التوحید فی الذات ۱

0

أحد: بسیط لا جزء له خارجاً ولا ذهناً
قد عرفت أن التوحید الذاتی یفسر بمعنیین: الأوّل: إِنَّه واحد لا مثل
له ، والثانی : إنّه أحد لا جزء له ، ویعبر عن الأوّل بالتوحید الواحدی ، وعن
الثانی بالتوحید الأحدی ، وقد عرفت دلائل التوحید بالمعنى الأوّل ، وإلیک
البحث فی المعنى الثانی فنقول:
الترکیب یتصور على قسمین:
الأوّل : الترکیب الخارجی ، کترکیب الشَّیء من أجزاء خارجیَّه ، من
عناصر مختلفه کالعناصر المعدنیه والمرکبات الکیمیائیه . وهذا القسم من
الترکیب مستحیل علیه سبحانه ؛ لأنّ الشیء المرکب من مجموعه أجزاء ،
محتاج فی وجوده إلیها ، والمحتاج إلى غیره معلول له ولا یوصف بوجوب
الوجود والألوهیه ، هذا.
مضافاً إلى أنّ الأجزاء المؤلَّفه للذات الإِلهیه ، إمّا أنْ تکون « واجبه
الوجود» فیعود إلى تعدد الآلهه وتکثر واجب الوجود ، وقد فرغنا عن امتناعه ،
أو تکون ممکنه الوجود ، وفی هذه الصوره تکون نفس تلک الأجزاء محتاجه
إلى غیرها ، ویکون معنى هذا أنَّ ما فرضناه « إلهاً واجب الوجود» معلول
________________________________________
(۳۰)
لأُمور ممکنه هی فی حدّ نفسها معلوله لموجود أعلى ، وهذا أمر محال.
الثانی: الترکیب العقلی ، والمراد منه هو کون الشیء بسیطاً خارجاً ،
ولکنه ینحل عند العقل إلى شیئین ، وهذا کالجنس والفصل وما یقوم مقامهما ،
فإنّ وزان الجنس عند العقل غیر وزان الفصل فواقع الإِنسانیه وإن کان شیئاً
واحداً فی الخارج ، لکنه ینحل فی العقل إلى ما به الاشتراک وهو الحیوانیه ،
وما به الامتیاز وهو الناطقیه.
وهناک قسم آخر من الترکیب العقلی أدق من ترکب الشیء من جنسه
وفصله ، وهو کون کل ممکن مرکباً من وجود وماهیه حتى اشتهر قولهم : «کل
ممکن زوج ترکیبی له ماهیه ووجود ». وهذه الکلمه لا تعنی أنَّ هناک شیئاً
یقابل الوجود وشیئاً آخر یقابل الماهیه ، بل لیس فی الخارج إلاّ شیء واحدٌ
وهو الوجود ، ولکن الماهیه تبین مرتبته الوجودیه کالجماد والنبات والحیوان
وغیرها ، کما أن الوجود یحکی عن عینیته الخارجیه التی تطرد العدم.
والترکیب فی هذا القسم أدقّ من الترکیب فی القسم السابق أی ترکب
الشیء من جنسه وفصله ، ومع ذلک کله فهذا النوع من الترکیب محال علیه
سبحانه ؛ إذ لو کان له ماهیه ، وشأن الماهیه فی حد ذاتها أن تکون عاریه عن
الوجود والعدم ، قابله لعروضهما ، فعندئذٍ یطرح السؤال نفسه : ما هی
العلّه التی أفاضت علیها الوجود؟ ، والمحتاج إلى شیء آخر یفیض الوجود
على ماهیته یکون ممکناً لا واجباً . ولأجل ذلک ذهب الحکماء من الإِلهیین
إلى بساطه ذاته و تنزیهه عن أی ترکیب خارجی أو عقلی ، وبالتالی کونه منزهاً
عن الماهیه.
ثمّ إنَّ ما جاء فی صدر سوره التوحید یمکن أن یکون دالاً على هذا
النوع من التوحید ، قال سبحانه:
________________________________________
(۳۱)
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }(۱). فهو یقصد ردّ التثلیث الترکیبی الذی تتبنّاه
النصارى أو ما یماثل ذلک الترکیب.
والدلیل على ذلک هو أنَّه لو کان المقصود من توصیفه بـ «أحد» غیر
البساطه للزم التّکرار بلا جهه لتعقیبه ذلک بقوله فی ذیل السوره: { وَلَمْ یَکُنْ
لَهُ کُفُوًا أَحَدٌ}. فصدر السوره ناظر إلى التوحید بمعنى البساطه ، کما أنَّ ذیلها
ناظر إلى التوحید بمعنى نفی الشیء والنظیر له ، ویتضح ذلک إذا وقفنا على
أن السوره برمتها نزلت فی رد عقائد المسیحیین ، وإن لم یرد ذکرهم
بالاسم.
وبذلک تقف على قیمه کلمه قالها الإمام الطاهر علی بن الحسین
السجاد ـ علیه السَّلام ـ : « إنَّ الله عَزّ وجلّ عَلِمَ أنّه یکون فی آخر الزمان
أقوامٌ مُتَعَمِّقون ، فأنزل الله عزّ وجلّ : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ }.
والآیات من سوره الحدید… إلى قوله :{وَهُوَ عَلِیمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ،
فمن رام ما وراء هنالک هلک » (2).
وهناک حدیث بدیع عن أمیرالمومنین ـ علیه السَّلام ـ یشیر فیه إلى کلا
التوحیدین أی کونه واحداً لا مثیل له ، وواحداً لا جزء له ، قال
ـ علیه السَّلام ـ : « وَأَمَّا الوَجْهانِ اللّذانِ یَثْبُتانِ فِیهِ فَقَوْلُ القائِل:
۱ـ هُوَ وَاحِدٌ لَیْسَ لَهُ فی الأشیاء شَبَهٌ.
۲ـ إِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أَحَدِیُّ المَعْنى : لا یَنْقَسِمُ فی وُجود ولا عَقْل ولا
وَهَم ٍ » (3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره الإخلاص: الآیه ۱٫
(۲) توحید الصدوق : ص ۲۸۳ ـ ۲۸۴، طبعه الغفاری.
(۳) توحید الصدوق : ص ۸۳ ـ ۸۴ ، وهذه المفاهیم العالیه الوارده فی هذه الأحادیث آیه کون
العتره الطاهره وارثه لعلوم النبی الأکرم ، وکونهم خلفاءه فی الأرض.
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.