اعتقادنا بتوحید الله عز وجل

0

۱- شخصیه الملحد ضد المنطق
إسم المؤمن: مأخوذ من الأمن والإطمئنان ، لأنه یعتقد بوجود الله تعالى ، فقد اطمأنت نفسه بإیمانه . أما الشاک بوجود الله تعالى فهو الذی لا یعرف هل أن لهذا الکون خالقاً أم لا، فهو متحیر لا ینفی ولا یثبت .
وأما الملحد فهو المائل عن الحق ، لأن الإلحاد فی اللغه المیل عن الحق ، و الملحد یمیل عن المسار الطبیعی لعقله وفطرته لأنهما یدلانه على وجود الله عز وجل، وهو یتعمد الإلحاد والمیل عن ذلک .
وإنما حکمنا على الملحد بأنه یتعمد معاکسه عقله وفطرته لأن غایه ما یمکن للإنسان الشک فی وجود خالق للکون ، أما نفی وجوده فیتوقف على إحاطته بالکون المنظور وغیر المنظور ، ولا یوجد إنسان محیط بالکون ، ولا بنفسه !
أما لماذا یتعمد المیل وإنکار وجود الله تعالى، فلأنه إذا اعترف بوجود ه اعترف بأنه مخلوقٌ له وعبده وعلیه طاعته ، وهو لایرید أن یکون عبداً ، بل إلهاً !
ولذلک قرر أن یکابر أمام الدلیل ویتکبر على ربه ! وقد سأل أحدهم الإمام الصادق(ع):عن أدنى الإلحاد؟ فقال: إن الکِبْرَ أدناه. (الکافی:۲/۳۰۹)
کما وصف الإمام الصادق(ع)قول إبلیس: أَنَا خَیْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِی مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِینٍ ، بأنه:عتى عن أمر ربه وألحد فتوارث الإلحاد ذریته.(تحف العقول/۴۰۶).
وروی أن نمروداً لمَّا رأى النار صارت برداً وسلاماً على إبراهیم (ع)سأله: من أنجاک ؟! قال: ربی ورب العالمین . فقال نمرود لمن حوله: لقد نفعه ربه، فمن أراد أن یتخذ إلهاً فلیتخذه مثل إله إبراهیم ! (الکافی:۸/۳۶۹).
یقصد نمرود أنه هو وأمثاله لا یحتاجون الى اتخاذ إله ! وبهذا حرَّف القضیه من الإعتراف بحقیقه موضوعیه ، وجعلها حاجه لبعض الناس ، أما هو فلا یحتاج !
 
إن أصل جریمه الملحد أنه قرر مسبقاً أن ینفی وجود الله تعالى ، ویرفض الأدله علیه مهما کانت قویه ! وهذا هو الظلم والعلو الذی قال الله تعالى عنه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ کَیْفَ کَانَ عَاقِبَهُ الْمُفْسِدِینَ.والآیه تدل على أن الإلحاد یستتبع الإفساد، لأن الملحد ظالم متکبر ، فهو یفسد فی المجتمع لا محاله !

۲- النظریه الحسیه غیر محسوسه !
یهرب الملحد من البحث المنطقی لأنه بنى أمره على معاکسه المنطق !
ویرفع شعار النظریه الحسیه القائله: کل شئ غیر محسوس فهو غیر موجود ! فهو یجعل الحس أصل نظریته ، غافلاً عن أن الحس نفسه غیب غیر محسوس! لأن الحس لا یعرف بالحواس لا بالسمع ولا الشم ولا الذوق ولا اللمس، بل یعرف بالعقل ! فهو موجود من مدرکات العقل غیر المحسوسه !
وبهذا تبطل نظریتهم الحسیه لأن الحس نفسه غیر مادی! فهم مضطرون الى الإعتراف بأن الحقائق منها ما یعرف بالحس ومنها بالعقل، وکلها حقائق .
وقد سألناهم ما هو الموجود:الأذن..أو السمع؟ فهل تسمع بسمعک أم بأذنک؟ وهل الموجود الأذن والسمع کلاهما، أم الأذن فقط؟!
وهم عاجزون عن الإجابه لأن الأذن والأعصاب تنقل الذبذبات الى المخ، وهی موجودات محسوسه ، والسمع الذی نسمع به وجودٌ غیر محسوس !
وفی الحقیقه أن الأذن لیست هی التی تسمع ، بل هی جهاز ینقل الذبذبات کأی طبله وأسلاک ، والمخ لیس هو الذی یسمع ، بل هو جهاز ینقل الإشارات الى السمع ، فهذا السمع إن کان موجوداً مادیاً فأین هو وأین مکانه؟ وإن لم یکن موجوداً فلا یمکن أن نسمع ! ولاجواب إلا أنه موجود غیر مادی عرفناه بالعقل فهو غیبی ولیس مادیاً !
ویدل على أن السمع لیس انعکاساً مادیاً لأدواته، أن أدواته لو لم توجد فهو موجود ، ولو وجدت وسیله أخرى غیر الأذن تؤدی دورها لحصل السمع!
وإن أصروا على أن السمع أثر للماده ، فالسؤال: هل هو أثرٌ مادی أم غیر مادی؟ فإن کان مادیاً فأین هو؟وإلا فقد سقطت النظریه الحسیه من أصلها !
فالصحیح فی السمع والحس أنه موجود بشکل مستقل عن الجسم، وأنه قوهٌ من قوى الروح التی ترتبط بالبدن بنحو تتقبل رموز تفاعلاته المادیه ، وتترجمها الى مدرکات ! والذی یکلمک لیس بدن مخاطبک بل روحه، بوسیله آلیه معینه. والذی یفهم منه ویجیبه لیس بدنک بل روحک بواسطه آلیه معینه !
قال الله تعالى: وَیَسْأَلُونَکَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّی وَمَا أُوتِیتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِیلاً. (الإسراء:۸۵). وستبقى معلومات البشر عن الروح قلیله، وستبقى روح المؤمن والملحد التی بین جنبیه لغزاً ، بها یحیا ویفکر ویتساءل ولایعرف عنها إلا القلیل ! وکلما اکتشفوا معلومه منها ، انکشفت جوانب أکثر إعجازاً وإلغازاً !

۳- الطرق العلمیه لمعرفه الله تعالى
توجد ثلاث طرق لمعرفه الله تعالى ، والمعرفه الإنسانیه عموماً:
۱- طریق الکشف الذاتی: فإن خاصه أولیاء الله تعالى یعرفونه به: سَنُرِیهِمْ آیَاتِنَا فِی الآفَاقِ وَفِی أَنْفُسِهِمْ حَتَّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ یَکْفِ بِرَبِّکَ أَنَّهُ عَلَى کُلِّ شَئٍْ شَهِیدٌ .
وفی دعاء أمیر المؤمنین(ع):«یامن دلَّ على ذاته بذاته»(البحار:۸۴/۳۳۹).
وفی دعاء الإمام الحسین(ع): «متى غبتَ حتى تحتاج إلى دلیل یدل علیک ، ومتى بَعُدْتَ حتى تکون الآثار هی التی توصل إلیک؟! عَمِیَتْ عینٌ لا تراک علیها رقیباً». (البحار:۶۴/۱۴۲).
وفی دعاء الإمام زین العابدین(ع):«بک عرفتُک ، وأنت دللتنی علیک ، ودعوتنی الیک ، ولولا أنت لم أدر ما أنت ». (البحار:۹۵/۸۲ ).
 
۲- دلیل العِلِّیَّه: فکل إنسان إذا نظر إلى نفسه وما حوله ، یدرک أن عدم وجود هذا الشئ لیس محالاً ، بل وجوده وعدمه ممکنان، لأن ذات الشئ لا تتضمن ضروره وجوده أوعدمه ، وهو یحتاج إلى سببٍ یوجده ، وبما أن کل جزء من أجزاء العالم یحتاج إلى من یعطیه وجوده، فمن الذی أعطاه الوجود ؟!
إن قیل خلق نفسه، فیقال: فاقد الشئ لا یعطیه! وإن قیل أعطاه الوجود موجودٌ آخر مثله، یقال: هذا الآخر عاجزٌ عن إیجاد نفسه فکیف یوجد غیره؟! وهکذا کل جزء فی العالم ، فالمعدوم لایمکن أن یکون سبب وجود لشئ !
ولهذا کان وجود هذه الموجودات دلیلاً على وجود خالق لها لا یحتاج إلى غیره ، وهو قول الله تعالى:أم خُلِقُوا مِنْ غَیْرِ شَئٍ أم هُمُ الْخَالِقُونَ. وقد سأل رجل الإمام الرضا(ع):«یا ابن رسول الله ما الدلیل على حدوث العالم؟فقال: أنت لم تکن ثم کنت،وقد علمت أنک لم تُکوِّنْ نفسک، ولا کوَّنک من هو مثلک». (البحار:۳/۳۶).
 
۳- دلیل النظم الکونی: فکل ما فی الکون مخلوق على قواعد وأصول ، بعلم وحکمه ، من أصغر ذراته الى أکبر مجراته !
فکما نستدل بالسطر مکتوب على وجود کاتبه ، فکذلک نستدل بالنبته على وجود خالقها عز وجل ، فأی علم وحکمه أعطى الماء والتراب سراً یبعث الحبه من یبسها وموتها نباتاً حیاً سویاً؟ وأعطى لجذرها قدره على شق الأرض والعثور على قوته وغذائه فی مائده التراب الغنیه .
وأی قدره وحکمه خلقت الجذور واعیهً لعملها، ضاربهً فی أعماق التربه. والجذوع والفروع باسقهً الى أعلى الفضاء! یکافح کل منهما قانوناً یضاده ویمضی فی مساره ، هذه فی الأعماق وهذه فی الآفاق؟! إن التأمل فی شجره واحده وأنظمتها ، من عروقها الى آلاف أوراقها، یبعث فی الإنسان الدهشه والذهول أمام علم الخالق وقدرته اللامتناهیه: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَأَنْزَلَ لَکُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَهٍ مَاکَانَ لَکُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ یَعْدِلُونَ. (راجع مقدمه منهاج الصالحین للوحید الخراسانی)

۴- من استدلال الأئمه (علیهم السلام) على وجود الله تعالى
۱- جاء رجل من الزنادقه الى الإمام الرضا(ع)فقال له:«رحمک الله أوجدنی کیف هو وأین هو؟ فقال: ویلک إن الذی ذهبت إلیه غلط ، هو أیَّنَ الأیْنَ بلا أین وکیَّفَ الکیفَ بلا کیف ، فلا یُعرف بکیفوفیه ولا بأینونیه ، ولا یُدرک بحاسه ، ولا یُقاس بشئ ! فقال الرجل: فإذاً إنه لا شئ ، إذا لم یدرک بحاسه من الحواس ! فقال أبو الحسن(ع): ویلک ! لما عجزت حواسک عن إدراکه أنکرت ربوبیته؟! ونحن إذ عجزت حواسنا عن إدراکه أیقنا أنه ربنا بخلاف شئ من الأشیاء ! قال الرجل: فأخبرنی متى کان؟قال أبو الحسن: أخبرنی متى لم یکن فأخبرک متى کان! قال الرجل: فما الدلیل علیه؟فقال أبو الحسن: إنی لما نظرت إلى جسدی ولم یمکنی فیه زیاده ولا نقصان فی العرض والطول ، ودفع المکاره عنه وجر المنفعه إلیه ، علمت أن لهذا البنیان بانیاً فأقررت به. مع ما أرى من دوران الفلک بقدرته وإنشاء السحاب وتصریف الریاح ومجرى الشمس والقمر والنجوم ، وغیر ذلک من الآیات العجیبات المبینات، علمتُ أن لهذا مقدراً ومنشئاً». (الکافی:۱/۷۸) .
۲- عن أحمد بن محسن المیثمی قال: کنت عند أبی منصور المتطبب فقال: أخبرنی رجل من أصحابی قال: کنت أنا وابن أبی العوجاء وعبد الله بن المقفع فی المسجد الحرام فقال ابن المقفع: ترون هذا الخلق ، وأومأ بیده إلى موضع الطواف ، ما منهم أحد أُوجِبُ له إسم الإنسانیه إلا ذلک الشیخ الجالس ، یعنی أبا عبد الله جعفر بن محمد (علیهما السلام) . فأما الباقون فرعاع وبهائم !
فقال له ابن أبی العوجاء: وکیف أوجبتَ هذا الإسم لهذا الشیخ ، دون هؤلاء؟
قال: لأنی رأیت عنده ما لم أره عندهم ! فقال له ابن أبی العوجاء: لابد من اختبار ما قلت فیه منه! قال فقال ابن المقفع: لا تفعل فإنی أخاف أن یفسد علیک ما فی یدک . فقال: لیس ذا رأیک ، ولکن تخاف أن یضعف رأیک عندی فی إحلالک إیاه المحل الذی وصفت !
فقال ابن المقفع: أما إذا توهمت علیَّ هذا فقم إلیه ، وتحفظ ما استطعت من الزلل ، ولا تثنی عنانک إلى استرسال فیسلمک إلى عقال !وسِمْهُ مالک أو علیک.
قال فقام ابن أبی العوجاء وبقیت أنا وابن المقفع جالسین، فلما رجع إلینا ابن أبی العوجاء قال: ویلک یا ابن المقفع ما هذا ببشر! وإن کان فی الدنیا روحانیٌّ یتجسد إذا شاء ظاهراً ، ویتروَّح إذا شاء باطناً، فهو هذا !
فقال له: وکیف ذلک؟ قال: جلست إلیه فلما لم یبق عنده غیری ابتدأنی فقال: إن یکن الأمر على ما یقول هؤلاء ، وهو على ما یقولون ، یعنی أهل الطواف ، فقد سلموا وعطبتم ، وإن یکن الأمر على ما تقولون ، ولیس کما تقولون ، فقد استویتم وهم !
فقلت له: یرحمک الله وأی شئ نقول وأی شئ یقولون؟ ما قولی وقولهم إلا واحداً ! فقال: وکیف یکون قولک وقولهم واحداً ، وهم یقولون: إن لهم معاداً وثواباً وعقاباً ، ویدینون بأن فی السماء إلهاً ، وأنها عمران. وأنتم تزعمون أن السماء خراب لیس فیها أحد ! قال: فاغتنمتها منه فقلت له: ما منعه إن کان الأمر کما یقولون أن یظهر لخلقه ویدعوهم إلى عبادته حتى لایختلف منهم اثنان ! ولم احتجب عنهم وأرسل إلیهم الرسل؟ ولو باشرهم بنفسه کان أقرب إلى الإیمان به ؟ فقال لی: ویلک وکیف احتجب عنک من أراک قدرته فی نفسک: نُشوءک ولم تکن ، وکبرک بعد صغرک ، وقوتک بعد ضعفک ، وضعفک بعد قوتک ، وسقمک بعد صحتک ، وصحتک بعد سقمک ، ورضاک بعد غضبک ، وغضبک بعد رضاک، وحزنک بعد فرحک ، وفرحک بعد حزنک وحبک بعد بغضک ، وبغضک بعد حبک ، وعزمک بعد أناتک ، وأناتک بعد عزمک ، وشهوتک بعد کراهتک ، وکراهتک بعد شهوتک ، ورغبتک بعد رهبتک ورهبتک بعد رغبتک ، ورجاءک بعد یأسک ویأسک بعد رجائک ، وخاطرک بما لم یکن فی وهمک ، وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنک… وما زال یُعدِّد علیَّ قدرته التی هی فی نفسی التی لا أدفعها حتى ظننت أنه سیظهر فیما بینی وبینه!».(الکافی:۱/۷۴).
۳ ـ قال محمد بن إسحاق:إن عبد الله الدیصانی(ملحد معروف)سأل هشام بن الحکم فقال له: ألک رب؟ فقال: بلى ، قال أقادرٌ هو ؟ قال: نعم قادر قاهر. قال: یقدر أن یدخل الدنیا کلها البیضه لا تکبر البیضه ولا تصغر الدنیا؟ قال هشام: النظره(أی أمهلنی)فقال له: قد أنظرتک حولاً ، ثم خرج عنه فرکب هشام إلى أبی عبد الله(الإمام الصادق(ع))فاستأذن علیه فأذن له فقال له: یا ابن رسول الله أتانی عبد الله الدیصانی بمسأله لیس المعول فیها إلا على الله وعلیک، فقال له أبو عبدالله(ع):عن ماذا سألک؟فقال قال لی:کیت وکیت، فقال أبو عبد الله(ع):یا هشام کم حواسک؟ قال خمس. قال: أیها أصغر؟ قال الناظر، قال: وکم قدر الناظر قال: مثل العدسه أو أقل منها . فقال له: یا هشام ! فانظر أمامک وفوقک وأخبرنی بما ترى ، فقال: أرى سماء وأرضاً ودوراً وقصوراً وبراری وجبالاً وأنهاراً . فقال له أبو عبد الله(ع): إن الذی قدر أن یدخل الذی تراه العدسه أو أقل منها قادر أن یدخل الدنیا کلها البیضه ، لا تصغر الدنیا ولا تکبر البیضه ! فأکب هشام علیه وقبل یدیه ورأسه ورجلیه وقال: حسبی یا ابن رسول الله ، وانصرف إلى منزله .
وغدا علیه الدیصانی فقال له: یا هشام إنی جئتک مسلِّماً ولم أجئک متقاضیاً للجواب، فقال له هشام: إن کنت جئت متقاضیاً فهاک الجواب، فخرج الدیصانی عنه حتى أتى باب أبی عبد الله(ع) فاستأذن علیه فأذن له ، فلما قعد قال له: یا جعفر بن محمد دُلَّنی على معبودی.فقال له أبو عبد الله: ما اسمک؟ فخرج عنه ولم یخبره باسمه فقال له أصحابه: کیف لم تخبره باسمک؟ قال: لو کنت قلت له: عبد الله ، کان یقول: من هذا الذی أنت له عبد؟ فقالوا له: عد إلیه وقل له یدلک على معبودک ولا یسألک عن اسمک . فرجع إلیه فقال له: یا جعفر بن محمد دلنی على معبودی ولا تسألنی عن إسمی .فقال له أبو عبدالله(ع): أجلس ، وإذا غلام له صغیر فی کفه بیضه یلعب بها فقال له أبو عبد الله: ناولنی یا غلام البیضه فناوله إیاهافقال له أبو عبدالله(ع): یا دیصانی، هذا حصن مکنون له جلد غلیظ ، وتحت الجلد الغلیظ جلد رقیق وتحت الجلد الرقیق ذهبه مائعه وفضه ذائبه ، فلا الذهبه المائعه تختلط بالفضه الذائبه ، ولا الفضه الذائبه تختلط بالذهبه المائعه ، فهی على حالها لم یخرج منها خارج مصلح فیخبر عن صلاحها ، ولا دخل فیها مفسد فیخبر عن فسادها ، لا یدری للذکر خلقت أم للأنثى ، تنفلق عن مثل ألوان الطواویس ، أترى لها مدبراً؟! قال: فأطرق ملیاً ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له وأن محمداً عبده ورسوله وأنک إمام وحجه من الله على خلقه، وأنا تائب مما کنت فیه» (الکافی:۱/۷۹).

۵- ما دام للکوْن عُمْرٌ فله خالق !
من الأمور المتفق علیها فی العلم الحدیث أن للأرض عمراً وللنجوم عمراً ، وکل جزء فی الکون . وسواء کان عمرها لحظه أو ملایین السنین ، فلو رجعنا الى الوراء نصل الى نقطه العدم المحض(حیث) لم یکن الکون ثم کان ! أی لم یکن شئ ثم انبثقت أول نقطه وجود من العدم ، فهل وُجدت بدون خالق خلقها ؟!
إن ممکن الوجود یستحیل أن یوجد إلا بواجب وجود یدفعه من العدم الى الوجود وذلک هو الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إذا أَرَادَ شیئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ .
إنک بقبولک أن للکون عمراً ، قبلتَ أن احتمال وجوده وعدمه کانا متساوییین، وأنه یستحیل ترجیح أحدهما بلا مرجح ، فلا بد من إلهٍ من غیر نوعه أوجده!
إن وجود ممکن الوجود والعدم ، بنفسه دلیل على وجود واجب أوجده. کما أن وجود حرکهٍ وتغیُّرٍ فی الکون دلیل على وجود محرک من غیر نوعه، یحرکه ویدبره.
 
قال الشریف المرتضى(قدس سره)فی الفصول المختاره/۷۶: «دخل أبو الحسن علی بن میثم (التمار) على الحسن بن سهل(رئیس وزراء المأمون) وإلى جانبه مُلْحِدٌ قد عظَّمَهُ ، والناس حوله، فقال(ابن میثم): لقد رأیت ببابک عجباً ! قال: وما هو؟ قال: رأیت سفینه تَعْبُرُ بالناس من جانب إلى جانب بلا ملاح ، ولا ماصِر! (مسؤول حرکه السفن).فقال له صاحبه الملحد وکان بحضرته: إن هذا أصلحک الله لَمَجنون !
قال فقلت: وکیف ذاک؟ قال: خشبٌ جمادٌ لا حیله له ولا قوه ولا حیاه فیه ولا عمل کیف یَعْبُرُ بالناس؟
فقال أبو الحسن: فأیهما أعجب؟ هذا أو هذا الماء الذی یجری على وجه الأرض یَمْنَهً ویَسْرهً بلاروح ولا حیله ولا قوى، وهذا النبات الذی یخرج من الأرض، والمطر الذی ینزل من السماء ، تزعم أنت أنه لا مدبر لهذا کله ، وتنکر أن تکون سفینه تتحرک بلا مدبر وتَعْبُر بالناس ! قال: فبهت الملحد » !

۶- من أدله توحید الله عز وجل
الدلیل الأول: أن وحده المخلوقات تدل على وحده الخالق عز وجل ، فکل شئ فی الکون مصنوع بدقه وإتقان بقوانین موحده ، من الذره الى المجره !
وهذا یعنی أنه من خلق إله واحد أحد ، علیم قدیر حکیم ، عز وجل:وَهُوَ الَّذِی فِی السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِی الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَکِیمُ الْعَلِیمُ.
الدلیل الثانی: أنه لو کان لله شریک لأظهر آیاته، قال أمیر المؤمنین لولده الحسن(ع):«واعلم یا بنی أنه لو کان لربک شریک لأتتک رسله ، ولرأیت آثار ملکه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ولکنه إله واحد کما وصف نفسه».
الدلیل الثالث:لو کان للکون إلهان لکان بینهما فاصله ، فیکونان ثلاثه ، وهکذا ! وقد سئل الصادق(ع): لم لا یجوز أن یکون صانع العالم أکثر من واحد؟ فقال(ع): ثم یلزمک إن ادعیت اثنین فرجه ما بینهما حتى یکونا اثنین ، فصارت الفرجه ثالثاً بینهما قدیماً معهما ، فیلزمک ثلاثه ، وإن ادعیت ثلاثه لزمک ما قلنا فی الإثنین، حتى تکون بینهم فرجه فیکونوا خمسه! ثم یتناهى فی العدد إلى ما لا نهایه له فی الکثره».
قال الصدوق(قدس سره): « اعتقادنا فی التوحید:لیس کمثله شی، قدیم لم یزل، سمیع بصیر ، علیم حکیم ، حی قیوم ، عزیز ، قدوس ، قادر غنی ، لا یوصف بجوهر ولا جسم ولا صوره ولا عرض ولا خط ولا سطح ولا ثقل ولا خفه ولا سکون ولا حرکه ولا مکان ولا زمان . وأنه تعالى متعال عن جمیع صفات خلقه خارج من الحدین حد الإبطال وحد التشبیه ، وأنه تعالى شی لا کالأشیاء ، أحد صمد لم یلد فیورث ، ولم یولد فیشارک ، ولم یکن له کفواً أحد ، ولا ند ولا ضد ولا شبه ، ولا صاحبه، ولا مثل ولا نظیر ولا شریک ، لاتدرکه الأبصار والأوهام وهو یدرکها ، لا تأخذه سنه ولا نوم وهو اللطیف الخبیر، خالق کل شئ ، لا إله إلا هو له الخلق والأمر، تبارک الله رب العالمین .ومن قال بالتشبیه فهو مشرک ومن نسب إلى الإمامیه غیر ما وصف فی التوحید فهو کاذب، وکل خبر یخالف ما ذکرت فی التوحید فهو موضوع مخترع ، وکل حدیث لایوافق کتاب الله فهو باطل ، وإن وجد فی کتاب علمائنا فهو مدلس . والأخبار التی یتوهمها الجهال تشبیهاً لله تعالى بخلقه فمعانیها محموله على ما فی القرآن من نظائرها ، لأن فی القرآن: کل شی هالک إلا وجهه، ومعنى الوجه: الدین والدین هو الوجه الذی یؤتى الله منه ویتوجه به إلیه . وفی القرآن: یوم یکشف عن ساق ویدعون إلى السجود والساق وجه الأمر وشدته . وفی القرآن: أن تقول نفس یا حسرتی على ما فرطت فی جنب الله ، والجنب: الطاعه. وفی القرآن: ونفحت فیه من روحی ، والروح هی روح مخلوقه جعل الله منها فی آدم وعیسى (علیهما السلام) ، وإنما قال روحی کما قال بیتی وعبدی وجنتی ».
۷- أسماء الله الحسنى وصفاته عز وجل
قال الله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى. وقال: وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِینَ یُلْحِدُونَ فِی أَسْمَائِهِ سَیُجْزَوْنَ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ. (الأعراف:۱۸۰). وقال: قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَیًّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (الإسراء:۱۱۰).
والأسماء الحسنى فی الآیات تشمل کل صفه حسنه یصح أن یوصف بها الله تعالى ولیس فیها تجسیمٌ أو تشبیه. والمشهور منها تسع وتسعون .
ففی التوحید للصدوق/۲۱۹، عن النبی(ص) قال: « إن لله تبارک وتعالى تسعه وتسعین إسماً مائه إلا واحداً ، إنه وتر یحب الوتر ، من أحصاها دخل الجنه .
فبلغنا أن غیر واحد من أهل العلم قال: إن أولها یفتتح بلا إله إلا الله الله وحده لا شریک له ، له الملک وله الحمد بیده الخیر وهو على کل شی قدیر، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى، الله ، الواحد ، الصمد ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الملک ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهیمن ، العزیز ، الجبار ، المتکبر ، الرحمن ، الرحیم ، اللطیف ، الخبیر ، السمیع ، البصیر ، العلی ، العظیم ، البارئ ، المتعالی ، الجلیل ، الجمیل ، الحی ، القیوم ، القادر ، القاهر ، الحکیم ، القریب ، المجیب ، الغنی ، الوهاب ، الودود ، الشکور ، الماجد ، الأحد الولی ، الرشید ، الغفور ، الکریم ، الحلیم ، التواب ، الرب المجید ، الحمید ، الوفی ، الشهید ، المبین ، البرهان ، الرؤوف ، المبدئ ، المعید ، الباعث ، الوارث ، القوی، الشدید ، الضار ، النافع ، الوافی ، الحافظ ، الرافع ، القابض ، الباسط ، المعز ، المذل الرازق ، ذو القوه ، المتین ، القائم، الوکیل، العادل ، الجامع ، المعطی المجتبی ، المحیی ، الممیت ، الکافی ، الهادی ، الأبد ، الصادق ، النور ، القدیم ، الحق ، الفرد ، الوتر، الواسع، المحصی، المقتدر، المقدم، المؤخر، المنتقم ، البدیع».
أقول: یبدو أن الأسماء المقدسه تتعلق بأنواع فاعلیات الله تعالى فی الوجود ، وأن نظام الأسماء الحسنى عمیق فی وجود الکون وحیاته ومساره ، ومن هذا الأفق یمکن أن تفهم معنى أن النبی(ص) والأئمه (علیهم السلام) هم الأسماء الحسنى أو مظاهرها.
ففی الکافی:۱/۱۴۳، عن الإمام الصادق(ع)فی تفسیر قوله تعالى: وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، قال: نحن والله الأسماء الحسنى ، التی لایقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا ».

۸- مسأله الرؤیه أصل کل الخلاف فی التوحید
معنى مسأله الرؤیه: هل یمکن أن نرى الله تعالى بأعیننا فی الدنیا أو الآخره؟ وقد نفى ذلک أهل البیت (علیهم السلام) نفیاً مطلقاً ، وکذا عائشه وجمهور الصحابه ، وبه قال الفلاسفه والمعتزله وغیرهم ، مستدلین بقوله تعالى: لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَئٌْ وَهُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ (الشورى:۱۱) قَالَ رَبِّ أَرِنِی أَنْظُرْ إِلَیْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِی (الأعراف:۱۴۳) لاتُدْرِکُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ (الأنعام:۱۰۳) .ومستدلین بحکم العقل بأن ما یمکن رؤیته بالعین الوجود المادی المحدود فی المکان والزمان.
بینما قال الحنابله وأتباع المذهب الأشعری من الحنفیه والمالکیه والشافعیه:إن الله تعالى یرى بالعین فی الآخره وبعضهم قال حتى فی الدنیا ! واستدلوا بآیات یبدو منها ذلک بالنظره الأولى کقوله تعالى:وُجُوهٌ یَوْمَئِذٍ نَاضِرَهٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَهٌ ، وبروایات عن رؤیه الله تعالى. ثم أولوا الآیات والأحادیث النافیه لإمکان الرؤیه بالعین .
قال الصدوق (رحمه الله) فی التوحید/۱۱۸، فی قوله عزوجل: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِیقَاتِنَا وَکَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِی أَنْظُرْ إِلَیْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِی وَلَکِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِی فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَکًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَکَ تُبْتُ إِلَیْکَ وَأَنَا أَوَلُ الْمُؤْمِنِینَ. (الأعراف:۱۴۳): «إن موسى(ع)علم أن الله عز وجل لایجوز علیه الرؤیه ، وإنما سأل الله عز وجل أن یریه ینظر إلیه عن قومه حین ألحوا علیه فی ذلک ، فسأل موسى ربه ذلک من غیر أن یستأذنه فقال: رَبِّ أَرِنِی أَنْظُرْ إِلَیْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِی وَلَکِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ فإن اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ ، فی حال تزلزله ، فَسَوْفَ تَرَانِی ، ومعناه إنک لا ترانی أبداً ، لأن الجبل لایکون ساکناً متحرکاً فی حال أبداً، وهذا مثل قوله عزوجل: وَلا یَدْخُلُونَ الْجَنَّهَ حَتَّى یَلِجَ الْجَمَلُ فِی سَمِّ الْخِیَاطِ، ومعناه أنهم لا یدخلون الجنه أبداً ، کما لایلج الجمل فی سم الخیاط أبداً.
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ، أی ظهر للجبل بآیه من آیاته ، وتلک الآیه نور من الأنوار التی خلقها ألقى منها على ذلک الجبل: جَعَلَهُ دَکّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ، من هول تزلزل ذلک الجبل على عظمه وکبره .
فَلَمَّا أفاق قَالَ سُبْحَانَکَ تُبْتُ إِلَیْکَ: أی رجعت إلى معرفتی بک عادلاً عما حملنی علیه قومی من سؤالک الرؤیه ، ولم تکن هذه التوبه من ذنب لأن الأنبیاء (علیهم السلام) لا یذنبون ذنباً صغیراً ولا کبیراً ، ولم یکن الإستیذان قبل السؤال بواجب علیه ، لکنه کان أدباً یستعمله ویأخذ به نفسه متى أراد أن یسأله. على أنه قد روی قوم أنه قد استأذن فی ذلک فأذن له ، لیعلم قومه بذلک أن الرؤیه لا تجوز على الله عزوجل . وقوله: وأنا أول الْمُؤْمِنِینَ ، یقول: وأنا أول المؤمنین من القوم الذین کانوا معه وسألوه أن یسأل ربه أن یریه ینظر إلیه ، بأنک لا ترى».

۹- نشر کعب الأحبار رؤیه الله تعالى بالعین !
لم تظهر أحادیث الرؤیه بالعین فی زمن النبی(ص) ولا فی زمن أبی بکر، بل کانت عقیده المسلمین أن الله تعالى لیس من نوع الماده التی تُرى بالعین وتُحس بالحواس، لأنه سبحانه وجود أعلى من الماده ، فلا تناله الأبصار، بل ولاتدرکه الأوهام ، وإنما یدرک بالعقل ویُرى بالبصیره، ورؤیتها أرقى وأعمق من رؤیه البصر .
ثم ظهرت أفکار الرؤیه والتشبیه وشاعت فی عهد عمر وبعده ، فنهض أهل البیت (علیهم السلام) وبعض الصحابه لردها وتکذیبها ! وقالت عائشه إنها فِرْیَه عظیمه على الله تعالى ورسوله(ص) ! فقد روى بخاری فی صحیحه:۶/۵۰: «عن مسروق قال: قلت لعائشه: یا أُمَّتَاه هل رأى محمد(ص)ربه؟ فقالت: لقد قَفَّ شعری مما قلت! أین أنت من ثلاث من حدثکهن فقد کذب: من حدثک أن محمداً (ص) رأى ربه فقد کذب ، ثم قرأت:لا تُدْرِکُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَیُدْرِکُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ . وَمَا کَانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُکَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْیًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. ولکنه رأى جبرئیل فی صورته مرتین».«من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفریه».(مسلم:۱/۱۱۰).
وروى المجلسی فی بحار الأنوار:۳۶/۱۹۴: « عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب یوماً وعنده کعب الحبر .إذ قال عمر یا کعب أحافظٌ أنت للتوراه؟ قال کعب: إنی لأحفظ منها کثیراً . فقال رجل من جنبه المجلس: یا أمیر المؤمنین سله أین کان الله جل ثناؤه قبل أن یخلق عرشه ومِمَّ خلق الماء الذی جعل علیه عرشه؟ فقال عمر: یا کعب هل عندک من هذا علم ؟ فقال کعب: نعم یا أمیر المؤمنین ، نجد فی الأصل الحکیم أن الله تبارک وتعالى کان قدیماً قبل خلق العرش وکان على صخره بیت المقدس فی الهواء ، فلما أراد أن یخلق عرشه تفل تفله کانت منها البحار الغامره واللجج الدائره ، فهناک خلق عرشه من بعض الصخره التی کانت تحته ، وآخر ما بقی منها لمسجد قدسه ! قال ابن عباس: وکان علی بن أبی طالب(ع) حاضراً فَعَظَّمَ عَلِیٌّ ربه ، وقام على قدمیه ونفض ثیابه ! فأقسم علیه عمر لمَاَ عاد إلى مجلسه ، ففعله. قال عمر: غص علیها یا غواص ، ما تقول یا أبا الحسن، فما علمتک إلا مفرجاً للغم!
فالتفت علی(ع) إلى کعب فقال: غلط أصحابک وحرفوا کتب الله وفتحوا الفریه علیه ! یا کعب ویحک ! إن الصخره التی زعمت لا تحوی جلاله ولا تسع عظمته، والهواء الذی ذکرت لا یحوز أقطاره ولو کانت الصخره والهواء قدیمین معه لکان لهما قدمته ، وعزّ الله وجل أن یقال له مکانٌ یُومَى إلیه ، والله لیس کما یقول الملحدون ولا کما یظن الجاهلون ، ولکن کان ولا مکان ، بحیث لا تبلغه الأذهان ، وقولی(کان)عجزٌ عن کونه ، وهو مما عَلَّمَ من البیان یقول الله عز وجل:خَلَقَ الأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَیَانَ ، فقولی له(کان) ما علمنی من البیان لأنطق بحججه وعظمته، وکان ولم یزل ربنا مقتدراً على ما یشاء محیطاً بکل الأشیاء، ثم کَوَّنَ ما أراد بلا فکره حادثه له أصاب ، ولا شبهه دخلت علیه فیما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غیر شئ ، ثم خلق منه ظلمه ، وکان قدیراً أن یخلق الظلمه لا من شئ کما خلق النور من غیر شئ ، ثم خلق من الظلمه نوراً وخلق من النور یاقوته غلظها کغلظ سبع سماوات وسبع أرضین ، ثم زجر الیاقوته فماعت لهیبته فصارت ماءً مرتعداً ولا یزال مرتعداً إلى یوم القیامه ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشره آلاف لسان یسبح الله کل لسان منها بعشره آلاف لغه لیس فیها لغه تشبه الأخرى ، وکان العرش على الماء من دونه حجب الضباب، وذلک قوله: وکان عرشه على الماء لیبلوکم . یا کعب ویحک ، إن من کانت البحار تفلته على قولک ، کان أعظم من أن تحویه صخره بیت المقدس أو یحویه الهواء الذی أشرت إلیه أنه حل فیه ! فضحک عمر بن الخطاب وقال: هذا هو الأمر ، وهکذا یکون العلم لا کعلمک یا کعب . لا عشت إلى زمان لا أرى فیه أبا حسن» !
وفی نهج البلاغه:۲/۹۹:«سأله ذعلب الیمانی فقال: هل رأیت ربک یا أمیر المؤمنین؟ فقال: أفأعبد ما لا أرى ! فقال: وکیف تراه؟! فقال: لا تراه العیون بمشاهده العیان ، ولکن تدرکه القلوب بحقائق الإیمان ، قریبٌ من الأشیاء غیر ملامس ، بعیدٌ منها غیر مباین، متکلمٌ لا برویه، مریدٌ لا بهمَّه ، صانعٌ لابجارحه، لطیفٌ لا یوصف بالخفاء ، کبیرٌ لا یوصف بالجفاء ، بصیرٌ لا یوصف بالحاسه ، رحیمٌ لا یوصف بالرقه . تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته». انتهى.
فالقول برؤیه الله بالعین جاء من تأثر المسلمین بالیهود والنصارى والمجوس، وقد وقف أهل البیت (علیهم السلام) وجمهور الصحابه ضده ، ونفوا نسبته إلى الإسلام ، لأنه یستلزم التجسیم.
والدلیل البسیط على ذلک أن ما تراه العین لا بد أن یکون موجوداً داخل المکان والزمان، والله تعالى وجود متعال على الزمان والمکان ، لأنه خلقهما وبدأ شریطهما من الصفر والعدم، فلا یصح أن نفترضه محدوداً بهما خاضعاً لقوانینهما !

۱۰- من الرؤیه بالعین وصلوا الى عباده الشاب الأمرد !
واصل کعب الأحبار وتلامیذه فی زمن عمر وبعده ، نشر أفکار التجسیم ! وکذبوا على النبی(ص) أنه رأى ربه على صوره شاب أمرد ، وأن الله خلق آدم على صورته ، وأن لله یداً ورجلاً وساقاً یضعها فی جهنم فتمتلئ !
وکان من أبرز من نشرها من سموه (الإمام) أبو الزناد ابن أخ أبی لؤلؤه قاتل عمر بن الخطاب ، وهو موظف حکومی ولیس من العلماء ولا الرواه !
قال الذهبی فی سیر أعلام النبلاء:۸/۱۰۳:«قال ابن القاسم: سألت مالکاً عمن حدث بالحدیث الذی قالوا: إن الله خلق آدم على صورته ، والحدیث الذی جاء: إن الله یکشف عن ساقه وأنه یدخل یده فی جهنم حتى یخرج من أراد ، فأنکر مالک ذلک إنکاراً شدیداً ونهى أن یحدث بها أحد ! فقیل له إن ناساً من أهل العلم یتحدثون به فقال: من هو؟ قیل ابن عجلان عن أبی الزناد ، قال: لم یکن ابن عجلان یعرف هذه الأشیاء ولم یکن عالماً وذکر أبا الزناد فقال: لم یزل عاملاً لهؤلاء حتى مات» انتهى.
یقصد أن راوی الحدیث أبو الزناد متهم، لأنه کان موظفاً عند بنی أمیه ینشر بین المسلمین أحادیث التجسیم لکعب الأحبار التی تبناها الأمویون !
لکن الوهابیین أحبوا دین کعب الأحبار! ففی فتاوی ابن باز:۴/۳۶۸/ فتوى رقم۲۳۳۱، قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً! وهو حدیث صحیح، ولا غرابه فی متنه فإن له معنیان: الأول: أن الله لم یخلق آدم صغیراً قصیراً کالأطفال من ذریته ثم نما وطال حتى بلغ ستین ذراعاً ، بل جعله یوم خلقه طویلاً على صوره نفسه النهائیه طوله ستون ذراعاً والثانی: أن الضمیر فی قوله:على صورته ، یعود على الله بدلیل ما جاء فی روایه أخرى صحیحه : على صوره الرحمن»!
وکلامه تقلید لإمامه ابن تیمیه الذی تبنى الحدیث المکذوب عن النبی(ص) ! قال فی کتابه التأسیس فی الرد على أساس التقدیس: «وهذا یدل على أنه رآه ، وأخبر أنه رآه فی صوره شاب دونه ستر وقدماه فی خضره ، وأن هذه الرؤیه هی المعارضه بالآیه والمُجاب عنها بما تقدّم ، فیقتضی أنها رؤیه عین ،کما فی الحدیث الصحیح المرفوع عن قتاده ، عن عکرمه عن ابن عباس قال: قال رسول الله(ص) : رأیتُ ربی فی صوره أمرد ، له وفره ، جعد ، قطط فی روضه خضراء »! راجع أیضاً: نقض عثمان بن سعید على المریسی/۴۳۸، وتفسیر ابن کثیر:۶/۴۴۸٫
~ ~»
۱۱- سبب نشوء الطرق فی معرفه الله تعالى
عقیدتنا أن الله تعالى لایمکن أن یترک الأمر للناس لیجتهدوا فی معرفته وعبادته وأن القرآن لایکفی لذلک لأنه حَمَّال وجوه، والسنه لاتکفی لأن رواتها ومفسریها مختلفون، فلا بد من تعیین أئمه معصومین بعد النبی(ص) یکونون قدوات للناس فیشرحون لهم معرفه الله تعالى فی النظریه ، ویجسدونها فی التطبیق !
وهم کما أخبر النبی(ص) اثنا عشر ربانیاً من عترته (علیهم السلام) ، وقد أمرالأمه باتِّباعهم لکن قریشاً سارعت الى أخذ الخلافه ، وعزلت العتره (علیهم السلام) وحجبتهم عن إمامه الناس ، ولم تعرف الشعوب الجدیده أن إمامتهم جزءٌ لا یتجزأ من الإسلام ، وأنها یجب أن تأخذ معرفه الله تعالى وعبادته منهم ، فتعددت فیها الإجتهادات ، وتأثر مجتهدوها بثقافات الأدیان والوثنیات ، فنشأ التصوف فی الأمه الإسلامیه !
 
وبرز وُعَّاظٌ وعُبَّادٌ وقراءٌ ومُنَظِّرُون لمعرفه الله وعبادته ، کلهم من الشعوب غیر العربیه، وکان مستواهم الذهنی متفوقاً ، وکانوا یعتبرون أنفسهم أکثر حضاره ومدنیه من العرب وأنهم إن فهموا لغتهم فهم أقدر منهم على فهم نصوص الدین الذی نزل علیهم ، وفهم أغراضه وأهدافه !
فاتبعهم العرب أتباع الخلافه ، وجعلوهم مشایخ طرق صوفیه !
_________________________
المصدر : عقائد الشیعه
المؤلف : الشیخ علی الکورانی

Leave A Reply

Your email address will not be published.