحمل على الطواف المجرّد عن سائر الأعمال فیجوز إتیان صلاته من حیث شاء ویدل علیه خبر زراره.( [۳۴۱])
ومن ذلک یعرف النظر فی بعض الکلمات على ما عرفت، وأنّه لیس للخلفیه موضوعیه وانّما الموضوعیه لعند المقام ولدیه.
حکم الصلاه عند الزحام
ما ذکرنا من الحفاظ على عنوان «العندّیه» فقط أو «الخلفیّه» و «العندّیه» راجع إلى حال الاختیار وعدم الزحام، وأمّا عند کثره الطائفین فکثیراً ما یکون «خلف المقام » مطافاً للطائفین فیأتون زرافات ووحداناً ، والمصلّون من الشیعه خلف المقام بین قائم وراکع وساجد، وعند ذلک یقع التدافع وتثور ثوره الطائفین من جانب ومنع المصلّین من جانب آخر، وینتهی الأمر إلى الجدال الممنوع فی الحجّ فما هو الواجب فی هذه الحاله؟
وبما أنّ المسأله لیست حدیثه الابتلاء، بل لها جذور فی تاریخ الحجّ، تعرض لها الفقهاء فی کتبهم، وقد اختلفت کلمتهم فی هذا الموضع بالنحو التالی:
۱٫ مخیّر بین وراء المقام أو أحد جانبیه
قال المحقّق: فإن منعه زحام صلّى وراءه أو إلى أحد جانبیه.( [۳۴۲])

۲٫ تقدّم الخلف على الجانب مع الإمکان
قال صاحب الریاض: الأحوط تقدّم الخلف على الجانب مع الإمکان.( [۳۴۳])
۳ . تحرّی الأقرب فالأقرب
واختار الفاضل الاصبهانی تحرّی القرب منه ما أمکن، وإذا تعذّر لزحام جاز البعد بقدر الضروره.( [۳۴۴])
وعلى کلّ تقدیر : یقع الکلام تاره فی حکمها من حیث القواعد، وأُخرى من حیث النصوص.
أمّا مقتضى القواعد فهناک احتمالان:
أ. سقوط وجوب الصلاه عند تعذّر الشرط.
ب. سقوط وصف «العندیه» أو «الخلفیه» لا نفس الصلاه.
أمّا الأوّل: فهو ضعیف جدّاً بشهاده أنّه لو نسی صلاه الطواف یقضیها أینما تذکر إذا شق علیه الرجوع، وإلاّ یرجع فیصلّی فی المقام کما سیوافیک.
بقی الثانی: ولکن سقوط «العندیّه» على وجه الإطلاق بمجرّد الزحام غیر صحیح، بل یتربّص إلى الحدّ الّذی لا یفوت معه الموالاه بین الصلاه والسعی.
فإذا لم یسقط الواجب ولم یتمکّن من الصلاه عند المقام حتّى بعد الصبر والتربّص یلزم ـ على المختار عندنا ـ علیه الصلاه فی کلّ نقطه أقرب إلى المقام بشرط أن لا یتقدّم علیه، من غیر فرق بین الخلف والجانبین، بل الموضوع هو حفظ «العندیّه» مهما أمکن، أی الأقرب فالأقرب، وعلى ذلک ینزل ما روی عن حسین بن عثمان بسندین: أحدهما نقیّ والآخر غیر نقیّ.
أمّا الأوّل، فقد رواه الکلینی فی «الکافی» و قال: رأیت أبا الحسن موسى (علیه السلام) یصلّی رکعتی طواف الفریضه بحیال المقام قریباً من ظلال المسجد.
وأمّا الثانی فقد رواه الشیخ وقال: رأیت أبا الحسن (علیه السلام) یصلّی رکعتی الفریضه بحیال المقام قریباً من الظلال لکثره الناس.( [۳۴۵])
والتعبیر فی کلیهما واحد غیر وجود التصریح بالسبب فی روایه «التهذیب» دون «الکافی»، وما ذکر فیه السبب، وإن کان ضعیف السند، لکن وحده المتن یکشف عن صدق الراوی فی الحدیث، ومن البعید أن یزید من جانبه شیئاً.
وبذلک یعلم أنّ ابتعاد الإمام (علیه السلام) عن نفس المقام لأجل کثره الناس، وأمّا انتخابه قریباً من ظلال المسجد وفی الوقت نفسه حیال المقام لأجل أنّه کان فی ذلک الوقت أقرب من سائر الأمکنه.
هذا على المختار، وأمّا على مختار الأصحاب فبما أنّ المعتبر عندهم رعایه أمرین: الخلفیه والعندیّه ، فقد فصّلوا فی ذلک کالتالی:
ففی نجاه العباد: یختار عند الزحام الأقرب إلى المقام من الخلف، وإلاّ فیختار أحد الجانبین، وإلاّ فحیث یشاء مع رعایه الأقرب إلى الخلف.( [۳۴۶])
وأمّا صاحب العروه فقد أخذ «خلف المقام» محوراً ـ مثل الأصحاب ـ لکن فصّل بوجه أدق، قال:
۱٫ تقدّم الصلاه فی الخلف على الصلاه فی الجانبین، مادام یصدق علیه کونها عنده.
۲٫ لو کان الابتعاد عن المقام کثیراً على نحو لا یصدق علیها الصلاه خلف المقام بخلاف الصلاه فی أحد الجانبین یقدّم الثانی على الخلف.
۳٫ لو لم یتمکن من الصلاه عند المقام مطلقاً، سواء صلّى خلف المقام أو أحدهما، یختار الأقرب إلى المقام من الخلف وأحد الجانبین.
۴٫ ولو تساویا فی القرب واشترکا فی عدم صدق الصلاه عند المقام، یقدّم الخلف على أحدهما.
۵٫ لو کان الطرفان أقرب من الخلف لکن یفقد الجمیع: الصلاه خلف المقام والجانبین وصف کون الصلاه عند المقام، لا یبعد الاکتفاء بالخلف.
ولکن الأحوط بعد الإتیان بالصلاه فی الخلف، الاحتیاط بإتیان صلاه أُخرى فی أحد الجانبین مع رعایه الأقربیه.
وأخیراً احتاط بإتیان الصلاه خلف المقام إذا تمکّن من الفرد الاختیاری، أعنی: الصلاه خلف المقام إلى أن یضیق وقت السعی.
أرى أنّ هذا التفصیل فی «نجاه العباد» والمتن، مبنی على إعطاء الأصاله للصلاه خلف المقام، وأمّا على ما قلناه فالمیزان هو الصلاه عند المقام مهما أمکن وإلاّ فالأقرب والأقرب إلیه.
[۳۰۶] . الخلاف:۲/۳۲۷٫
[۳۰۷] . مبادئ علم الفقه:۳/۲۱۰٫ ۲ . المدارک:۸/۱۴۱٫
[۳۰۸] . المستند:۱۲/۱۳۹٫ ۴ . الجواهر:۱۹/۳۱۸٫
[۳۰۹] . الکشاف:۱/۲۸۷٫
[۳۱۰] . سنن الترمذی:۳/۲۱۱ رقم الحدیث۸۵۶; سنن النسائی:۵/۲۳۵٫
[۳۱۱] . صحیح مسلم:۴/۴۰ـ۴۱، باب حجه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) .
[۳۱۲] . النحل:۶۸٫
[۳۱۳] . الأعراف:۷۴٫ ۲ . النساء:۱۱۸٫
[۳۱۴] . النساء:۸۹٫ ۴ . النحل:۶۷٫
[۳۱۵] . الجواهر:۱۹/۳۱۹٫
[۳۱۶] . الشرائع:۱/۲۶۸٫ ۲ . قواعد الأحکام:۱/۴۲۷٫
[۳۱۷] . المختلف:۴/۲۰۱٫
[۳۱۸] . الروضه البهیه:۲/۲۵۰٫ ۲ . مجمع الفائده:۷/۸۷٫
[۳۱۹] . الحدائق:۱۶/۱۳۵٫ ۴ . المهذب:۱/۲۳۱٫
[۳۲۰] . الهدایه:۵۸٫
[۳۲۱] . الوسائل: ج ۹، الباب ۷۱ من أبواب الطواف، الحدیث۳٫
[۳۲۲] . الوسائل: ج ۹، الباب ۷۲ من أبواب الطواف، الحدیث۳٫
[۳۲۳] . الوسائل: ج ۹، الباب ۷۲ من أبواب الطواف، الحدیث۱٫
[۳۲۴] . الوسائل: ج ۹، الباب ۷۲ من أبواب الطواف، الحدیث۲٫
[۳۲۵] . الوسائل: ج ۹، الباب ۸۲ من أبواب الطواف، الحدیث۷٫
[۳۲۶] . الوسائل: ج ۹، الباب ۱ من أبواب الطواف، الحدیث۹٫
[۳۲۷] . الوسائل: ج ۸ ، الباب۲ من أبواب أقسام الحج، الحدیث۶٫
[۳۲۸] . الوسائل: ج ۸ ، الباب۵ من أبواب أقسام الحج، الحدیث۳٫
[۳۲۹] . الوسائل: ج ۹، الباب ۷۴ من أبواب الطواف، الحدیث۳٫
[۳۳۰] . الوسائل: ج ۹، الباب ۸۸ من أبواب الطواف، الحدیث۲٫
[۳۳۱] . الوسائل: ج ۸ ، الباب۲ من أبواب أقسام الحج، الحدیث۱۲٫
[۳۳۲] . الوسائل: ج ۸ ، الباب۲ من أبواب أقسام الحج، الحدیث۸٫
[۳۳۳] . الوسائل: ج ۸ ، الباب۲ من أبواب أقسام الحج، الحدیث۱۳٫
[۳۳۴] . الوسائل: ج ۸ ، الباب۸ من أبواب أقسام الحج، الحدیث۲٫
[۳۳۵] . الوسائل: ج ۹، الباب ۷۴ من أبواب الطواف، الحدیث۵٫
[۳۳۶] . الوسائل: ج ۹، الباب ۷۴ من أبواب الطواف، الحدیث۱۲٫
[۳۳۷] . الوسائل: ج ۹، الباب ۳ من أبواب الطواف، الحدیث۱٫
[۳۳۸] . الوسائل: ج ۹، الباب۷۱ من أبواب الطواف، الحدیث۱٫
[۳۳۹] . الوسائل: ج ۹، الباب۲۸ من أبواب الطواف، الحدیث۱٫
[۳۴۰] . الوسائل:ج ۹، الباب۷۳ من أبواب الطواف، الحدیث۳٫
[۳۴۱] . الوسائل:ج ۹، الباب۷۳ من أبواب الطواف، الحدیث۱٫
[۳۴۲] . شرائع الإسلام:۱/۲۶۸٫
[۳۴۳] . ریاض المسائل:۶/۵۴۰٫
[۳۴۴] . کشف اللثام:۵/۴۴۹٫
[۳۴۵] . الوسائل: ج ۹، الباب۷۵ من أبواب الطواف، الحدیث۱و۲٫
[۳۴۶] . نجاه العباد:۳۳٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.