حمله المغول الأولى
ثم ساروا إلى بلاد شروان وبلد اللان واللکز فاستولوا على الأمم المختلفه بتلک الأصقاع ، ثم ملکوا بلاد قنجاق، وسارت طائفه أخرى إلى غزنه وما یجاورها من بلاد الهند وسجستان وکرمان، فملکوا ذلک کله فی سنه أو نحوها، وفعلوا من العیث والقتل والنهب ما لم یسمع بمثله فی غابر الأزمان ).(تاریخ ابن خلدون:۳/۵۳۴).
وقد وصف ابن کثیر فعلهم فی بخارى بعد أن هزموا الجیش المدافع عنها ، قال: (فاصطفى أموال تجارها وأحلها لجنده ، فقتلوا من أهلها خلقاً لا یعلمهم إلا الله عز وجل ، وأسروا الذریه والنساء وفعلوا معهن الفواحش بحضره أهلیهن ، فمن الناس من قاتل دون حریمه حتى قتل ، ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب ، وکثر البکاء والضجیج بالبلد من النساء والأطفال والرجال ، ثم ألقت التتار النار فی دور بخارى ومدارسها ومساجدها ، فاحترقت حتى صارت بلاقع خاویه على عروشها ، ثم کروا راجعین عنها قاصدین سمرقند) ! (النهایه:۱۳/۹۹) .
سلطان سلاطین الخلافه یموت من الخوف !
کان سلطان سلاطین البلاد الإسلامیه محمد خوارزم شاه ، وکانت بیده إمکانات دول وجیوشها ، لکنه أصیب بالذعر من هلاکو فهرب أمامه من بلد الى بلد حتى وصل الى البحر أو الهند ، وهلک وانقطعت إخباره ؟!
قال عنه الذهبی فی سیره:۲۲/۲۲۴: (وکان خوارزم شاه محمد قد عظم جداً ، ودانت له الأمم ، وتحت یده ملوک وأقالیم) .
وقال عنه السبکی فی الطبقات:۱/۳۲۹: ( وأما خوارزمشاه فکان سعده قد تکامل ورأى من العظمه ما لم یعهد مثله لملک من زمن مدید وطالت مدته… ملک(بلاد) الخطا ، وما وراء النهر وخوارزم وأصفهان ومازندران وکرمان ومنجان وکش وجکان والغور وغزنه وأمیان وأترار وأذربیجان إلى ما یلیها من الهند وبلاد الترک ، وجمیع ما وراء النهر إلى أطراف الصین ، وخطب له على منابر دربند شروان وبلاد خراسان وعراق العجم وغیرها من الأقالیم المتسعه والمدن الشاسعه ، مع المکنه الزائده ، وطول المده… وقیل إنهم وجدوا فی خزانه من خزائنه عشره الآف ألف دینار ، وألف حمل من الأطلس).انتهى. (وهزموا خوارزم شاه علاء الدین محمد بن تکش، فلحق بجزیره فی بحر طبرستان فامتنع بها إلى أن مات). (تاریخ ابن خلدون:۳/۵۳۴).
وقال فی الکامل:۱۲/۳۶۱: (عمد جنکزخان لعنه الله وسیَّر عشرین ألف فارس وقال لهم: أطلبوا خوارزمشاه أین کان ، ولو تعلق بالسماء ، حتى تدرکوه وتأخذوه ! ).
وقال الذهبی فی سیره:۲۲/۲۳۸: (ثم جهز جنکزخان خلف خوارزم شاه فعبروا جیحون خوضاً وسباحه ، فانهزم منهم وهم وراءه ثم عطفوا فأخذوا الریّ ، ومازندران ، وظفروا بأم خوارزم شاه ومعها خزائنه ، فأسروها).
وفی طبقات الشافعیه:۱/۳۳۷: (فرأوا فی الطریق أم السلطان خوارزمشاه ، وکانت قد سمعت بهزیمه ابنها وهی فی خوارزم ، وخوارزم دار ممکتهم العظمى ، فأخرجت من الحبس عشرین سلطاناً کانوا فی سجن ولدها وقتلتهم ، وأودعت بعض القلاع من الأموال ما لایدرک کثرهً ، ثم سارت فرأوها ومعها من الأموال والجواهر والنفائس ما لا یعد کثرهً ، فاستأصلوا ذلک کله) ! وفی سیر الذهبی:۲۲/۱۴۳: (فمن ألقابها: عصمه الدنیا والدین، ألغ ترکان، سیده نساء العالمین، وکانت سفاکه للدماء ، وهی من بنات ملوک الترک ، ولها من الأموال والجواهر ما یقصر الوصف عنه، فأخذت التتار الجمیع ومما أخذوا لابنها صندوقین کان هو یقول: فیهما ما یساوی خراج الأرض) .
وفی سیر الذهبی:۲۲/۲۳۳: (ودخلت سنه۶۱۶ ، وما زال أمر خوارزم شاه فی إدبار وسعده فی سفال وملکه فی زوال ، وهو فی تقهقر واندفاع ، إلى أن قارب همذان وتفرق عنه جمعه حتى بقی فی عشرین ألفاً ، فما بلع ریقه إلا وطلائع المُغُل قد أظلته وأحدقوا به(وکانوا عشرین ألفاً بقدر جیشه !) فنجا بنفسه واستحر القتل بجنده وفرَّ إلى الجبل ثم إلى مازندران ، ونزل بمسجد على حافه البحر یصلی بجماعه ویتلو ویبکی ، ثم بعد أیام کبسه العدو فهرب فی مرکب صغیر فوصل إلیه نشابهم وخاض وراءه طائفه فبقی فی لجه ، ومرض بذات الجنب فقال: سبحان الله ما بقی لنا من مملکتنا قدر ذراعین ندفن فیها ! فوصل إلى جزیره فأقام بها طریداً وحیداً مجهوداً ، ومات فکفنه فراشه فی عمامته سنه سبع عشره وست مئه). انتهى.
ومعناه أن ذلک کان قبل غزو المغول لبغداد بتسع وأربعین سنه !
وفی شرح نهج البلاغه:۸/۲۲۷: (فکان کلما رحل عن منزل نزله التتار ، حتى وصل إلى بحر طبرستان فنزل هو وأصحابه فی سفن ووصل التتار ، فلما عرفوا نزوله البحر رجعوا وأیسوا منه… ثم اختُلف فی أمر خوارزم شاه ، فقومٌ یَحْکُون أنه أقام بقلعه له فی بحر طبرستان منیعه فتوفی بها ، وقومٌ یحکون أنه غرق فی البحر ، وقومٌ یحکون أنه غرق ونجا عریاناً فصعد إلى قریه من قرى طبرستان ، فعرفه أهلها فجاءوا وقبلوا الأرض بین یدیه، وأعلموا عاملهم به فجاء إلیه وخدمه، فقال له خوارزم شاه: إحملنی فی مرکب إلى الهند، فحمله إلى شمس الدین أنلیمش ملک الهند وهو نسیبه من جهه زوجته والده منکبونی بن خوارزم شاه الملک جلال الدین ، فإنها هندیه من أهل بیت الملک ، فیقال إنه وصل إلى أنلیمش وقد تغیر عقله مما اعتراه من خوف التتار ، أو لأمر سلطه الله تعالى علیه ، فکان یهذی بالتتار بکرهً وعشیاً) !!
شملت حملتهم دول القفقاز وروسیا وشرق أوروبا
روت مصادر التاریخ إخبار غزو جیش جنکیز لأرمینیه والقفقاز وجورجیا وبلغاریا وبولنا والمجر وروسیا ! وهذه بعض نصوصها:
فی کامل ابن الأثیر:۱۲/۳۸۳: (لما فرغ التتر من بلاد المسلمین بأذربیجان وأران بعضه بالملک وبعضه بالصلح ، ساروا إلى بلاد الکرج من هذه الأعمال أیضاً ، وکان الکرج قد أعدوا لهم واستعدوا وسیروا جیشاً کثیراً إلى طرف بلادهم لیمنعوا التتر عنها ، فوصل إلیهم التتر فالتقوا فلم یثبت الکرج بل ولوا منهزمین ، فأخذهم السیف فلم یسلم منهم إلا الشرید . ولقد بلغنی أنهم قتل منهم نحو ثلاثین ألفاً ، ونهبوا ما وصلوا الیه من بلادهم وخربوها ، وفعلوا بها ما هو عادتهم ، فلما وصل المنهزمون إلى تفلیس وبها ملکهم جمع جموعاً أخرى وسیرهم إلى التتر أیضاً لیمنعوهم من توسط بلادهم، فرأوا التتر وقد دخلوا البلاد لم یمنعهم جبل ولا مضیق ولا غیر ذلک! فلما رأوا فعلهم عادوا إلى تفلیس فأخلوا البلاد ! ففعل التتر فیها ما أرادوا من النهب والقتل والتخریب، ورأوا بلاداً کثیره المضایق والدربندات فلم یتجاسروا على الوغول فیها فعادوا عنها . وداخل الکرج منهم خوف عظیم حتى سمعت عن بعض أکابر الکرج وکان قدم رسولاً أنه قال: من حدثکم أن التتر انهزموا وأُسروا فلا تصدقوه ! وإذا حدثتم أنهم قُتلوا فصدقوا، فإن القوم لا یفرون أبداً ولقد أخذنا أسیراً منهم فألقى نفسه من الدابه وضرب رأسه بالحجر إلى أن مات ، ولم یسلم نفسه للأسَره !
لما عاد التتر من بلد الکرج قصدوا دربند شروان فحصروا مدینه شماخی وقاتلوا أهلها فصبروا على الحصر ، ثم إن التتر صعدوا سورها بالسلالیم…
فملک التتر البلد وقتلوا فیه فأکثروا ونهبوا الأموال فاحتازوها ، فلما فرغوا منه أرادوا عبور الدربند فلم یقدروا على ذلک فأرسلوا رسولاً إلى شروان شاه ملک دربند شروان یقولون له لیرسل إلیهم رسولاً یسعى بینهم فی الصلح ، فأرسل عشره رجال من أعیان أصحابه فأخذوا أحدهم فقتلوه ثم قالوا للباقین: إن أنتم عرفتمونا طریقاً نعبر فیه فلکم الأمان ، وإن لم تفعلوا قتلناکم کما قتلنا هذا ! فقالوا لهم إن هذا الدربند لیس فیه طریق البته ، ولکن فیه موضع هو أسهل ما فیه من الطرق ، فساروا معهم إلى ذلک الطریق ، فعبروا فیه وخلفوهم وراء ظهورهم..
لما عبر التتر دربند شروان ساروا فی تلک الأعمال وفیها أمم کثیره منهم اللان واللکز وطوائف من الترک ، فنهبوها وقتلوا من اللکز کثیراً وهم مسلمون وکفار وأوقعوا بمن عداهم من أهل تلک البلاد ، ووصلوا إلى اللان وهم أممٌ کثیره وقد بلغهم خبرهم فجدوا وجمعوا عندهم جمعاً من قفجاق فقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتین بالأخرى ، فأرسل التتر إلى قفجاق یقولون نحن وأنتم جنس واحد وهؤلاء اللان لیسوا منکم حتى تنصروهم ولادینکم مثل دینهم، ونحن نعاهدکم أننا لا نعترض إلیکم ونحمل إلیکم من الأموال والثیاب ما شئتم وتترکون بیننا وبینهم . فاستقر الأمر بینهم على مال حملوه وثیاب وغیر ذلک فحملوا إلیهم ما استقر ، وفارقهم قفجاق فأوقع التتر باللان فقتلوا منهم وأکثروا ونهبوا وسبوا ، وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون لما استقر بینهم من الصلح فلم یسمعوا بهم إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأول فالأول ، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوا إلیهم ! وسمع من کان بعید الدار من قفجاق الخبر ففروا من غیر قتال وأبعدوا ، وبعضهم اعتصم بالغیاض وبعضهم بالجبال ، وبعضهم لحق ببلاد الروس !
وأقام التتر فی بلاد قفجاق وهی أرض کثیره المراعی فی الشتاء والصیف ، وفیها أماکن بارده فی الصیف کثیره المرعى، وأماکن حاره فی الشتاء کثیره المرعى، وهی غیاض على ساحل البحر ، ووصلوا إلى مدینه سوادق وهی مدینه قفجاق التی منها مادتهم فإنها على بحر الخزر ، والمراکب تصل إلیها وفیها الثیاب فتشترى منهم وتباع علیهم الجواری والممالیک والبرطاسی والقندر والسنجاب ، وغیر ذلک مما هو فی بلادهم ، وبحر خزریه هذا بحر متصل بخلیج القسطنطینیه .
لما استولى التتر على أرض قفجاق کما ذکرنا سار طائفه کثیره منهم إلى بلاد الروس ، وهی بلاد کثیره طویله عریضه تجاورهم ، وأهلها یدینون بالنصرانیه فلما وصلوا إلیهم اجتمعوا کلهم واتفقت کلمتهم على قتال التتر إن قصدوهم وأقام التتر بأرض قفجاق مده ، ثم إنهم ساروا سنه عشرین وستمائه إلى بلاد الروس فسمع الروس وقفجاق خبرهم وکانوا مستعدین لقتالهم ، فساروا إلى طریق التتر لیلقوهم قبل أن یصلوا إلى بلادهم لیمنعوهم عنها ، فبلغ مسیرهم التتر فعادوا على أعقابهم راجعین فطمع الروس وقفجاق فیهم ، وظنوا أنهم عادوا خوفاً منهم وعجزاً عن قتالهم فجدُّوا فی اتِّباعهم ولم یزل التتر راجعین وأولئک یَقْفُون أثرَهم اثنی عشر یوماً ! ثم إن التتر عطفوا على الروس وقفجاق فلم یشعروا بهم إلا وقد لقوهم على غره منهم ، لأنهم کانوا قد أمنوا التتر واستشعروا القدره علیهم فلم یجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتر منهم مبلغاً عظیماً ، فصبر الطائفتان صبراً لم یسمع بمثله ، ودام القتال بینهم عده أیام ثم إن التتر ظفروا واستظهروا فانهزم قفجاق والروس هزیمه عظیمه بعد أن أثخن فیهم التتر وکثر القتل فی المنهزمین فلم یسلم منهم إلا القلیل ، ونهب جمیع ما معهم ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح صوره لبعد الطریق والهزیمه ، وتبعهم کثیر یقتلون وینهبون ویخربون البلاد حتى خلا أکثرها ، فاجتمع کثیر من أعیان تجار الروس وأغنیائهم وحملوا ما یعز علیهم وساروا یقطعون البحر إلى بلاد الإسلام…
لما فعل التتر بالروس ما ذکرناه ونهبوا بلادهم ، عادوا عنها وقصدوا بلغار أواخر سنه عشرین وستمائه ، فلما سمع أهل بلغار بقربهم منهم کمنوا لهم فی عده مواضع وخرجوا إلیهم فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا موضع الکمناء ، فخرجوا علیهم من وراء ظهورهم ، فبقوا فی الوسط وأخذهم السیف من کل ناحیه فقتل أکثرهم ولم ینج منهم إلا القلیل ! قیل کانوا نحو أربعه آلاف رجل فساروا إلى سقین عائدین إلى ملکهم جنکزخان . وخلت أرض قفجاق منهم فعاد من سلم منهم إلى بلادهم ، وکان الطریق منقطعاً مذ دخلها التتر ، فلم یصل منهم شئ من البرطاسی والسنجاب والقندر وغیرها مما یحمل من تلک البلاد ، فلما فارقوها عادوا إلى بلادهم واتصلت الطریق ، وحملت الأمتعه کما کانت…). وفی سیر الذهبی:۲۲/۲۴۲:(وفی العام(۶۲۰)کانت الوقعه بین التتار الداخلین من الدربند وبین القفجاق والروس، وصبروا أیاماً ثم استحر القتل بالروس والقفجاق..وفیها رجعت التتار من بلاد القفجاق فاستباحوا الری وساوه وقم).