ما هی حقیقه العصمه؟
الجواب: یمکن القول وبصوره مختصره انّ حقیقه العصمه هی الدرجه القصوى من التقوى، أی انّ العصمه ترجع إلى التقوى، بل هی الدرجه العلیا منها، فما توصف وتعرّف به التقوى توصف و تعرّف به العصمه، فکلّما تصوّرنا معنى للتقوى نجد ذلک المعنى وبصوره أکمل موجوداً فی العصمه، فإذا قلنا: إنّ التقوى حاله نفسانیه تعصم الإنسان عن اقتراف الکثیر من القبائح والمعاصی فلابدّ من القول أیضاً: إنّ العصمه ملکه نفسانیه راسخه فی النفس،تعصم الإنسان عن ارتکاب الذنب بصوره مطلقه فلا یرتکب المعاصی مطلقاً، بل لا یفکّر فیها أبداً ولا یحوم حولها. وعلى هذا الأساس عرّف المحقّقون العصمه بأنّها: قوّه تمنع الإنسان عن اقتراف المعصیه والوقوع فی الخطأ.( [۱])
وبعباره أُخرى: العصمه ملکه نفسانیه راسخه فی النفس لها آثار خاصه لا تنفک عنها کسائر الملکات النفسانیه کالشجاعه والعفّه والسخاء فإنّها جمیعاً من الصفات التی ترسخ فی النفس الإنسانیه وتستحکم وتتطلب آثاراً خاصه بها. فإذا کان الإنسان شجاعاً وجسوراً، سخیاً وباذلاً، عفیفاً و نزیهاً یطلب فی حیاته معالی الأُمور ویتجنب عن سفاسفها،فیطرد ما یخالف ذلک من الآثار کالخوف والجبن والبخل والإمساک والقبح والسوء ولا یرى فی حیاته أثراً منها، ولا ریب أنّ العصمه من هذه المقوله، فإذا بلغ الإنسان درجه قصوى من التقوى والعفاف والنزاهه، وصارت تلک حاله راسخه فی نفسه یصل حینئذ إلى حدّ لا یُرى فی حیاته أثر للعصیان والطغیان والتمرد والتجری والانحراف، وتصیر نفسه نقیّه عن کلّ أنواع المعصیه.
ولکنّ هناک سؤالاً یطرح نفسه وهو: کیف یصل الإنسان إلى هذا المقام من التقوى والخشیه من اللّه؟ وما هی العوامل التی تساعده وتمکّنه من الوصول إلى هذه الحاله بحیث تسمو نفسه إلى درجه لا یفکر بالمعصیه؟
العصمه النسبیه والمطلقه
لکی یتّضح المطلب جلیّاً لابدّ من الإشاره إلى أنّ العصمه المطلقه تختص بطبقه خاصه من الناس وهم الأنبیاء والأئمّه (علیهم السلام) ، ولکنّ العصمه النسبیه ـ ونعنی بها المصونیه فی مقابل بعض الذنوب ـ لا تختص بالأنبیاء والأئمّه فقط. بل تعمّ الکثیر من الناس الشرفاء فإنّ الإنسان الشریف وإن کان غیر معصوم من جمیع الذنوب، وأنّه یقترف بعض المعاصی، لکنّه وبلا ریب یجتنب عن بعضها اجتناباً تاماً بحیث یتجنّب عن التفکیر بها فضلاً عن ارتکابها، وعلى سبیل المثال الإنسان الشریف لا یتجول عاریاً فی الشوارع والطرقات، ویعدّ ذلک من الذنوب والقبائح الکبیره التی لا ینبغی ارتکابها، بل لا ینبغی التفکیر بها، کما أنّ کثیراً من الناس معصومون من اقتراف السرقه المسلّحه وقتل الإنسان البریء وکذلک الانتحار، أی انّهم یمتلکون حاله نفسانیه تعتبر کلّ تلک الأفعال من الأُمور القبیحه التی ینبغی للإنسان التنزّه عنها والتنفّر حتّى من التفکیر فیها.
إذا تعرفنا على العصمه النسبیه التی هی موجوده لدى غالب الأفراد تقترب حینئذ حقیقه العصمه المطلقه فی أذهاننا، ویمکن لنا حینئذ التعرف على ماهیّتها بحیث یمکننا أن نعرفها : بأنّها قوّه باطنیه وحاله نفسانیه ونوع من التقوى والنزاهه الداخلیه تمنع صاحبها من التفکیر فی الذنب فضلاً عن ارتکابه. وإذا ما سلبت هذه الحاله منه یعود إنساناً عادیاً یتصف بالعصمه النسبیه فقط لا العصمه المطلقه.
العصمه نتیجه العلم بعواقب المعاصی
هناک نظریه أُخرى لتبیین حقیقه العصمه یذهب إلیها بعض المحقّقین، ومفادها: إنّ العصمه عباره عن وجود العلم القطعی الیقینی بعواقب المعاصی و الآثام، علماً قطعیاً لا یغلب ولا یدخله شکّ ولا یعتریه ریب.( [۲])
ومعنى کلام العلاّمه الطباطبائی (قدس سره) : انّ العلم الذی لا یغلب هو العلم بلوازم الذنوب، ومن المسلّم انّه لیس کلّ علم بلوازم الذنوب یبعث على المصونیه والعصمه من الذنب، بل ینبغی أن یکون العلم بدرجه من القوّه والشدّه بحیث تتجسّد آثار الذنوب أمام الإنسان ویراها ببصیره القلب، ففی مثل هذه الحاله یصبح صدور الذنب من ذلک الإنسان من قبیل المحال العادی، أی یستحیل عادهً أن یصدر منه الذنب. وهذه النظریه لا تتنافى مع ما ذکرناه فی النظریه الأُولى، بل النظریه الثانیه تمثّل الأساس من النظریه الأُولى، وذلک:
إنّ حاله الخشیه المطلقه من اللّه، وبتعبیر آخر: «الدرجه القصوى من التقوى»لا یمکن أن تتحقّق من دون العلم القطعی بلوازم وتبعات المعصیه والذنب، وذلک لأنّ الإنسان المعصوم بسبب علمه یدرک ویلمس آثار وتبعات الذنوب، وبذلک یستطیع أن یُؤمن نفسه من الإصابه بتلک الأُمور حیث إنّه یرى ومن هذا العالم الدنیوی مقامات أصحاب الجنه ودرکات أصحاب الجحیم ویحسّ لهیب جهنم بنحو ودرجه یمتنع عندها ظهور أیّ عامل من عوامل ارتکاب الذنوب فی روحه وفی نفسه، ویکون فی الواقع حقیقه ومصداقاً لقوله تعالى:
( کَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْیَقینِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحیمَ ) .( [۳])
فانّه فی ظلّ علم الیقین الذی یحمله یطلُّ من هذه الدنیا على العالم الآخر لیرى ما فیه وتتّضح له الصوره حتّى یستحیل علیه أن یحوم حول الذنب أو یفکّر فیه، ومن هذا المنطلق نرى أنّ العلاّمه الطباطبائی (قدس سره) یرى أنّ العصمه من مقوله العلم القطعی، وأنّ هذا العلم القاطع ینتج درجه عالیه من التقوى، وفی النتیجه انّ النظریتین منسجمتان انسجاماً تاماً ولا تنافی بینهما.
العصمه نتیجه الاستشعار بعظمه الرب وکماله وجماله
إنّ هنا نظریه ثالثه لتفسیر حقیقه العصمه بأنّها استشعار العبد بعظمه الخالق وحبّه وتفانیه فی معرفته وعشقه له یصدّه عن سلوک ما یخالف رضاه سبحانه.
إنّ الإنسان المعصوم وبسبب معرفته القصوى بمعدن الکمال المطلق وجماله وجلاله یجد فی نفسه انجذاباً نحو الحقّ وتعلّقاً خاصاً به بحیث لا یستبدل برضاه شیئاً، وهذا الکمال المطلق یؤجج فی نفسه نیران الشوق والمحبه ویدفعه إلى أن لا یبتغی سواه، ولا یطلب سوى إطاعه أمره وامتثال نهیه، ویصبح کلّ ما یخالف أمره ورضاه منفوراً لدیه وقبیحاً فی نظره أشدّ القبح وعندئذ یصبح هذا الإنسان مصوناً عن المخالفه بعیداً عن المعصیه بحیث لا یؤثر على رضاه شیئاً وإلى ذلک یشیر أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) بقوله:
«ما عَبَدْتُکَ خَوْفاً مِنْ نارِکَ وَلا طَمَعاً فِی جَنَّتِکَ بَلْوَجَدْتُکَ أَهْلاً لِلْعِبادَهِ».( [4])
وعلى هذا الأساس سواء قلنا: إنّ العصمه معلوله للکمال النفسانی والروحی للمعصوم، أو إنّها نتیجه العلم القطعی الذی لا یغلب، أو إنّها استشعار المعصوم بعظمه الرب، فعلى کلّ حال تکون العصمه غیر خارجه عن ذات الإنسان الکامل، بل هی قوّه فی النفس تعصم الإنسان عن الوقوع فی مخالفه الرب سبحانه، ولکن هناک بعض الروایات تصرّح بأنّ العصمه نتیجه لأمر خارجی یطلق علیه «روح القدس» یعصم الأولیاء من ارتکاب الخطأ، وهذا ما سنبحثه فی مکان آخر.
[۱] . المیزان:۲/۱۴۲، ط طهران.
[۲] . المیزان:۲/ ۸۲٫
[۳] . التکاثر:۵ـ ۶٫
[۴] . عوالی اللآلی:۱/ ۴۰۴٫