تسمیه الأبناء بعبد النبی، عبدالعلی أو عبدالرضا و الشرک

0

 
 
السؤال: إذا کان الإنسان عبداً للّه سبحانه و تعالى فکیف یصحّ أن نسمّیه ب «عبد زید» أو «عبد عمرو» ؟!!
الجواب: قد تصل درجه الحب و الولاء و شدّه الشوق فی الإنسان إلى درجه بحیث یرى نفسه «عبداً» أو «غلاماً» لمن یحبه ویوده، و ما ذلک إلّا إمعاناً منه فی إبراز الحب و إظهار التصاغر أمام حبیبه.
و من هذا المنطلق تجد الکثیر من ذوی النفوس الطاهره و الأرواح الزکیه یعشقون الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله و سلم)، و یهیمون به و بالأولیاء و الصالحین إلى درجه یدفعهم ذلک الحب و الشوق و الموده لهم إلى أن یسمّوا أبناءهم «بعبد النبی» أو «عبد الحسین»، و غیر ذلک من الأسماء التی تبدأ بکلمه «عبد»، و فی الحقیقه أنّ هذه التسمیه هی انعکاس طبیعی و تعبیر بری‏ء عمّا تکن نفوسهم من الحب و الولاء و الشوق للنبی (صلى الله علیه و آله و سلم) و أهل بیت الوحی (علیهم السلام).
و لیس وراء تلک التسمیه غایه أو قصد آخر غیر ما ذکرنا، و ما یدرک ذلک إلّا ذوو النفوس الطاهره والأحاسیس المرهفه.
بعد هذه المقدّمه نشیر إلى إشکالیه أثارها البعض حول تلک التسمیه حیث قالوا: لا ینبغی للإنسان أن یرتدی برداء العبودیه إلّا للّه سبحانه، لأنّ هذا الرداء من شأنه سبحانه و تعالى وحده لا یشارکه فیه أحد مهما کان، کما یقول عزّ وجلّ: « إِنْ کُلُّ مَنْ فِی السَّمواتِ وَ الأَرْضِ إِلّا آتِی الرَّحْمنِ عَبْداً».[1]
فإذا کان الإنسان عبداً للّه سبحانه و تعالى فکیف یصحّ أن نسمّیه ب- «عبد زید» أو «عبد عمرو» فإنّ هذه التسمیه تشم منها رائحه الشرک؟!!
جواب الشبهه :
من أجل أن تظهر الحقیقه وینجلی الحق، و لیتّضح مدى و هن هذا الإشکال لابدّ أوّلًا من معرفه و بیان ملاک «العبودیه» ثمّ الانتقال للحدیث عن «الانحصار وعدم الانحصار» ثانیاً.
و بعباره أُخرى: لابدّ من التمییز بین العبودیه التکوینیه التی عجنت مع جوهر الإنسان، و بین العبودیه التشریعیه أو القانونیه التی قد تنفصل عن الإنسان، فإنّ ذلک مهم جدّاً فی مقام الإجابه عن الشبهه المطروحه فنقول:
إذا کان الملاک فی العبودیه هو «الخالقیه» و «منح الوجود» للطرف المقابل، فلا شکّ أنّ جمیع بنی الإنسان یشترکون فی هذه العبودیه للّه سبحانه و تعالى ولا یشارکه فیها أحدٌ أبداً، و إذا ما وجدنا السید المسیح (علیه السلام) یقول: « إِنّی عَبْدُ اللّه »[2]، أو نراه سبحانه ینادی المؤمنین بقوله: (یا عباد)، و بقوله: « قُل یا عِبادِ الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّکُمْ »[3] فإنّ ذلک کلّه منطلق من هذا الملاک، أعنی: ملاک الخالقیه و منح الوجود للإنسان.
و من الواضح أنّ هذا النوع من العبودیه ملازم للإنسان و یستحیل أن ینفک عنه أبداً، و لابدّ للإنسان أن ینطلق فی عبودیته للّه سبحانه و یطیعه و یعبده من خلال هذا الملاک؛ أمّا إذا کانت العبودیه ناشئه من الملاک التشریعی أو العقد الاجتماعی، فحینئذ لا تکون العبودیّه هنا منحصره باللّه سبحانه و تعالى، بل یمکن- و تحت شروط خاصه و ظروف معینه- أن یکون الإنسان عبداً لغیره، نشیر هنا إلى کلا النموذجین:
۱٫ طالما هیمن الطواغیت و المستکبرون على مقدّرات المستضعفین و المحرومین و استرقّوهم بحیث أصبحوا بمنزله السلعه تباع وتشترى فی أسواق النخاسه، و لم ینحصر الأمر بهم بل امتد لیشمل أبناءهم و ذراریهم، و لیس التاریخ الأُوروبی و الأمریکی ببعید عنّا، حیث کانوا و لفتره قریبه جداً یزاولون تجاره الرق، بل کان کسب الکثیر منهم قائماً على أساس سرقه و اختطاف الإنسان الأسود فی أفریقیا و شحنه بطریقه مأساویه جداً فی سفن لا تتوفر فیها أبسط الوسائل لنقل الإنسان، بل کانت تمارس بحقّهم أقسى أنواع المعامله، و أنت إذا نظرت إلى المجتمع الأُوروبی أو الأمریکی تجد الکثیر من نسل أُولئک الأفارقه الذین اختطفوا من أرضهم و أُرسلوا قسراً إلى تلک البلاد. و لقد عارض الإسلام هذا النوع من الاسترقاق و العبودیه. و سعى للقضاء على ظاهره الرق، و إذا ما وجدنا الإسلام قد أجاز ذلک فی الحروب الشرعیه فلأجل الحفاظ على حیاه الأسرى، و لکنّه فی الوقت نفسه جعل لهم أحکاماً خاصه تؤول فی النتیجه إلى تحریرهم و خلاصهم، و قد بحثت هذه القضیه مفصّلًا فی أبواب الفقه الإسلامی.
۲٫ انّ القرآن الکریم قسّم الناس إلى صنفین، فقال: « الحُرُّ بِالحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالعَبْدِ »[4]، و لا ریب أنّه لیس المقصود فی الآیه هو العبد التکوینی، و ذلک لأنّ العبودیه بهذا المعنى لا تختص بصنف من الناس دون صنف، بل الکلّ فیها سواسیه فالجمیع عبید له سبحانه، إذاً المقصود من الآیه «العبد» مقابل «الحرّ»، فلابدّ حینئذ من بیان هذه العبودیه، و انّ العبد الذی جاء ذکره فی القرآن عبد لمن؟
لا ریب أنّ المراد منه الإنسان الذی یکون عبداً لغیره، و الذی یمتلک زمام أُموره و یتسلّط علیه وفقاً للقانون و التشریع الإسلامی.
و فی آیه أُخرى نجد القرآن المجید وفی مجال الحثّ على التزویج و الترغیب فیه یقول: « وَأَنْکِحُوا الأَیامى مِنْکُمْ وَالصّالِحینَ مِنْ عِبادِکُمْ وَإِمائِکُمْ ».[5]
وحینئذ نتساءل الآیه تقصد عبد من؟ و أمه من؟ لا شکّ أنّها تقصد العبد أو الأمه اللذین تسلط علیهما مالکهما بطریقه شرعیه.
بعد هذه المقدمه یتّضح لنا و بجلاء أنّ العبودیه النابعه من الخالقیه و الربوبیه لا یمکن أن تضاف إلى غیره سبحانه و تعالى، فالکلّ عبیده بما فیهم الأنبیاء و الأولیاء فضلًا عن عامّه الناس، و أمّا العبودیه النابعه من التشریع و التقنین فمن الممکن أن تنسب إلى غیره سبحانه فیقال: «زید غلام النبی (صلى الله علیه و آله و سلم)»، و «قنبر غلام علی» و «فلان عبد زید» و «فلانه أمه فلان» و هکذا.
و بالالتفات إلى هذین النوعین من العبودیه نفهم: أنّ العبودیه القانونیه رمز للطاعه و التبعیه للمولى، أی ینبغی على العبد أو الأمه إطاعه مولاهما و اتّباع أوامره و نواهیه، و لقد حدّد الفقه الإسلامی دائره تلک الأوامر و النواهی و مقدار دائره حقّ المولى على عبیده و إمائه. و من هنا نعرف انّ الغایه من تسمیه الأبناء ب«عبد النبی» أو «عبد الحسین» هو تشبیه الأطفال بالعبد القانونی الذی جوهر حقیقته هو الطاعه، فیکون المعنى هکذا: کما أنّ العبد القانونی مطیع و تابع لمولاه، فهکذا صاحب هذا الاسم- أی الولید- هو عبد للنبی أو لسید الشهداء و مطیع لهما.
و بعباره أُخرى: انّ مصطلح «العبد» یراد به هنا «المطیع»، و هذا المعنى قد استعمل فی اللغه العربیه،[۶] و المسلمون و طبقاً لقوله تعالى: « أَطیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولی الأَمْرِ مِنْکُمْ »[7] هم فی الحقیقه مطیعون للّه و للرسول ولأُولی الأمر و تابعین لهم.[۸]
__________________________________________

مصادر:
[۱] – مریم ۹۳٫
[۲] – مریم: ۳۰٫
[۳] – الزمر: ۱۰٫
[۴] – البقره: ۱۷۸٫
[۵] – النور: ۳۲٫
[۶] – انظر المنجد: ماده« عبد».
[۷] – النساء: ۵۹٫
[۸] – الوهابیه والمبانی الفکریه، الشّیخ جعفر السبحانی ،ص۴۱۹- ۴۲۵ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.