عصمه الأنبیاء (علیهم السلام) عند المذاهب الإسلامیّه
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِیمِ
یؤکد جمیع المسلمین على ضروره عصمه الأنبیاء، وهی من المسائل المتفق علیها لدى علماء المسلمین، إذ یعتقد جمیعهم بأن أنبیاء الله معصومون، وإنما اختلفت وجهات نظرهم بشأن جمله من التفاصیل التی سنشیر إلیها فی معرض حدیثنا.
یمکن أن نقول ـ کما سنرى من الآیات القرآنیه وإجماع المتقدمین من علماء المسلمین ومتأخریهم ـ: إن موضوع عصمه الأنبیاء حقیقه مفروغ منها ومتفق علیها، ومع کل ذلک یقول(کلدزیهر):(إن الاعتقاد بعصمه الأنبیاء یتناقض ـ بدون شک ـ وآراء الطبقه الأولى من المسلمین، حیث إنهم سمعوا من لسان الرسول أنه اعترف بالخطأ وهو بحاجه إلى التوبه أیضاً)(۱).
وقد خطأ مستشرق آخر خطوه أوسع، فادعى أن نظریه عصمه الأنبیاء ابتدعتها الشیعه؛ لیبرروا بها فکره عصمه أئمتهم(۲).
إن أقوال هذین المستشرقین عاریه من الصحه، ومغایره للکتاب والسنه، ومخالفه لما تتفق علیه عامه المسلمین، ولا یستبعد أن تکون الغایه من أقوالهم هذه إثاره الفرقه والاختلاف بین المسلمین، والتشکیک فی واحد من أهم أصولهم الاعتقادیه، وما یتقوله گلذریهر بأن النبی قد اعترف بالخطأ له معنى آخر. وقد علاج الإسلام هذه المواقف ومواقف أخرى تماثلها بإسهاب وتفصیل سنتطرق له لاحقاً.
إن أصل فکره عصمه الأنبیاء له جذر قرآنی، فقد ورد فی عده آیات وإن لم یصرح فیها بمصطلح العصمه کقوله تعالى: (إنا أرسلناک بالحق بشیراً ونذیراً ولا تسأل عن أصحاب الجحیم)(۳). وقوله تعالى: (أولئک الذین هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألکم علیه أجراً إن هو إلاّ ذکرى للعالمین)(۴).
وقوله تعالى:(عالم الغیب فلا یظهر على غیبه أحدا إلاّ من ارتضى من رسول فإنه یسلک من بین یدیه ومن خلفه رصد)(۵).
ویمکن القول بأن مصطلح العصمه هو کغیره من المصطلحات الکلامیه الأخرى التی استحدثت فیما بعد، وقد ورد بهذا المعنى فی روایات نقلت عن أئمه أهل البیت المعصومین: کالروایه الوارده عن الإمام الصادق (علیه السلام)(۶). وهی تدل على أن مصطلح العصمه کان شائعاً ومستعملاً عند المسلمین فی عصر الإمام الصادق (علیه السلام)، وربما استعمل مصطلح التنزیه بدلاً منه فی ذلک العصر أیضاً(۷).
وقد استدل العلماء بأدله مختلفه عقلیه ونقلیه، وعقلیه نقلیه فی آن واحد لإثبات عصمه الأنبیاء، وهنا لابد من الإشاره لبعض ما استدل به هؤلاء المتکلمون على
العصمه:
۱ ـ لقد بُعث أنبیاء الله تعالى لیبینوا للناس منافعهم، إذ لولاهم لما عرف الناس مصلحتهم ولما انتفعوا بها، وعلى هذا الأساس فإن بعثه الأنبیاء بنفسها مصلحه کبرى للمجتمع، وقد ثبت أن الله سبحانه أوجب على نفسه ـ وفقاً لمقتضى اللطف ـ أن یؤدی کل مصلحه بأتم صورهٍ، ونحن نعلم: أن الأنبیاء إذا کانوا معصومین فإن کلامهم سیکون أکثر تأثیراً، ویجد مکانه من القبول فی النفوس، وتأسیساً على ذلک فإن الأنبیاء ینبغی أن تکون لدیهم هذه الحاله من العصمه(۸).
۲ ـ بما أن معجزات الأنبیاء تدل على صدق دعواهم فإن ذلک یقتضی أن یکون الأنبیاء معصومین من ارتکاب الکذب والذنب، فکما أن المعجزه تدل على نفی الکذب فی تأدیه الرساله بدون واسطه فإنها کذلک تدل على نفی المعاصی بواسطه، علماً بأن النبی عندما یأتی بالمعجزه فذلک دلیل على تأیید الله وتصدیقه له، ولو قدر للنبی أن ینسب شیئاً إلى الله کذباً ـ لا سمح الله ـ فهذا یعنی: أن الله یصدق ویؤید الکاذب، وهذا قبیح بحد ذاته. وأما فیما یتعلق بسائر الذنوب التی لا تمت بالرساله بصله فنقول:
إن المعجزه تدل على أنه ینبغی أن یتبع النبی ویصدق فی کلامه، ولما کان ارتکاب الذنب باعثاً على النفور عنه ولا یستطیع الإنسان أن یتبع إنساناً مرتکباً للخطیئه باطمئنان خاطر وراحه بال لذا فإن المعجزه تدل على نفی المعاصی عن الأنبیاء بواسطه. وقد استدل السید المرتضى ـ رحمه الله ـ بهذا الدلیل المتقدم فی کتبه الکلامیه(۹).
۳ ـ لو قدر للأنبیاء أن یبدر الذنب منهم فلا یصح ـ حینئذٍ ـ الاقتداء بهم فی ارتکاب مثل هذا الذنب؛ لأن ارتکاب الذنب حرام، مع أن الاقتداء والتأسی بهم واجب بإجماع الأمه وبنص الآیات القرآنیه.
۴ ـ لو قدر أن یصدر ذنب عن الأنبیاء فإن شهادتهم سترد فی الأمور الاعتیادیه، فکیف یمکن إذن قبولهم شهادتهم فی أمر خطیر کالاعتقاد بالله والیوم الآخر أو أمور الدین الأخرى مثلاً ؟ !
۵ ـ لو قدر أن یصدر عن الأنبیاء ذنب ما فالواجب عند ذلک یقتضی منعهم وزجرهم، وهذا یعد إیذاء لهم، ونحن نعلم: أن إیذاء النبی حرام بإجماع الأمه وبنص القرآن، ومستوجب للعنه الله. وهذه الأدله الثلاثه الأخیره ـ إضافه إلى أدله أخرى ـ وردت فی شرح المواقف(۱۰).
۶ ـ إن الغرض من بعثه الأنبیاء لا یتحقق إلاّ بعصمتهم؛ لأنه لو احتمل قوم ما صدور الکذب أو الذنب عن النبی المبعوث إلیهم فإنهم لا یرکنون إلیه ولا یطمئنون لکلامه، ولذا فإنهم لا یتبعونه.
وقد استدل الشیخ نصیر الدین الطوسی والعلامه الحلی والفاضل المقداد بهذا الدلیل(۱۱).
وإضافه إلى ما ورد أعلاه فقد ذکرت أدله کثیره على عصمه الأنبیاء، فأعرضنا عن ذکرها هنا، وکان منها خمسه عشر دلیلاً للفخر الرازی(۱۲)، إلاّ أننا أوردنا أهمها.
موارد العصمه:
لقد نوهنا إلى أن جمیع المسلمین متفقون على لزوم عصمه الأنبیاء، والاختلاف کل الاختلاف یکمن فی المسائل الجزئیه، فطرحت الآراء حول نوع الذنب، وزمانه، وکیفیه ارتکابه، وتضمنت هذه الآراء النقاط التالیه:
۱ ـ العصمه فی المعتقد: وهو: أن لا یکون النبی مشرکاً أو کافراً، وأن أحداً لم
یراوده الشک فی هذه الحقیقه، سوى بعض الخوارج، فقد نقل عن ابن فورک وبعض الحشویه جواز بعث من کان کافراً(۱۳).
۲ ـ العصمه فی تبلیغ الرساله: ولم یشک أحد فی هذه النقطه أیضاً؛ لأن المعجزه تدل على صدق النبی، وبناء على ذلک فإن تجویز الکذب مساو لبطلان المعجزه. ونقل عن أبی بکر الباقلانی ـ وحده ـ جواز الکذب فی أداء الرساله إذا کان غیر متعمد، وقد کفره بعض مؤلفی الملل والنحل بعد الإدلاء بهذا الرأی الغریب(۱۴).
۳ ـ العصمه فی العمل بالأحکام: وهی کون الأنبیاء مصونین عن ارتکاب الذنب والمعصیه، ویکمن الاختلاف فی تعیین أطرها وزمانها، فالشیعه یرون: أن الأنبیاء منزهون عن ارتکاب الذنوب، صغائرها وکبائرها طیله حیاتهم، سواء قبل البعثه أو بعدها ، وهم لا یرتکبون الذنوب، لا عمداً ولا سهواً(۱۵). وقد جوزت فرقه صغیره ارتکاب کبائر الذنوب وصغائرها للأنبیاء، سوى الکذب المتعمد أثناء الدعوه(۱۶).
وممن قال بالجواز أیضاً هم: الحشویه، والکرامیه، والباقلانی من الأشاعره، إلاّ أن الأکثریه الساحقه من المعتزله والأشاعره یعتقدون أن الأنبیاء معصومون عن الکبائر، ولکنهما یتفاوتان فی الطریقه. فالمعتزله یثبتون ذلک عن طریق العقل، إلاّ أن الأشاعره ـ وکدأبهم ـ یستدلون على إثباته عن طریق السمع.
وأما فیما یتعلق بصغائر الذنوب: فأغلب المعتزله ـ ومنهم: القاضی عبد الجبار ـ یذهبون إلى جواز صدور الذنب الصغیر عنهم(۱۷)، شریطه أن لا یکون باعثاً على
الاستخفاف بالنبی صلى الله علیه وآله.
أما أبو علی الجبائی فلا یجیز صدور الصغائر عن الأنبیاء، إلاّ إذا کان سهواً، أو عن طریق الخطأ فی التأویل(۱۸).
أما الأشاعره: فیعتقد أکثرهم بأن الکبائر والصغائر لا تصدر تعمداً عن الأنبیاء.
ویقول البغدادی:(أجمع أصحابنا على أن الأنبیاء بعد البعثه معصومون عن جمیع الذنوب)(۱۹).
ویقول الشهرستانی:( القول الصحیح: إن الأنبیاء معصومون عن الذنوب الصغیره کما أنهم معصومون عن الذنوب الکبیره؛ لأن الصغائر لو تکررت تبدلت إلى کبائر)(۲۰).
ویقول التفتازانی:(مذهبنا: أن الأنبیاء لا یرتکبون الذنوب الکبیره ولا الصغیره عن عمد، ولو ارتکبوا الذنب الکبیر سهواً فإنهم لا یصرون علیه وینتبهون إلى ذلک فوراً)(۲۱).
أما أبو منصور الماتریدی: ـ وهو أحد أئمه الجمهور الذی یتفرد بأسلوب کلامی خاص به ـ فلا یرى جواز ارتکاب الأنبیاء للصغائر، وقد ظهر ذلک فی شرحه لکتاب أبی حنیفه الموسوم بـ(الفقه الأکبر) علماً بأن مؤلف الفقه الأکبر کان یعتقد بتنزیه الأنبیاء کافه عن الصغائر والکبائر والقبائح والکفر(۲۲).
وأما فی ما یتعلق بزمان العصمه: فإن رجال الشیعه ـ وکما أسلفنا ـ یقولون
بعصمه الأنبیاء، سواء قبل بعثتهم أو بعدها، إلاّ أن الأغلبیه الساحقه من المعتزله والأشاعره ترى أن عصمه الأنبیاء تتحقق فیهم بعد البعثه وتقول:
(إنه لا مانع من ارتکاب الأنبیاء المعاصی قبل بلوغهم مقام النبوه أو الرساله)(۲۳).
وهذا الاختلاف فی وجهات النظر ینعکس على أدله العصمه أیضاً، لذا نرى أن أدله المتکلمین من غیر الشیعه لا تشمل العصمه قبل البعثه: کالدلیل الثالث والرابع والخامس من الأدله المذکوره فی بدایه البحث، لکن أدله الشیعه على إثبات کون العصمه تشمل زمان ما قبل بعثه الأنبیاء وما بعدها کالدلیل الثانی(دلیل النفور) والدلیل السادس(دلیل الرکون والاطمئنان). وهناک أمر آخر ینبغی إضافته وهو: ما نسبه بعض مؤلفی کتب الملل والنحل: کالأشعری والبغدادی إلى هشام بن الحکم ـ أحد متکلمی الشیعه، ومن أجلاء أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) أنه لا یقول بعصمه الأنبیاء مع اعتقاده بعصمه الأئمه !! وأنه قال: إن الأنبیاء یوحى إلیهم فینصلحون، أما الأئمه فلا یوحى إلیهم(۲۴).
ونحن لا نعلم بصحه وسقم ما نسب إلى هشام، إذ لم یرد فی مصادر الشیعه ما یدل على ذلک، وإذا کان قد صدر عنه فعلاً فلابد من تبریره، والبحث عن محمل صحیح له، إذ أن الشیعه یعتقدون بضروره عصمه الأنبیاء، وهذا أصل مسلم به.
ولعل الأستاذ عبد الله نعمه أصاب حین قال:(إذا کان لابد من عصمه الأنبیاء الذین یوحى إلیهم وینبهون على ذنوبهم من خلال هذا الوحی إذن فالإمام الذی لا یوحى إلیه یکون ـ من باب أولى ـ معصوماً، وبناء على ذلک فإن کلام هشام قیل فی مقام الاستدلال على عصمه الأئمه، وورد على سبیل الافتراض فقط)(۲۵).
حقیقه العصمه:
العصمه ـ کما یراها المتکلمون ـ هی: عباره عن ظهور حاله خاصه تعتری شخصاً ما تحصنه من ارتکاب الذنوب على الإطلاق، ویکون معها مصاناً من الخطأ والزلل(۲۶).
وهنا ینبغی أن نعرف ماهیه الأسباب التی تؤدی إلى ظهور هذه الحاله لدى الشخص، وکیف یمکن للإنسان أن یصل إلى مرحله لا یذنب معها ولا یصدر عنه خطأ أبداً ؟ وتوجد فی هذا الصدد عده نظریات أهمها:
۱ ـ إن العصمه: هی ضرب من اللطف والموهبه الإلهیه التی یخص بها بعض الناس، بحیث تحجبهم عن ارتکاب المعاصی، ولا تصل إلى درجه الإلزام والإجبار، فهذه الملکه لیست من القوه بحیث یمکنها أن تردع الشخص من ارتکاب الخطیئه.
یقول الشیخ الزنجانی:(العصمه: لطف یمتنع من یختص به عن فعل المعصیه ولا یمنعه على وجه القهر)(۲۷).
ویقول السید المرتضى:( العصمه: هی لطف إلهی للعبد یمتنع معها عن اختیار فعل القبیح مع التمکن علیه)(۲۸).
ویقول العلامه الحلی:( العصمه: هی لطف إلهی یخص به المکلف بحیث لا یکون هناک موجب لارتکاب المعصیه وترک الطاعه بالرغم من تمکنه من ذلک)(۲۹).
ویقول ابن أبی الحدید المعتزلی:(یرى أصحابنا المعتزله: أن العصمه لطف إلهی یمتنع المکلف بوجوده عن فعل القبیح مختاراً)(۳۰).
ووفقاً لهذه النظریات فإن العصمه موهبه إلهیه یفیضها على الشخص لما لدیه من مؤهلات، إلاّ أن الاختیار فی الوقت ذاته هو من قبل الشخص نفسه. وبعباره أخرى: لا یوجد فی ذلک الشخص موجب لارتکاب المعصیه مع قدرته علیه.
۲ ـ العصمه: هی نوع من المشیئه الإلهیه، بحیث یمنح الباری ـ عز وجل ـ الأنبیاء القدره على الطاعه، ولم یمنحهم القدره على ارتکاب المعصیه، وهذه النظریه یقول بها الأشاعره والجمهور، وفقاً لرأیهم فی مسأله أفعال العباد فقد فسروا العصمه بهذا المعنى.
ویقول البغدادی:(إن عصمه الأنبیاء ـ وفقاً لمبدأنا ـ لا یمکن أن تصح إلاّ حین نقول: إن الله أعطاهم القدره على الطاعه، وسلبهم القدره على المعصیه)(۳۱).
ویقول اللایجی:( إن حقیقه عصمه الأنبیاء هی: أن الله لم یخلق فی کیانهم المعصیه)(۳۲).
ویقول ابن أبی شریف:( إن العصمه: عباره عن منح الله الأنبیاء القدره على الطاعه، بحیث لم یودع فیهم القدره على المعصیه)(۳۳). ووفقاً لهذا الرأی فإن الأنبیاء مکرهون على عدم ارتکاب الذنوب، وبناء على ذلک فإنهم غیر جدیرین بالمدح
والإثابه على أفعالهم.
أما الأشاعره: فإنهم ـ وفقاً لعقیدتهم فی مسأله الجبر والاختیار ـ وبالرغم من إیمانهم بالجبر لا ینکرون التکلیف والثواب والعقاب، وهم یرون أیضاً: أن الأنبیاء یستحقون الثواب والمدح فی ترک المعاصی(۳۴).
۳ ـ العصمه: هی ملکه لا تصدر المعصیه عن صاحبها، وقد نقل هذه النظریه عن الحکماء الشیخ نصیر الدین الطوسی(۳۵). وقد ورد فی کلمات بعض المتکلمین: التعبیر عن العصمه بالملکه، إلاّ أنهم قالوا:( إن هذه الملکه هی لطف إلهی)(۳۶).
وتنحصر أسباب ظهور ملکه العصمه ـ باعتبارها لطفاً إلهیاً ـ فی النقاط التالیه:
أ ـ أن تتوفر فی نفس الشخص أو بدنه مؤهلات توجد فیه ملکه الامتناع عن الفجور.
ب ـ أن تتوفر لدى الشخص المعرفه بقبح الذنوب وحسن الطاعات.
ج ـ أن تتعزز هذه المعرفه بوحی الله وبیانه.
د ـ المتحلی بهذه الملکه یستحق اللوم إذا ما ترک الأولى(۳۷).
وبالنظر لتعدد الآراء حول حقیقه العصمه التی لا یوجد فیما بینها أی اختلاف جذری نقطع: أن العصمه لا تسلب الاختیار عن الأنبیاء، وهم لیسوا مرغمین على ترک المعاصی، بل هم یبلغون درجه من التقوى والکمال والعلم بحیث لا یجنحون معها إلى المعصیه أبداً وإن کانوا قادرین علیها.
الذنوب المنسوبه إلى الأنبیاء:
إن من أهم الأمور التی أثارت الإشکالات بشأن عصمه الأنبیاء هو: ما ورد من التعابیر القرآنیه، والأحادیث التی لا ینسجم ظاهرها مع عصمه الأنبیاء، ویبدو أنها تنسب ارتکاب الذنب للأنبیاء !!
وقد أجیب عن هذه الإشکالات بإجابات متعدده ووجهات نظر متفاوته.
فقد قال أبو علی الجبائی:( إن الذنوب التی نسبت إلى الأنبیاء هی من باب الخطأ فی التأویل، ولا تنافی شأن العصمه، فمثلاً: أن أکل آدم من الشجره المنهی عنه کان لتصوره أنه نهی عن تناول شجره خاصه بعینها، ولکنه کان قد نهی عن نوع تلک الشجره، لا عن الشجره نفسها، والنهی کان یشمل الشجره التی أکل منها آدم)(۳۸).
وقال النظام وأتباعه:( إن الذنوب المنسوبه إلى الأنبیاء هی ما تبدر منهم سهوراً وغفلهُ، ولا یتنافى ذلک وعصمتهم)(۳۹).
وأما الأشاعره: فیعتقدون أن هذه الذنوب: إما أن تکون قد صدرت عن الأنبیاء قبل بعثتهم، أو هی من قبیل ترک الأولى، أو أنها ذنوب صغیره صدرت عنهم سهوا)(۴۰). وبناء على ذلک نلاحظ: أن أصل وقوع المعصیه أو الذنب من قبل الأنبیاء قد عد من المسلمات فی جمیع الإجابات، وغایه ما فی الأمر: أنهم أوردوا محامل تتناسب وآرائهم فی أصل المسأله، إلاّ أنه وفقاً لعقیده الشیعه فإن هذه المحامل تتناسب وآرائهم فی أصل المسأله، إلاّ أنه وفقاً لعقیده الشیعه فإن هذه المحامل لا یعتد بها؛ لأن الشیعه یعتقدون بنفی صدور الذنب ووقوع المعصیه من قبل الأنبیاء، سواء کان ذلک قبل البعثه أو بعدها، لا عمداً ولا سهواً، ولا خطأ فی التأویل.
ولذا فإن رأی الشیعه بالنسبه لما نسب من الذنوب إلى الأنبیاء هو:أن الأنبیاء
لم یخالفوا الأمر الربانی فی مثل هذه الحالات لیتنافى ذلک وعصمتهم، بل المخالفه إن بدرت منهم فهی مخالفه للأمر الإرشادی، وهی لا تعد معصیه، وهم فی الواقع ربما اختاروا الحسن من بین أمرین: أحدهما حسن، والآخر أحسن منه، وهذا الأمر لا یعد معصیه قطعاً، وإن اعتبر کذلک فإنما مقارنه لشأنهم الرفیع، لکنها لیست معصیه تتعارض مع مقام عصمتهم طبعاً(۴۱).
وقد عالج المتکلمون حالات عدیده تتنافى وعصمه الأنبیاء ظاهراً، ولا سیما أکل آدم من الشجره المنهی عنها، وما صدر عن الأنبیاء من حکم وقضاء بین المتخاصمین والمشار إلیها فی القرآن الکریم، وما نسب إلى رسول الله ـ صلى الله علیه وآله ـ فی القرآن من التعبیر بالذنب. وقد عالج المتکلمون کل ذلک وأجابوا عنه بوجوه متعدده.
وإضافه إلى الکتب الکلامیه والتفسیریه فقد کتبت کتب خاصه فی هذا الشأن نذکر منها کتابین:
الأول: تنزیه الأنبیاء الذی ألفه المتکلم الشیعی المعروف: السید المرتضى والمعروف بـ(علم الهدى).
والثانی: عصمه الأنبیاء للفخر الرازی، وهو من کبار علماء الجمهور وأبرز متکلمیهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین
________________
۱ ـ کلدزیهر فی العقید والشریعه: ۲۰۸٫
۲ ـ رونالدسن فی عقیده الشیعه: ۳۲۸٫
۳ ـ البقره: ۱۱۹٫
۴ ـ الأنعام: ۹۰٫
۵ ـ الجن: ۲۶٫
۶ ـ المجلسی فی بحار الأنوار ۱۲: ۳۴۸٫
۷ ـ الإمام أبو حنیفه، الفقه الأکبر: ۵٫
۸ ـ القاضی عبد الجبار، المغنی ۱۵: ۳۰۲٫
۹ ـ السید المرتضى، تنزیه الأنبیاء: ۳٫
۱۰ ـ اللایجی، والجرجانی، شرح المواقف ۸: ۲۶۵٫
۱۱ ـ نصیر الدین الطوسی، والعلامه الحلی، کشف المراد: ۳۴۹، والفاضل، المقداد، إرشاد الطالبین: ۳۰۲٫
۱۲ ـ الفخر الرازی، عصمه الأنبیاء: ۱۹٫
۱۳ ـ الجرجانی، شرح المواقف ۸: ۲۶۴، والفاضل المقداد، إرشاد الطالبین: ۳۰۳٫
۱۴ ـ ابن حزم الأندلسی، الفصل ۴: ۵
۱۵ ـ السید المرتضى، الذخیره: ۳۲۸، والاقتصاد الهادی: ۱۶۱، والعلامه الحلی، کشف المراد: ۳۴۹٫
۱۶ ـ الفخر الرازی، عصمه الأنبیاء: ۱۸، وابن حزم، الفصل ۴: ۵٫
۱۷ ـ القاضی عبد الجبار، المغنی ۱۵: ۳۰۹٫
۱۸ ـ الجرجانی، شرح المواقف ۸: ۲۶۵، والمغنی ۱۵: ۳۱۰٫
۱۹ ـ البغدادی، أصول الدین: ۱۷۸٫
۲۰ ـ الشهرستانی، نهایه الأقدام: ۴۴۵٫
۲۱ ـ التفتازانی، شرح المقاصد ۲ : ۱۹۳٫
۲۲ ـ الماتریدی، شرح الفقه الأکبر: ۲۲٫
۲۳ ـ الجرجانی، شرح المواقف ۸: ۲۶۵٫
۲۴ ـ أبو الحسن الأشعری، مقالات الإسلامیین ۱: ۱۱۶، والبغدادی، الفرق بین الفرق: ۳۴۳٫
۲۵ ـ عبد الله نعمه کتابه: هشام بن الحکم: ۳۰۳٫
۲۶ ـ العصمه: مشتقه من: عصم، ومعناها فی اللغه: الدفع والامتناع.(العین ۱: ۳۱۳)، أو بمعنى المنع والحفظ(صحاح اللغه: ۵: ۱۹۸۶) أو بمعنى القلاده.(القاموس المحیط ۴: ۱۵۰). ویمکن القول: إن العصمه فی اللغه ترجع إلى معنى واحد وهو: المنع والحفظ، والمعانی الأخرى مشتقه من هذا المعنى أیضاً وقد صرح بعض المهتمین باللغه بان العصمه أصلها المنع فی کلام العرب.(تاج العروس ۸: ۳۹۸، ولسان العرب ۹: ۲۴۴). وأوضح من کل ما ذکرناه ما قاله ابن فارس: بأن عصم له معنى واحد یدل على المنع والإمساک، وإنما سمی حبل الدلو عصاماً لأنه یحفظها من السقوط فی البئر.(مقاییس اللغه ۴: ۳۳۱).
۲۷ ـ الشیخ المفید، أوائل المقالات: هامش ۲۹٫
۲۸ ـ السید المرتضى، الأمالی ۲: ۳۴۷٫
۲۹ ـ العلامه الحلی، أنوار الملکوت: ۹۶٫
۳۰ ـ ابن أبی الحدید، شرح نهج البلاغه ۷: ۸٫
۳۱ ـ البغدادی، أصول الدین: ۱۶۹٫
۳۲ ـ اللایجی والجرجانی، شرح المواقف ۸: ۲۸۰٫
۳۳ ـ ابن أبی شریف، المساره بشرح المسایره: ۲۲۸٫
۳۴ ـ الجرجانی، شرح المواقف ۸: ۲۸۱٫
۳۵ ـ نصیر الدین الطوسی، نقد المحصل: ۳۱۸٫
۳۶ ـ الفاضل المقداد، الإرشاد: ۳۰۲٫
۳۷ ـ الفخر الرازی، محصل أفکار المتقدمین والمتأخرین: ۳۸٫
۳۸ ـ ابن أبی الحدید، شرح نهج البلاغه ۷: ۱۲٫
۳۹ ـ السید المرتضى، تنزیه الأنبیاء: ۸٫
۴۰ ـ التفتازانی، شرح المقاصد ۲: ۱۹۴٫
۴۱ ـ بحار الأنوار ۱۱: ۹۱٫