علائم القیامه
لقد ورد على لسان العلماء وتبعاً للقرآن الکریم، مسأله تحت عنوان «أشراط الساعه» و یقصدون بذلک علائم القیامه، ویمکن تقسیم تلک العلائم والأشراط إلى قسمین:
۱٫ الحوادث التی تتحقّق قبل یوم القیامه وقبل تقویض أرکان النظام السائد وفی الوقت الذی ما یزال فیه الإنسان یعیش على وجه الأرض، وغالباً ما تطلق کلمه «الأشراط» على هذا القسم من العلامات.
۲٫ الحوادث التی تکون سبباً لتقویض النظام السائد والتی ورد الترکیز علیها فی السور التالیه: التکویر، الانفطار، الانشقاق، والزلزله، وهذا ما یعبر عنه بـ(مشاهد القیامه) ونحن هنا نحاول الحدیث عن أشراط الساعه، ثمّ نعقبه بالحدیث عن القسم الثانی إن شاء اللّه تعالى.
لقد أکّد القرآن الکریم والروایات على علائم القیامه بالمعنى الذی نقصده، ونحن هنا نتعرض لبیان علامتین من تلک العلامات التی وردت فی سور مختلفه من القرآن الکریم، قال تعالى:
( فَهَلْ یَنْظُرُونَ إِلاّ السّاعَهَ أَنْ تَأْتِیَهُمْ بَغْتَهً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِکْریهُمْ ) .( [۱])
توضیح ذلک: «الأشراط» جمع «شرط» على وزن صدف بمعنى العلامه، یقول ابن منظور فی «لسان العرب»: شرط ـ بفتح الراء ـ بمعنى العلامه ، وجمعه: أشراط، وأشراط الساعه: علائمها.( [۲])
فهذه الآیه تخبر وبوضوح عن تحقّق بعض أشراط الساعه، وهنا یطرح السؤال التالی: ماهی تلک الأشراط والعلائم التی تمّ تحقّقها؟
إنّ هذه الآیه وآیات أُخرى لا توضح لنا الإجابه عن هذا التساؤل، ولکنّ المفسّرین یقولون إنّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) قد فسّر هذه الآیه بقوله(صلى الله علیه وآله وسلم) :
«بعثت أنا والساعه کهاتین»( [3]).( [4])
وهنا یرد سؤال آخر وهو: کیف یمکن أن تُعدّ بعثه النبی الأکرم من علائم القیامه مع أنّنا نرى أنّ الفاصل الزمانی بینهما لیس بالقلیل؟!
والجواب عنه: إنّنا إذا قسنا ما بقی من عمر الدنیا بالنسبه إلى ما فنی منها وعرفنا أنّ العالم تجاوز مرحله النضوج وهو فی طریقه إلى الهرم، فلا ریب أنّ العمر الأکبر قد مضى ولم یبق إلاّ شیء قلیل، ومع الالتفات إلى هذه النسبه یمکن القول: إنّه لم یبق إلى قیام الساعه إلاّ شیء قلیل، وحینئذ یصحّ اعتبار البعثه من علائم القیامه.
ثمّ إنّ بعض المفسّرین قد فسّر أشراط الساعه بانشقاق القمر کما فی قوله تعالى:
( اقْتَرَبَتِ السّاعَهُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) .( [۵])
ومنهم من ذهب إلى تفسیر ذلک بنزول القرآن الکریم الذی هو خاتم الکتب.
وعلى کلّ حال فهذه الآیه تحکی وبصوره قطعیه عن تحقّق بعض علائم الساعه:
( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَهِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقیمٌ ) .( [۶])
یقول المفسّرون: حینما نزلت آیه: ( إِنَّکُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّم )( [۷]) ، وجد منها أهل مکه وجداً شدیداً.
فقال أحد المشرکین ـ ابن الزبعری ـ : خصمتک ـ واللّه ـ یا محمد، ألست تثنی على عیسى خیراً، وقد عرفت أنّ النصارى یعبدون عیسى وأُمّه، أفلیس هؤلاء مع الآلهه فی النار؟ فقال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : «لا»، فقالت قریش: خصمک ابن الزبعری، فقال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : قلتم الباطل أما قلت: إلاّ من استثنى اللّه وهو قوله تعالى:
( إِنَّ الَّذِینَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنى أُولئِکَ عَنْها مُبْعَدُون ) .( [۸]) وقد ردّ القرآن الکریم علیهم فی ضمن مجموعه من الآیات من ضمنها هذه الآیه التی هی مورد بحثنا ، وهی أنّ المسیح لا یمتلک أیّ صفه من صفات الإله، بل انّ وجوده(علیه السلام) أحد أسباب وعوامل التعرّف على اقتراب الساعه.
وبالطبع انّ القراءه المشهوره للآیه (عِلْم) على وزن (حلم) یفید انّها سبب للعلم والمعرفه، وأمّا على قراءه (عَلَمْ) على وزن (سلف) فحینئذ تفید الآیه معنى العلامه، ویکون وجود المسیح (علیه السلام) علامه على تحقّق القیامه.
ولکنّ هناک بحثاً آخر وهو: متى یکون المسیح من أعلام الساعه؟ فهل المراد حین تولّده ثمّ بعثه إلى بنی إسرائیل؟ أو أنّ المراد زمان آخر غیر ذلک الزمان؟
الروایات الوارده فی هذا المجال تقول: إنّ السید المسیح(علیه السلام) سوف ینزل إلى الأرض حین ظهور الإمام المهدی المنتظر ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشریف ـ ویقتدی به، وبذلک یکون ظهور المسیح(علیه السلام) من أشراط الساعه، وقد روى ذلک محدّثو السنّه والشیعه، حیث جاء فی الحدیث:
«کیف أنتم إذا نزل ابن مریم فیکم وإمامکم منکم».( [9])
وفی الآیه احتمال آخر وهو: انّ عیسى یعلم به الساعه فی خلقه من غیر أب وإحیائه الموتى، فیعلم به أنّ الساعه ممکنه فلا تشکّوا فی الساعه ولا ترتابوا فیها البته.( [۱۰])
وحینئذ یکون معنى الآیه: انّ مجموع حیاه السید المسیح یُعدّ أحد علامات إمکان القیامه فلماذا تشکّون فیها؟ وإذا من المفکّرین فی السید المسیح(علیه السلام) ، ففکّروا فیه من هذه الزاویه ومن هذه النکته لا أن تنظروا إلیه على أنّه معبود وإله لکم.
والذی یؤیّد هذا التفسیر قوله سبحانه: ( فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ) حیث فرعت عدم الشک فی القیامه على وجود السید المسیح (علیه السلام) .
وهذا التفسیر لا ینافی التفسیر الأوّل الذی ذکرناه، إذ لا منافاه بین أن یکون المسیح بوجوده دلیلاً على إمکان القیامه وفی نفس الوقت آیه من آیاتها، فمع مشاهده هذه العلامه لا ینبغی الشکّ فی القیامه.
علامات القیامه فی الروایات والأحادیث
لقد وردت روایات کثیره عن طریق الفریقین تتحدّث عن أشراط وعلائم القیامه، واعتبرت سلسله من الحوادث والتحوّلات علامه على قیام الساعه، والتی جاءت فیها عنوان «أشراط الساعه» یمکن تقسیمها إلى طائفتین:
۱٫ الحوادث الخارقه للعاده التی تقع فی النظام الکونی.
۲٫ التحوّلات والتغیّرات التی تحدث فی سلوک الناس وأفکارهم.
وبما أنّ دراسه جمیع تلک الروایات( [۱۱]) یحتاج إلى بحث مفصّل وشامل ولا ینسجم مع حجم الکتاب، لذلک نکتفی هنا بذکر روایه واحده تشیر إلى هذه العلامات بصوره مختصره، وهی:
ما رواه حذیفه بن أسید قال:
کان النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) فی غرفه ونحن أسفل منه فاطّلع إلینا فقال: «ما تذکرون؟».
قلنا: الساعه. قال: «إنّ الساعه لا تکون حتى تکون عشر آیات:
۱٫ خسف بالمشرق.
۲٫ وخسف بالمغرب.
۳٫ وخسف فی جزیره العرب.
۴٫ والدخان.
۵٫ والدجال.
۶٫ ودابه الأرض.
۷٫ ویأجوج ومأجوج.
۸٫ وطلوع الشمس من مغربها.
۹٫ ونار تخرج من قعره عدن ترحل الناس….
۱۰٫ و نزول عیسى بن مریم، وریح تلقی الناس فی البحر».( [12])
وأمّا الروایات الحاکیه عن طروء التغیّر و التبدّل على حیاه الناس وأخلاقهم وسلوکهم وابتعاد الناس عن القیم الدینیه وشیوع الفساد والعصیان، فهی روایات کثیره، أشمل تلک الروایات وأجمعها ما رواه ابن عباس عن الرسول الأکرم(صلى الله علیه وآله وسلم) .( [۱۳])
بعد أن تعرّفنا على النوع الأوّل من العلامات التی عبّر عنها بـ«أشراط الساعه» حان الوقت للحدیث عن طائفه من الروایات التی تعتبر من العلامات الحتمیه للقیامه والتی تحدث تحوّلاً فی نظام الکون، وهی ما عبر عنها بـ«مشاهد القیامه».
الحوادث الکونیه وقیام الساعه
تحدّث القرآن الکریم عن وقوع مجموعه من الحوادث الکونیه التی تخبر عن انتهاء عمر الدنیا وقیام الساعه.
وهذه الحوادث العظیمه والرهیبه سوف تشمل السماء والأرض، والبحار، والجبال، والإنسان، والشمس، والنجوم و….
وبکلمه واحده :انّ النظام السائد فی العالم سینهار بأسره، وستقوم الساعه حینئذ، وسنشیر إلى هذه الحوادث المهیبه بصوره مفصّله:
حاله السماء أوان قیام الساعه
لقد استعمل القرآن الکریم فی هذا المجال المصطلحات التالیه: الانشقاق، الانفطار، الانفتاح، الانفراج، الانطواء، التبدّل، المور، المهل، الدخان، ورده کالدهان، الکشط، وقد وردت هذه المصطلحات فی الآیات التالیه:
۱٫ ( إذا السَّماءُ انْشَقَّت ) .( [۱۴])
۲٫ ( إِذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ) .( [۱۵])
۳٫ ( وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَکانَتْ أَبواباً ) .( [۱۶])
۴٫ ( وَإِذا السَّماءُ فُرِجَتْ ) .( [۱۷])
۵٫ ( یَوْمَ نَطْوِی السَّماءَ کَطَیِّ السِّجلّ لِلْکُتُبِ ) .( [۱۸])
۶٫ ( یَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَیْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) .( [۱۹])
۷٫ ( یَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ) .( [۲۰])
۸٫ ( یَوْمَ تَکُونُ السَّماءُ کَالْمِهْلِ ) .( [۲۱])
۹٫ ( یَومَ تأْتِی السَّماءُ بِدُخان ) .( [۲۲])
۱۰٫ ( فَکانَتْ وَرْدَهً کالدِّهانِ ) .( [۲۳])
۱۱٫ ( وَإِذا السَّماءُ کُشِطَتْ ) .( [۲۴])
إلى غیر ذلک من الآیات التی ترسم لنا صوره مرعبه ومذهله عن الحوادث التی ترافق قیام الساعه والتحوّلات العجیبه التی تحدث فی الکون، فالسماء التی کانت تتراءى وکأنّها سقف محفوظ تبتلی بالاضطراب و الاهتزاز العظیم الذی یحدث وتمزّق إلى قطع متناثره، وتنشق السماء وتتموج وتأتی کالصفر المذاب، وتأتی بصوره الدخان،وغیر ذلک من الصور المرعبه والمذهله.
والنکته الجدیره بالالتفات والإشاره هی انّنا نرى أنّ القرآن ینص على أنّ السماء فی بدء الخلقه کانت من دخان، وسیؤول أمرها إلیه أیضاً عند الانقضاء حیث یقول سبحانه:
( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِیَ دُخانٌ… ) .( [۲۵])
ثمّ قال سبحانه:
( …یَوْمَ تَأْتِی السَّماءُ بِدُخان مُبین ) .( [۲۶])
فما هو المقصود والمراد من هذه الآیات؟ هذا ما یحتاج إلى بحث مستقل خارج عن إطار بحثنا هنا، فمن أراد الاطّلاع على ذلک علیه بمراجعه الکتب التفسیریه.
حاله الأرض أوان قیام الساعه
بعد أن تعرّفنا على حاله السماء أوان قیام الساعه حان الوقت للتعرف على حاله الأرض فی ذلک الوقت من زاویه الرؤیه القرآنیه، وکیف بیّن القرآن تلک الحقیقه؟
فی البدء نشیر إلى المصطلحات التی استعملها القرآن الکریم فی هذا المجال، وهی: الزلزله، البروز، التبدّل، الانشقاق، الاندکاک، الرّج، المدّ، وقد وردت تلک المصطلحات فی الآیات التالیه:
۱٫ ( إِذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها ) .( [۲۷])
۲٫ ( یَوْمَ نُسَیِّرُ الجِبالَ وَتَرى الأَرْضَ بارِزَهً ) .( [۲۸])
۳٫ ( یَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَیْرَ الأَرْض ) .( [۲۹])
۴٫ ( یَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ) .( [۳۰])
۵٫ ( إِذا دُکَّتِ الأَرْضُ دَکّاً دَکّا ) .( [۳۱])
۶٫ ( إِذا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً ) .( [۳۲])
۷٫ ( وَإِذا الأَرْضُ مُدَّتْ ) .( [۳۳])
إلى غیر ذلک من الآیات التی تبیّـن وضع الأرض عند قیام الساعه، وکیف تتعرض الأرض لهزّه عنیفه ینهار على أثرها کلّ ما علیها من الظواهر الطبیعیه وغیرها، وینکشف سطحها ویظهر ما فیه للعیان، وتنشق الأرض ویظهر من کان کامناً فی أعماقها من الموتى لیحشروا فی عرصات القیامه.
ومن الجدیر هنا أن نشیر إلى نکتتین:
النکته الأُولى: انّ من بین المصطلحات التی ذکرت فی مجال بیان وضع السماوات والأرض أوان القیامه، یوجد مصطلحان قد تکرر ذکرهما فی الحالتین، وهذان المصطلحان هما: «التبدّل» و «الانشقاق» بمعنى أنّ هذین الوجودین سیصطدمان وینشقان ویتمزّقان إلى قطع متناثره.
النکته الثانیه: کما أنّه قد ورد فی بدء خلق السماوات وخاتمتها مصطلح «الدخان» کذلک ورد فی بدء خلق الأرض وخاتمتها مصطلح «المدّ» حیث قال سبحانه:
( هُوَ الَّذِی مَدَّ الأَرضَ ) .( [۳۴])
وقال تعالى:
( وَإِذا الأَرْضُ مُدَّتْ ) .( [۳۵])
الظواهر الأرضیه أوان قیام الساعه
من الظواهر الأرضیه التی عدّت من علائم القیامه وقیام الساعه: الأُولى الجبال، والثانیه البحار; والنکته فی ذلک هی عظمه وأهمیه هذین الموجودین، وذلک لأنّ القسم الأعظم من سطح الأرض تغطّیه المیاه والبحار، وأمّا الجبال فلما تتمیّز به من العظمه والهیبه والتی تقوم الآن بدور أوتاد الأرض، ولذلک فإنّه وبلا شک انّ التحوّل والتغیّر والتبدّل الذی یحدث فیهما یحکی ویخبر عن وقوع حادثه غریبه جداً وأمر عظیم وهو قیام الساعه. ولعلّه لهذه الأسباب رکّزت الکثیر من الآیات على قیامه الجبال والبحار، وها نحن نشیر إلى الآیات التی وردت فی خصوص هاتین الظاهرتین:
البحار
لقد أخبر القرآن الکریم عن حاله البحار فی اللحظات الأخیره من عمر الدنیا فی ثلاث آیات استعمل فیها مصطلحین، هما: «سجّرت»، و«فجّرت» حیث قال سبحانه:
( إِذَا البِحارُ سُجِّرَتْ ) .( [۳۶])
وقال تعالى:
( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) .( [۳۷])
وقال تعالى فی الآیه الثالثه:
( وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ) .( [۳۸]) قال العلاّمه الطبرسی فی تفسیر مصطلحی «فجّرت» و «سجّرت»: أی «أُرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها حتى امتلأت»….
( وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ) :أی «فتح ببعضها فی بعض، عذبها فی ملحها وملحها فی عذبها فصارت بحراً واحداً».( [39]) فیصیر الجمیع بحراً واحداً على خلاف ما فی هذه الدنیا.
وهذا التفسیر هو الأصحّ بالنسبه إلى باقی التفاسیر التی ذکرها المفسّرون للمصطلحین، والشاهد على أصحّیه هذا التفسیر انّ القرآن الکریم عندما یتحدّث عن خصائص البحار فی هذه الدنیا یؤکّد على حقیقه انفصال الماء العذب عن الماء الأُجاج(المالح)، وانّه یوجد برزخ وفاصل بین البحرین حیث قال سبحانه:
( …هُوَ الَّذِی مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَیْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ) .( [۴۰])
وبقرینه ما جاء فی ذیل الآیه من قوله سبحانه: ( وَجَعَلَ بَیْنَهُما بَرْزَخاً ) یتّضح أنّ المراد من قوله: ( مرج ) لیس هو المزج والخلط، بل التقارن المکانی والتلاقی.
والشاهد على هذا المطلب أیضاً قوله تعالى فی آیه أُخرى:
( مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقِیانِ * بَیْنَهُما بَرْزَخٌ لا یَبْغِیانِ ) .( [۴۱])
ومن أنسب التفاسیر التی ذکرت لتفسیر الآیه هو: انّ هذه الآیه تشیر إلى بیان عظمه الحکمه والتدبیر الإلهی فی خلق البحار بالنحو الذی یوفّر الأرضیه المناسبه والشروط الصحیحه بنحو کامل لحیاه المخلوقات الحیّه وخاصه الإنسان منها، وذلک لأنّه وفقاً لنظریه علماء الطبیعه والبیئه أنّ ثلاثه أرباع سطح الکره الأرضیه تغمره المیاه المالحه، وانّ لهذه النسبه من المیاه دوراً بارزاً فی تلطیف ونقاء الهواء، والأُمور الأُخرى التی تحتاج إلیها حیاه الموجودات الحیّه، هذا من جهه ومن جهه أُخرى انّ المیاه العذبه تخزّن فی أعماق الأرض وتظهر إلى السطح من خلال العیون والآبار وغیر ذلک، لتوفّر الشرط المهم والعنصر الأساسی للحیاه.
وهذان النوعان من المیاه لا یمتزجان أبداً بنحو یتحوّل الماء المالح بأکمله إلى ماء عذب، أو یتحوّل الماء العذب بأکمله إلى ماء مالح، وذلک لأنّه على هذا الفرض تنعدم إمکانیه استمرار الحیاه بالنسبه للموجودات الحیّه.
أمّا إذا انتهى عمر الدنیا وانهار النظام الکونی، فحینئذ یرتفع الفاصل والحاجز بین المیاه المالحه والعذبه، والذی یبیّن ویؤکد تلک الحقیقه قوله تعالى: ( سُجّرت ) أو ( فُجّرت ) .( [۴۲])
حاله الجب الأوان قیام الساعه
وأمّا الجبال فقد وصف القرآن الکریم حالها فی أکثر الآیات التی تحدّثت عن حاله الأرض یوم القیامه، وهذه الآیات جمیعها تشیر إلى صوره مرعبه عن وضع العالم فی تلک اللحظات العسیره، ومن هذه الآیات قوله تعالى:
( وَسُیِّرَتِ الجِبالُ فَکانَتْ سَراباً ) .( [۴۳]) ومن الواضح انّ معنى السراب هو توهّم وتخیّل الماء، ولکنّه فی الحقیقه أُطلق هنا فی الآیه بنحو من التوسّع على کلّ شیء لا حقیقه له، ولکن قد یتوهّم انّ له حقیقه، والظاهر أن ّمعنى الآیه هنا انّها ترید أنّ الجبال بالرغم من عظمتها سوف تتلاشى وتندک بنحو لا یبقى من تلک الهیبه والعظمه أثر یذکر، وتنعدم تلک الموجودات وکأنّها لا حقیقه لها ولا أثر فی الخارج إلاّ صوره وهمیه.
ومن الآیات الأُخرى التی أشارت إلى وضع الجبال فی ذلک الیوم:
( وَإِذَا الْجِبالُ سُیِّرَتْ ) .( [۴۴])
( وَیَوْمَ نُسَیِّرُ الجِبالَ ) .( [۴۵])
( وتَسیرُ الجِبالُ سَیْراً ) .( [۴۶])
ومن الأوصاف التی وصف القرآن الکریم بها الجبال فی ذلک الیوم بعد وصفی السراب والسیر:
۱٫ العهن المنفوش:
( تَکُونُ الْجِبالُ کَالْعِهْنِ ) .( [۴۷])
( وَتَکُونُ الْجِبالُ کَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) .( [۴۸])
۲٫ النسف:
( وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ ) .( [۴۹])
۳٫ الرجف: الحرکه الشدیده:
( یَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالجِبالُ… ) .( [۵۰])
۴٫ الکثیب المهیل:
( وَکانَتِ الْجِبالُ کَثیباً مَهیلاً ) .( [۵۱])
۵٫ البسّ.
۶٫ الهباء المنبث.
کما جاء فی قوله تعالى: ( وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسّاً * فَکانَتْ هَباءً مُنْبَثّاً ) .( [۵۲])
۷٫ الدک:
( وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُکَّتا دَکَّهً واحِدَهً ) .( [۵۳])
نعم هذا هو مصیر الجبال فی نهایه عمر الدنیا، وهذه هی خاتمتها بالصوره التی بیّنتها الآیات الکریمه بعد أن کانت تلک الجبال مضرب الأمثال للثبات والصلابه والاستقامه، والتی کانت تمثل أوتاد الأرض التی تحفظها من أن تمید، یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام) :
«ووطّد بالصخور میدان أرضه».( [54])
کما أنّ القرآن قد وصفها فی الدنیا بقوله: ( وَالْجِبالَ أَوتاداً ) .( [۵۵])
( وَالجِبالَ أَرْساها ) .( [۵۶])
( أَفلا یَنْظُرُونَ إِلى الجِبالِ کَیْفَ نُصِبَت ) .( [۵۷])
فهذه الجبال بعظمتها وهیبتها تقلع من وجه الأرض وتسیر وتکون کالسراب وتتحوّل إلى تل من التراب، أو تصبح کالعهن المنفوش، أی کالصوف المنفوش،وفی النهایه تتحوّل إلى ذرات متناثره، فی هذا الکون. أیّ صوره مهیبه ومرعبه ترسمها لنا ریشه الجلال الإلهی، بنحو یختل کلّ النظام الکونی ویعیش العالم فی ظلام دامس وموحش وجمود وذبول باعث على الغم.
وبهذا یُطوى ملف الحیاه الدنیا، ولکن ذلک لا یعنی بوجه من الوجوه نهایه الحیاه الحقیقیه، بل هو فی الواقع یمثّل البشاره والأمل فی بدایه حیاه جدیده وخالده، الحیاه التی عبّر عنها القرآن الکریم بالقیامه، واعتبر تلک الحوادث العجیبه والغریبه فی العالم علامات وأشراط لقرب تلک الحیاه الجدیده والأبدیه.( [۵۸])
[۱] . محمد: ۱۸٫
[۲] . لسان العرب:۷/۳۲۹، ماده « شرط » .
[۳] . بحار الأنوار:۲/۲۶۳، الحدیث۱۲، و ج۱۶/۲۵۶، الحدیث ۳۶٫
[۴] . مجمع البیان:۵/ ۱۰۲٫
[۵] . القمر: ۱٫
[۶] . الزخرف: ۶۱٫
[۷] . الأنبیاء: ۹۸٫
[۸] . تفسیر نور الثقلین:۳/ ۴۵۹٫ و الآیه ۱۰۱ من سوره الأنبیاء.
[۹] . جامع الأُصول:۱۱/۴۷، باب أشراط القیامه، الحدیث ۷۸۰۸٫
[۱۰] . تفسیر المیزان:۱۸/ ۱۱۸٫
[۱۱] . من أراد التفصیل فعلیه بمراجعه: بحار الأنوار:۶/۲۰۶ـ۲۰۹، باب أشراط الساعه، وجامع الأُصول لابن الأثیر:۱۱/۴۷ـ ۹۴٫
[۱۲] . صحیح مسلم:۸/۱۷۹، باب فی الآیات التی قبل الساعه من کتاب الفتن. وقد روى تلک الروایه المرحوم الصدوق فی کتاب الخصال، ولکنّه لم یذکر العلامه العاشره فیها. ونقل الروایه أیضاً فی البحار:۶/۳۰۳ نقلاً عن الخصال.
[۱۳] . بحار الأنوار:۶/۲۰۶ـ ۲۰۹٫
[۱۴] . الانشقاق:۱ ، لاحظ: الحاقه:۱۶، الفرقان: ۲۵٫
[۱۵] . الانفطار:۱، ولاحظ: المزمل: ۱۸٫
[۱۶] . النبأ: ۱۹٫
[۱۷] . المرسلات: ۹٫
[۱۸] . الأنبیاء: ۱۰۴٫
[۱۹] . إبراهیم: ۴۸٫
[۲۰] . الطور: ۹٫
[۲۱] . المعارج: ۸٫
[۲۲] . الدخان: ۱۰٫
[۲۳] . الرحمن: ۳۷٫
[۲۴] . التکویر: ۱۱٫
[۲۵] . فصلت: ۱۱٫
[۲۶] . الدخان: ۱۰٫
[۲۷] . الزلزله: ۱٫
[۲۸] . الکهف: ۴۷٫
[۲۹] . إبراهیم: ۴۸٫
[۳۰] . ق: ۴۴٫
[۳۱] . الفجر: ۲۱٫
[۳۲] . الواقعه: ۴٫
[۳۳] . الانشقاق: ۳٫
[۳۴] . الرعد:۳، الحجر:۱۹، ق: ۷٫
[۳۵] . الانشقاق: ۳٫
[۳۶] . الانفطار: ۳٫
[۳۷] . الطور: ۶٫
[۳۸] . التکویر: ۶٫
[۳۹] . مجمع البیان:۵/۴۴۳و ۴۴۹٫
[۴۰] . الفرقان: ۵۳٫
[۴۱] . الرحمن:۱۹ـ ۲۰٫
[۴۲] . انظر المیزان:۲۰/ ۱۱۲٫
[۴۳] . النبأ: ۲۰٫
[۴۴] . التکویر: ۳٫
[۴۵] . الکهف: ۴۷٫
[۴۶] . الطور: ۱۰٫
[۴۷] . المعارج: ۹٫
[۴۸] . القارعه: ۵٫
[۴۹] . المرسلات: ۱۱٫
[۵۰] . المزمل: ۱۵٫
[۵۱] . المزمل: ۱۵٫
[۵۲] . الواقعه:۵و ۶٫
[۵۳] . الحاقه: ۱۴٫
[۵۴] . نهج البلاغه: الخطبه الأُولى.
[۵۵] . النبأ: ۷٫
[۵۶] . النازعات: ۳۲٫
[۵۷] . الغاشیه: ۱۹٫
[۵۸] . منشور جاوید:۹/۲۴۲ـ ۲۶۸٫