المراد من التأویل

0

یقول الراغب فی مفرداته: «التفسیر» یقال فیما یختص بمفردات الألفاظ.( [۱]) والحال انّ التأویل أکثر ما یستعمل فی المعانی والجمل، فقال الراغب: التأویل: من الأول، أی الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذی یرجع إلیه.( [۲])
قال صاحب «کشف الظنون»: قال الراغب: التفسیر أعمّ من التأویل وأکثر استعماله فی الألفاظ ومفرداتها وأکثر استعمال التأویل فی المعانی والجمل وأکثر ما یستعمل فی الکتب الإلهیه.
وقال غیره: التفسیر بیان لفظ لا یحتاج إلاّ وجهاً واحداً، والتأویل توجیه لفظ متوجه إلى معان مختلفه إلى واحد منها بما ظهر من الأدلّه.( [۳]) ومن خلال هذه التعاریف والتعاریف الأُخرى للتأویل والتفسیر یتّضح أنّ تفسیر الآیه لدى طائفه من المفسّرین غیر تأویلها. فتوضیح الآیه من جهه مفرداتها، والهیئه الترکیبیه وباقی الخصوصیات المتعلّقه بظاهر الآیه یکون تفسیراً للآیه، والحال انّ إرجاع الآیه إلى المراد النهائی منها وبالاستعانه بالآیات الأُخرى والروایات وسائر الأدلّه العقلیه والنقلیه، یکون تأویلاً للآیه.
إنّ الاتّجاه العام لدى المفسّرین فی القرنین الثالث والرابع (کالطبری) فی تفسیره «جامع البیان» یمیلون إلى الترادف بین مصطلحی «التأویل» و«التفسیر»، ولذلک نراهم یطلقون على تفسیر الآیه لفظ «تأویل الآیه»، وهذا النوع من الاستعمال یشعر بأنّهم یذهبون إلى الترادف بین المصطلحین کما قلنا، إلاّ أنّ الاتّجاه الآخر ـ و هو اتّجاه من تأخّر عنهم من المفسّرین ـ یذهب إلى أنّ التفسیر یخالف التأویل، وانّ لکلّ من المصطلحین مجاله الخاص به.
وعلى کلّ حال سواء قلنا: إنّ هذا التفصیل بین التأویل والتفسیر صحیح أم لا، فإنّ المفسّرین ولقرون متمادیه قد ساروا على هذا المنهج واعتبروا انّ تفسیر الآیه یغایر تأویلها، حیث اعتبروا التفسیر هو کشف الستار وتوضیح وبیان مفردات الآیه وجملها. والحال انّ التأویل هو إرجاع الآیه إلى المراد النهائی منها.
ثمّ إنّ لأُستاذنا الکبیر العلاّمه الطباطبائی فی هذا المجال نظریه خاصه ذکرها فی تفسیره للآیه السابعه من سوره آل عمران.
ولا ریب انّ مصطلحی «التأویل» و «التفسیر» کلاهما یستعمل ویستفاد منه لرفع الإبهام والغموض الموجود فی الآیه، ولکن کلّما کان الإبهام والغموض یتعلّق بمعانی مفردات الآیه ومضمون الجمله أو الجمل،یطلق على هذا الرفع عنوان التفسیر، وأمّا إذا کان الإبهام والغموض متعلّقاً بالمقصود النهائی من الآیه وناتجاً من کثره الاحتمالات وتعدّد الوجوه المراده من الآیه، فحینئذ یطلق على عملیه رفع الإبهام هنا وتعیین المحتمل النهائی أو الوجه المراد منها، لفظ التأویل.
وبعباره أُخرى: انّ التفسیر: إزاحه الستار عن معنى و مضمون مفردات وجمل الآیه بنحو یتّضح فیه معنى ألفاظ وجمل الآیه الوارده فیها، ومن المعلوم هنا أنّه لا یمکن القول إنّ للتفسیر مرحلتین: المرحله الأوّلیه، والمرحله النهائیه، أو المراد الأوّلی والمراد النهائی، وإنّما یوجد مضمون واحد لا غیر یتّضح وبصوره تامّه من خلال معرفه معانی المفردات والجمل، أو من خلال التعرّف على سبب النزول أو سیاق الآیات.
والحال انّ فی «التأویل» مضمون الآیه ـ مفردات و جمل ـ واضح جدّاً، ولکن نفس هذا المضمون قد یکون کنایه عن المراد النهائی أو یکون جسراً للعبور إلى المعنى الآخر للآیه، وحینئذ تکون عملیه إرجاع الآیه إلى المراد والمقصود النهائی تأویلاً للآیه، ویطلق على تلک العملیه«تأویل الآیه».( [4])
[۱] . مفردات الراغب:۳۸۰، ماده « فسّر » .
[۲] . مفردات الراغب:۳۱، ماده « أول » .
[۳] . کشف الظنون:۱/۲۴۲ بحث « علم التأویل » ، و۲۹۷ بحث « علم التفسیر » و قد ذکر فی هذین البحثین نظریات وآراء متقاربه جداً حول التفاوت والاختلاف بین التأویل والتفسیر، أعرضنا عن ذکرها روماً للاختصار.
[۴] . منشور جاوید:۳/۲۲۷، ۲۲۹، ۲۴۷، ۲۴۸٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.